Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا ليست منهارة... لكن البريطانيين على يقين من ذلك

نحن أكثر أمناً وثراءً وصحةً من أي وقت مضى... فلماذا يشعر البريطانيون أن بلادهم تتداعى؟

نحن اليوم أكثر أماناً وثراءً وصحة من أي وقت مضى، لكن إذا كان الانطباع السائد على خلاف ذلك، فلا مناص أمام الحكومة إلا أن تُحكم قبضتها على ما "نعلمه جميعاً" وتُعيد صياغته (رويترز)

ملخص

فريزر نيلسون يفند ادعاءات فاراج عن تفشي الجريمة في بريطانيا مؤكداً أن معدلاتها عند أدنى مستوياتها منذ عقود، فيما يواصل الانطباع العام – الذي تغذيه جرائم لافتة وخطاب إعلامي مثير للخوف – تهديد كير ستارمر، الذي يواجه مطالب باتخاذ إجراءات ملموسة ضد السرقة والفوضى وملف طالبي اللجوء.

فريزر نيلسون، رئيس تحرير المجلة الأسبوعية المحافظة "سبيكتاتور" سابقاً، يعيش اليوم مرحلة لافتة بصفته أحد أبرز المدافعين عن حكومة حزب العمال. فقد دخل في مواجهة مباشرة مع نايجل فاراج، زعيم حزب "ريفورم"، في شأن ادعائه أننا نعيش في "بريطانيا بلا قانون".

وفي مؤتمر صحافي عقده فاراج هذا الأسبوع، أشار نيلسون إلى أن معدلات الجريمة في بريطانيا عند أدنى مستوياتها منذ عقود.

وأكد أن تراجع الأرقام ليس وهماً ناتجاً عن عزوف المواطنين عن إبلاغ الشرطة. فالإحصاءات مستقاة من "مسح الجريمة في إنجلترا وويلز" – وهو استطلاع موسّع يشمل عينة تمثيلية من السكان يجيبون عن أسئلة مباشرة عن تعرضهم لأية جرائم خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. وأظهرت النتائج هبوطاً بنسبة أربعة أخماس في معدلات الجريمة منذ عام 1995.

رفض فاراج الدراسة، واصفاً إياها بأنها "عديمة الصدقية" [لا يعتد بها وغير موثوقة] متذرعاً بأنها تتجاهل السرقات من المتاجر. في هذه النقطة تحديداً، لفاراج بعض الحق - فالمسح يرصد الجرائم الواقعة على الأفراد مباشرة، وبالفعل شهدت سرقات المتاجر ارتفاعاً ملحوظاً. غير أن هذا لا ينسف صدقية المسح برمته. بل على العكس، يعد هذا المسح المصدر الأدق والأكثر اعتماداً، بخاصة لقياس التوجهات على المدى الطويل، لأنه لا يتأثر بتغيّر أساليب الشرطة في تسجيل الجرائم.

ماذا قال فاراج رداً على ذلك؟ "نحن جميعاً نعلم أن معدلات الجريمة ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية". أهلاً وسهلاً من جديد، إذاً، بتلك العبارة البغيضة: "نحن جميعاً نعلم". فلقد اعتدتُ، على مدى سنوات، أن أشير إلى أن أربع لجان تحقيق عامة خلصت إلى أن توني بلير قال الحقيقة بشأن العراق، لكنني كنت أواجَه دائماً بعبارة: "نحن جميعاً نعلم" أنه لم يفعل.

وكما يعلق نيلسون: "هذه هي سياسة الانطباع العام". ويشير في مقال ممتاز نُشر في صحيفة "تايمز" إلى أن الأمر نفسه ينطبق على السلامة على الطرق، وتلوث الهواء، ومياه الصرف الصحي، ومستوى المعيشة. إذ "كلنا نعرف" - أو نظن - أن هذه الأمور تسوء، بينما هي في الواقع تتحسن.

لذا فإن نتائج المسح لا تهم معظم الناس. فالأغلبية الساحقة تؤمن بتفاقم الجريمة، وهذا الإيمان لم يتزعزع على رغم أعوام من التراجع الفعلي. تأسر الناس حكايات المآسي التي تصيب الآخرين، ويتذكرون تجاربهم الشخصية على نحو غير دقيق. فكل ما يعود إلى ما قبل خمسة أو 10 أعوام يبدو في ذاكرتهم "عصراً ذهبياً" كانت فيه الأغاني في القوائم أجمل، وأصابع الشوكولاتة (مارس) في متناول اليد وليس خلف الزجاج المصفح.

لكن لماذا أصبح ما "نعرفه جميعاً" أسوأ بكثير خلال العام الماضي؟ يرجَّح أن السبب هو زيادة بعض الجرائم اللافتة: سرقة المتاجر، وسرقة الهواتف، والكتابة على الجدران. هذه الجرائم تمنح الناس شعوراً بالخطر والفوضى، حتى في الوقت الذي يسجل فيه عدد غير مسبوق من الأشخاص شعورهم بالأمان عند السير بمفردهم ليلاً في منطقتهم.

وما يفتك بالثقة هو الانطباع ـ "كلنا نعرف" ـ بأن السلطات ليست ممسكة بزمام الأمور. يقف وراء هذا الانطباع واقع وجود فنادق مليئة بطالبي اللجوء، وحكومة عاجزة عن إيقاف قوارب المهاجرين. والجديد منذ الانتخابات هو تنامي نشاط فاراج، الذي يقود حركة على وسائل التواصل الاجتماعي وقناة تلفزيونية "جي بي نيوز" مكرسة لتصوير البلاد على أنها جحيم لا يُطاق.

حملة نشر الخوف وانعدام الشعور بالأمان بلغت مستوى حرجاً يهدد كير ستارمر. ولا يمكنه التصدي لها بالحقائق وحدها، لأن الرد سيكون دوماً: "كلنا نعرف" أن هذه الحقائق خاطئة.

يضع المدير الإعلاني السابق الذي أصبح ناقداً اجتماعياً، إيان ليسلي، إصبعه على الجرح: "عوضاً عن التساؤل 'لماذا الغضب؟' علينا أن نسأل: 'ما الذي يغيب عن أعيننا؟’".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما تحتاج إليه الحكومة هو اتخاذ إجراءات واضحة وقوية في شأن القضايا التي تمس حياة الناس اليومية مثل السرقة من المتاجر وسرقة الهواتف والكتابة على الجدران، ولكن قبل كل شيء ملف فنادق اللجوء ووقف القوارب.

محاولات ستارمر حتى الآن تفتقر إلى القوة. اجتماعات باهتة في مقر الحكومة مع الشرطة وممثلي قطاع التجزئة وشركة الهواتف، ومبادرات هزيلة تم تقويضها بسبب حماقات المسؤولين – مثل شرطة ويلز التي عاقبت صاحب متجر لأنه وصف اللصوص بـ"الحثالة"، ومدير مترو الأنفاق في لندن، آندي لورد، الذي اتهم المتطوعين الذين أرادوا إزالة الكتابات بأنهم يشوهون القطارات ويحاولون لعب دور الأبطال المُزيّفين.

الأهم، أن ستارمر وقع الآن معاهدة مع فرنسا لإعادة بعض المهاجرين القادمين عبر القنال الإنجليزي، لكن الأمر سيستغرق وقتاً قبل أن تشمل الإعادة معظم أو كل الوافدين، وعندها فقط ستتوقف الرحلات – وهو أمر غير مضمون على المدى الطويل.

أحد الدروس التي استوعبها توني بلير عندما واجه ارتفاع معدلات الجريمة والسلوكيات المناهضة للمجتمع وأعداد طالبي اللجوء، هو أهمية "إظهار الحزم". قد يبدو التعبير من مصطلحات العلاقات العامة، لكنه كان أساسياً لإيصال رسالة للناس بأنه يتفهم مخاوفهم ويعمل على معالجتها.

وعلى ستارمر أن يشكر فريزر نيلسون، القادم سابقاً من مجلة "ذا سبكتيتور"، على تذكيره بأننا اليوم أكثر أماناً وثراءً وصحة من أي وقت مضى – لكن إذا كان الانطباع السائد عكس ذلك، فلا مناص أمام الحكومة إلا أن تُحكم قبضتها على ما "نعلمه جميعاً" وتُعيد صياغته.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء