Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما الذي يعرفه عنك ساعي البريد؟

وجد في الأميال الطوال التي قطعها عبر الحقول فرصة للتفكير فتأمل الديمقراطية والحرية والدين والإيمان وواجه عقله المأزوم

هيئات البريد لا تزال إلى الآن، وإن في بعض البلاد، الوسيلة الرسمية للإخطارات القانونية (اندبندنت عربية)

ملخص

على رغم ما وجد غرانت في عمله من مشقة خلال العام الذي قضاه فيه، بخاصة أنه التحق به في الـ50 من العمر، لكنه يقدم للوظيفة صورة مشرقة، "فقد أحب فيها أنها تمكنه من طرق أبواب الوحيدين، والمستوحشين، وتتيح له فرصاً لأن يفعل الخير، وأحب فيها أنه كان يقوم بتوصيل أشياء أكثر من البريد، فيشيع بين الناس الطمأنينة والأمن، والحياة الطبيعية، والرفقة، والحضارة، أي تلك الأشياء التي يفترض بالحكومة أن توفرها للشعب".

يحدث بينما يقرأ أحدنا مقالة على الإنترنت، أو يكتب رسالة عبر البريد الإلكتروني، أو ينتظر في نفاد صبر تحميل كتاب مقرصن، أن يتجمد نشاط الشاشة، لثوان أو دقائق قليلة، بسبب عطل مجهول، فيتبرم من هذا البطء، لكنني وإن تبرمت أيضاً من ذلك أوقن أن المستقبل يحمل مفاجأة، لعلها رسالة تحتل الشاشة منبئة بعطل ما، لكنه خلافاً للعادة، لن يتأثر بضغط أيقونة هنا أو هناك، أو حتى بإغلاق الجهاز وإعادة تشغيله، ذلك أن اللعبة انتهت، أحدهم فصل القابس، ولم يبق إنترنت، ولم يبق للعالم كما عرفناه منذ عقود قليلة وجود. فحتماً عليك الآن أن تشترى الكتاب من متجر، وأن تقرأ المقالة في صحيفة ورقية، وأن تضع الرسالة في مظروف يؤتمن عليه صندوق البريد. وحتماً على القرية الصغيرة التي تحول إليها الكوكب أن ترجع دولاً تفصلها حدود، في قارات تفصلها محيطات.

لعلنا لهذا لم نسمع ببلد ألغى هيئة البريد، ولا ببلد استعاض عنها بشركات الشحن. فلا تزال هيئات البريد تشغل مقارها التاريخية، وإن علاها تراب الإهمال، لكنها عاجلاً أم آجلاً ستنفضه، وتنهض لإنقاذ البشر، وربط بعضهم ببعض.

بل إن هيئات البريد لا تزال إلى الآن، وإن في بعض البلاد، الوسيلة الرسمية للإخطارات القانونية، فلا محكمة تستدعي مواطناً للشهادة بإيميل، ولا تخطر جامعة طالباً بقبوله عبر "واتساب"، بل لا بد من وثائق مختومة في مظاريف كالحة يفتحها الفضول والفرحة، وتحفظها ملفات من ورق مقوى لا من فوتونات وهمية. ولا تزال هيئات البريد إلى الآن تنقذ حياة البعض، ومن هؤلاء ستيفن ستاريغ غرانت، وهو مواطن أميركي أصدر حديثاً كتاباً بعنوان "ساعي البريد: رحلتي في البرية لتوصيل بريد أبلاتشيا والعثور أخيراً على وطن".

هذا العالم الخفي

تستهل لورين هيرتزل استعراضها الكتاب ["واشنطن بوست" – الـ24 من يوليو (تموز) 2025] بقولها، إن غرانت كان في الـ50 من عمره حينما أصبح ساعي بريد، وذلك لسبب عملي هو أنه كان في حاجة إلى تأمين صحي. عمل فترة طويلة استشارياً ومديراً تنفيذياً في مجال التسويق، ثم فقد عمله حينما تفشى وباء كورونا، وقد جاء طرده من عمله مباغتاً، حتى إنه كان في المطار متجهاً إلى نيويورك لحضور اجتماع خاص بالعمل حينما تلقى الاتصال الهاتفي "في الرابعة من صباح ذلك اليوم كنت موظفاً، ثم لم أعد كذلك".

"كان الأطباء قبل فترة وجيزة من ذلك قد شخصوا حالته بأنه مصاب بسرطان البروستاتا، وكان غرانت الداعم المالي الوحيد لزوجته وبنتيه، فبات لزاماً عليه أن يعثر على عمل جديد بسرعة. وفي مارس (آذار) من عام 2020 لم تكن فرص العمل المتاحة في مجاله كثيرة، أو قريبة من بيته في غرب فرجينيا، ولكن هيئة البريد الأميركية كانت تقوم بالتوظيف، وتدفع لساعي البريد 18 دولاراً ونصف الدولار في الساعة، وذلك مبلغ ضئيل إلى حد مذهل، بحسب وصفه غرانت، لكن الوظيفة كانت مشفوعة برعاية صحية منذ اليوم الأول، فقبلها".

 

تمضي هيرتزل فتقارن بين المطرب ديفين يارن، إذ قال في أغنية مرة إنه يريد يوماً ما أن يكون ساعي بريد يسير عبر الأحياء قارئاً البطاقات البريدية، وغرانت الذي ترسم سيرته صورة أقل شاعرية للوظيفة. صحيح أن غرانت أحب جوانب من عمله فيها، من قبيل قيادة السيارة على الطرق الجبلية الخلفية في أبلاتشيا، ونقل الرسائل والتواصل مع الناس خلال فترة الحظر، لكن جوانب أخرى أرهقته، ومثلت له عبئاً بدنياً، بل وبدت في بعض الأحيان مخيفة تماماً.

يكتب غرانت أن "عمل المرء ساعي بريد يبدو في ظاهره عملاً مباشراً. ومن سوء الحظ أن مهنة حامل الرسائل - شأن مهنة المعلم - من المهن التي يتصور الجميع أنهم قادرون على أدائها. فأنت تأخذ البريد وتمضي على الطريق وتسلمه. فأية صعوبة قد تعترض شيئاً من هذا؟ إن سنيناً من الأعمال التلفزيونية أعطت الناس انطباعاً بأن في هذه المهنة كثيراً من الاستراحات لتناول القهوة، واستراحة غداء مدتها ثلاث ساعات، والتعرض لكثير من ربات البيوت الضجرات".

ولكن غرانت يطرح صورة مختلفة، بحسب ما تنقل عنه لورين هيرتزل، فـ"لقد كنت أجد دائماً في مكتب البريد عندما أصل إليه في الصباح كثيراً من الموظفين يعملون منذ الرابعة صباحاً، ثم يبقى فيه دائماً من يعملون عندما أغادر في نهاية اليوم. وكل هذا عمل لا يراه الناس". تقول هرتزل إن كتاب "ساعي البريد" يرسم صورة للمحة من هذا العالم الخفي.

مكتبة في سيارة

يعطي استعراض دوايت غارنر للكتاب ["نيويورك تايمز" الـ21 من يوليو 2025] تفاصيل هذه اللمحة، إذ يكتب أن "أسوأ ما في مهنة توزيع البريد ليس الكلاب على رغم أن 5 آلاف ساعي بريد يتعرضون لهجمات الكلاب سنوياً، بل ويموت من جراء ذلك قليلون منهم كل 10 أعوام. ومن أجل صد الكلاب يتعلم سعاة البريد أن يحملوا معهم كثيراً من علب رذاذ (هولت) المضاد للكلاب، ويقال لهم في التدريب: أطلقوا الرذاذ حتى تنفد العلبة، واجعلوا الرذاذ في منطقة الـT، أي العينين والأنف، العينين والأنف".

"وليس أسوأ ما في المهنة النحل والزنابير (والعناكب أيضاً) التي تختبئ في صناديق البريد المهملة. وليس أسوأ ما فيها المسلحون الذين يجعلون الفرصة سانحة لإطلاق النار. وليس أسوأ ما فيها المطر أو الجليد أو المطر الثلجي أو البرد القارس أو القيظ في شاحنات البريد غير المكيفة، وليس أسوأ ما فيها الطرود البالغ وزنها 69 رطلاً (إذ ترفض هيئة البريد الأميركية أي طرد يزن 70 رطلاً فأكثر)".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"ولكن أسوأ ما في مهنة توصيل البريد هو ’التغليف‘ اللازم قبل الخروج للعمل كل صباح. فتغليف البريد يعني الترتيب المضني لكل شيء (من مظاريف وصناديق ومجلات وبطاقات بريدية وطرود، وما شئت عدا هذا) وفق نظام ثابت بحيث يسهل على ساعي البريد استعادته بسرعة وهو على الطريق. فالواقع هو أن كل ساعي بريد، في كل يوم عمل، يقيم عملياً ما يشبه مكتبة، يشحنها في سيارة، ثم يفرغ تلك المكتبة في خط سيره. والتغليف يقتضي صبراً، وكثيراً من الأربطة المطاطية، وعلى رغم إرهاقه، فإن الإهمال في تنفيذه قد يفضي إلى شقاء وساعات إضافية إلى يوم العمل".

فضلاً عن أن ذلك العمل يجري - على حد قول لورين هرتزل - في مستودع يصفه غرانت وصفاً ديكنزياً، فـ"كل ما فيه له رائحة زيت التشحيم ودخان السجائر"، والترتيب يجري في خانات أو صناديق مفتوحة كل منها يخص خط سير محدداً. فكان خط سير غرانت يتألف على حد وصف هرتزل "من صناديق إذ صفت متتالية فلعلها تصل إلى ما يساوي قرابة 60 قدماً أفقية، مع توقفات عند كل عنوان في خط السير".

وتضيف لورين هرتزل إلى ذلك أن الوظيفة تتضمن أيضاً أخطاراً مادية لم تدرب هيئة البريد غرانت على التعامل معها من قبيل "كيفية استخلاص شاحنة بريد من بركة جليدية، أو التعامل مع العملاء المصابين حرفياً بالذهان فلا يكفون عن الصياح وهم يطاردون سيارتك قائلين: أخبرني باسمك"، بل لقد حكى غرانت أنه عبر قناة ماء أوشكت أن تجرف سيارته عن الجبل، وأنه عانى انخفاض حرارة جسمه، ويشير إلى أن غالب سعاة البريد يصابون بآلام الكتف والظهر، وكثيراً ما يصابون بسرطان الجلد.

لم يكتف غرانت بوصف دقائق العمل في البريد، لكنه "وجد في الأميال الطوال التي قطعها في مساره الريفي فرصة للتفكير. فتأمل الديمقراطية والحرية، والدين والإيمان، وتأمل أيضاً عقله المأزوم. ويجد القارئ طرافة في تتبع المواضع التي يهيم فيها عقله.

أكثر من العنوان

قد يجدر بعنوان استعراض دوايت غارنر للكتاب ["نيويورك تايمز" – الـ21 من يوليو 2025] أن يذكرنا بقصة "البوسطجي" في مجموعة "دماء وطين" القصصية ليحيى حقي، أو بفيلم "البوسطجي" المأخوذ عنها من إخراج حسين كمال، ذلك أن العنوان يتساءل "ما الذي يعرفه عنك ساعي البريد؟"، ويجيب بأنه "أكثر كثيراً من عنوانك".

في "البوسطجي" ليحيى حقي يجد ساعي البريد، ابن المدينة، نفسه في قلب ريف صعيد مصر، بعيداً من كل مسرات العاصمة، ولا يجد من تسلية إلا التلصص على خطابات الناس، ويحدث مرة أن يطلع على رسالة فيترك أثراً فيها ولا يستطيع من ثم أن يعيدها إلى مظروفها ويغلقه وكأنه لم يكشف سر ما فيها، ويتعذر عليه توصيلها فيتخلص منها وتقع المأساة، ويجد المذنب المسكين يديه ملوثتين بدم فتاة لم يكن يريد بأية حال أن تموت، فكل ما أراده ليس إلا التسلية في ليل الصعيد الطويل المضجر.

 

أما في حال ساعي بريد أبلاتشيا، فيبدو الأمر كما ينبئنا مقال دوايت غارنر أقل من مأسوي بالتأكيد، إذ يقول غارنر إن ساعي البريد غرانت كان يجد تسليته في المنتجات غير التقليدية التي تنقلها شاحنته فيكتب "لو أنكم تحسبون أن ساعي بريدكم لا ينتبه إلى طلبكم لعبة جنسية، فأنتم مخطئون". غير أن المهنة لا تتيح لساعي البريد معرفة ميول الناس الجنسية وحسب، وإنما تتيح له أيضاً الفرصة للاستمتاع برفقة الكتاكيت في أيام معينة يكثر فيها إرسال الكتاكيت، أي أفراخ الدجاج، وإن كان يعقبها دائماً أيام مرهقة بنقل "أكياس أعلافها الثقيلة"، ولكنه في كل الأيام، سواء أيام الكتاكيت أو العلف، كان كثيراً ما يحظى بكعك منزلي الصنع يقدمه له الناس، وبقهوة مجانية من (ستاربكس)، فلم يكن الأمر يخلو من مسرات وأوجاع في قرابة 15 ألف خطوة يخطوها كل يوم".

وعلى رغم ما وجد غرانت في عمله من مشقة خلال العام الذي قضاه فيه، بخاصة أنه التحق به في الـ50 من العمر، فإنه يقدم للوظيفة صورة مشرقة، "فقد أحب فيها أنها تمكنه من طرق أبواب الوحيدين، والمستوحشين، وتتيح له فرصاً لأن يفعل الخير، وأحب فيها أنه كان يقوم بتوصيل أشياء أكثر من البريد، فيشيع بين الناس الطمأنينة والأمن، والحياة الطبيعية، والرفقة، والحضارة، أي تلك الأشياء التي يفترض بالحكومة أن توفرها للشعب". ولا ينبغي أن ننسى أن هيئة البريد الأميركية هيئة فيدرالية، وهي من الهيئات القليلة في الولايات المتحدة التي تعمل عبر مختلف الولايات، فتمثل بطريقة ما رابطاً وطنياً بين أبناء الولايات المختلفة في عاداتها وتقاليدها وقوانينها.

 

في المقابل بحسب ما يحكي غرانت في "ساعي البريد"، فقد كانت في خط سيره امرأة مشتركة في مجلة "ذي إيكونوميست" كانت تعطيه أعداد المجلة كلما انتهت من قراءتها، إلى حد أنه يكتب "عندما ترتفع درجة حرارة الكون في نهاية المطاف، فلن يبقى إلا أعداد غير مقروءة من الـ(إيكونوميست)".

صاخب وبذيء وصاف

لا يبدو من عروض الكتاب في الصحافة الأميركية أن غرانت خلال ذلك العام قد انشغل كثيراً بالعالم الذي تركه، عالم التسويق والعمل المكتبي، ولا أنه بكى أعوامه فيه، أو مكانته، بقدر ما غاص في العالم الجديد الذي ولجه، عالم الريف والجبال وكبار السن والكلاب والنحل وطوابع البريد ومصارعة الطبيعة في بردها أو قيظها. وقد يبقى ذلك غريباً إلى أن يكشف دوايت غارنر حقيقة عن غرانت لا يوليها حقها من الاهتمام. فغرانت خريج برنامج "أيوا" للكتابة الإبداعية، وهو من أعرق برامج تدريس الكتابة الإبداعية في الولايات المتحدة، إن لم يكن الأعرق بينها.

 

على رغم أن غرانت "لا يذكر في (ساعي البريد) إن كان حاول من قبل أن يتفرغ للكتابة"، لكن يبدو أن جائحة كورونا أرغمته على أن يقترب من ذلك، إذ انتزعته انتزاعاً من فقاعة الأمان التي عاشها في عالم التسويق والزواج والأبوة لمراهقتين، وعالم الخوف أيضاً على كل ذلك، فضلاً عن الخوف من سرطان البروستاتا الناشئ، ورمت به في جبال أبلاتشيا، وبيوت المسنين، وأغرقته في ثقافة الطعام والشراب على الطريق، وجعلته يفرغ ذلك العام ـ وربما كل ما سبقه من أعوام العمل مستشاراً تسويقياً ـ في كتاب وصفته حتى دعاية ناشره بأنه "صاخب وبذيء اللغة"، وذلك في ما ترى لورين هرتزل "إيجاز دقيق لأسلوب كتابة غرانت الحافل بالسباب، لدرجة أنني شرعت وأنا أقرأ في تحديد هذه المواضع فأوشك حبر قلمي على النفاد، ذلك أن السباب حاضر منذ الجملة الافتتاحية: ها أنا أجرجر مؤخرتي في عنت إذ أشق الطريق الترابي".

تأخذ هرتزل على غرانت تلك اللغة السوقية البذيئة بدعوى أنها تشتت القارئ، و"هذا أمر مؤسف حقاً، لأن غرانت حكاء عظيم وكاتب رائع، غنائي، وصاف، وأمين". غير أنني أتفهم تماماً أن يكثر السباب في أول ما يكتبه كاتب ظل أعواماً طويلة حبيس عالم واضح أنه لم يكن عالمه. مثل ذلك تقريباً ما دعا إليه الشاعر المصري صلاح جاهين ثوراً مربوطاً في ساقية، إذ حرضه أن يخلع الغطاء المربوط على عينيه، وأن يكسر تروس الساقية، أن يطلق نفسه إلى الحرية، ويطلق من فمه السباب، وذلك تقريباً ما يفعله غرانت، إذ يكتب "معقد هذا العالم الذي أقمناه لأنفسنا، معقد إلى حد الحيرة. فعجباً لمن يعجب من أن الناس يشعرون بقلة الحيلة، أو ممن يعتريهم الغضب! فكيف لا يفعلون وهم يعلمون أن جميع هذه الأنظمة تملي عليهم كل شيء، حتى لو لم يتبينوا ذلك بوضوح".

العنوان: MAILMAN: My Wild Ride Delivering the Mail in Appalachia and Finally Finding Home 

تأليف: Stephen Starring Grant 

الناشر: Simon & Schuster 

اقرأ المزيد

المزيد من كتب