Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مناقشات أميركية تقليدية... هل ترمب رئيس شعبوي أم ديكتاتور منتخب؟

يبدو للبعض أن الرئيس الأميركي يغرد خارج السرب ويهدد النظام القانوني من طريق توسيعه صلاحية الرئاسة وترجيح كفة المحكمة العليا في آن. هذا التقرير ينظر في الأمر ويعرض رأياً قانونياً في المسألة وسياقاً تاريخياً

من علامات ضعف الكونغرس انقسامه إلى قطبين متنافرين على نحو لا يترك محلاً للصلح، ويمتنع عن تقييد سلطات رئيس من صفوف الحزب الغالب (أ ب)

ملخص

هل ترمب رئيس شعبوي أم ديكتاتور؟

برزت في الأسابيع الماضية مسألة استقلال القضاء في الولايات المتحدة والاحتكام إلى المحكمة العليا فيصلاً في قرارات الإدارة الأميركية وفي كل شاردة وواردة قانونية. وكانت القاضية الليبرالية سونيا سوتومايور خالفت حكم المحكمة العليا الصادر في أواخر يونيو (حزيران). وكتبت أن "النظام الحقوقي الجديد" لا يقر بالحصانة من اجتهاد القضاء لأي رأي أو حكم، بالغاً ما بلغ من الأصولية الحقوقية. وهو ما ذهب إليه قاضي المحكمة العليا الآخر بريت كافانوغ الذي صرح بأن من صلاحية محكمة الولايات المتحدة العليا الفصل في كل مسائل الحق. وتناول جيفري روزين، أستاذ القانون في جامعة جورج واشنطن ومدير مركز الدستور الوطني في فيلادلفيا، المسألة في تقرير نشرته "لوموند" الفرنسية في 29/7/2025.

وينم مثل هذا الاحتكام بتوسيع صلاحية المحكمة العليا وتعاظمها، وباستخفاف صريح بسلطة مراتب القضاء الدنيا أو الابتدائية. وهو يلمح إلى أن يعود إلى قضاة الغالبية الست، في المحكمة العليا، الفصل في القضايا كلها. وكانت القاضيتان، سونيا سوتومايير وكينانجي براون جاكسون، تردان على هذا الرأي حين كتبتا مطالعتين مخالفتين، وقالتا إن على المحكمة العليا أن تحترم دولة الحق والقانون، وأن على القضاة الفيديراليين كلهم الإسهام في أحكام الدولة هذه، ولا يجوز أن تستودع سلطة القضاء برمتها، بين يدي المحكمة العليا. ونبه روزين إلى أن حمل الحكم هذا على انتصار حزبي أحرزه دونالد ترمب ليس صحيحاً. فالرئيس جو بايدن عارض الإلزامات العمومية، والديمقراطيون لم تستهوهم صلاحية قضاة المحاكم الابتدائية المحافظين تعليق إجراءات الرئيس وسياساته. فليس في الحكم الصادر في 27 يونيو ما يقدّم حزباً على حزب أو يرجّح كفّته. ومن ناحية أخرى، ثمة مراسيم كثيرة أصدرها الرئيس ترمب، ولاقت اعتراضات أمام المحاكم. وإذا جعل الحكمُ المراقبة القضائية أكثر صعوبة، ترتب على ذلك توسيع السلطة التنفيذية.

ويشير إلى أن دونالد ترمب ينادي بتعزيز السلطة التنفيذية تحت مسمى السلطة التنفيذية الواحدة. وتنص نظرية هذه السلطة على تمتع الرئيس بسلطة صرف أي موظف فيديرالي من العمل من غير قيد، وبجواز إدارة السياسة الخارجية من غير رقابة الكونغرس. واستلهمت هذه النظرية أفكار ألكساندر هاملتون (1755- 1804)، أحد الآباء المؤسسين الأميركيين. ويعود صوغها إلى ولاية دونالد ريغان في العقد التاسع من القرن العشرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقضي هذه النظرية في نهاية المطاف، ببطلان الوكالات الحكومية والاتحادية المستقلة كلها، شأن الاحتياطي الفيديرالي (المصرف المركزي)، بطلاناً دستورياً. وعلى هذه الوكالات أن تبقى تحت رقابة البيت الأبيض. وليس في وسع الكونغرس إنشاء وكالات أو أن يرئس عليها موظفين مستقلين. وفي أثناء الخريف المقبل، على المحكمة العليا أن تنظر في قضية عليها أن تفصل فيها وتقرر دستورية الوكالات أو عدم دستوريتها. وقد يؤدي الحكم إلى النظر في صفة وكالات مستقلة أخرى باسم نظرية السلطة التنفيذية الموحدة، ويوسع سلطة الرئيس توسيعاً هائلاً.

على باب نظام سياسي جديد

ويدرج روزين مسألة استقلال القضاء وترجيح كفة السلطة التنفيذية في سياق تاريخي ويذكر بأن السلطة التنفيذية الموحدة كانت كابوس توماس جيفرسون (1743- 1826)، وهو أحد الآباء المؤسسين كذلك، وثالث رئيس أميركي. وتحمل القاضيتان سوتومايور وجاكسون السلطة التنفيذية الموحدة على انتشار سرطاني لفكر ألكسندر هاميلتون. واتهم جيفرسون هاملتون بالتآمر على الجمهورية، والسعي إلى تنصيب ديكتاتورية قوامها الفساد، وإلى بعث نظام سلطة إمبراطورية في أميركا.

وكان الرجلان على طرفي نقيض في عدد من المسائل الأساسية: مع السلطة التنفيذية على خلاف السلطة التشريعية، ومع الحكومة الوطنية على خلاف حقوق الولايات، مع تأويل الدستور تأويلاً ليبرالياً على خلاف تأويله الضيق والحرفي. وتهيمن هذه المسائل على التاريخ الأميركي، وتتجدد مناقشة بعضها اليوم في حلبة المحكمة العليا. ويتبنى القضاة المحافظون تأويلاً هاميلتونياً للسلطة التنفيذية بينما يتبنى القضاة الليبراليون تأويلاً جيفرسونياً.

وحرص الأميركيون على إرساء سجالاتهم الدستورية المعاصرة على سابقات تاريخية تعود إلى المرحلة التأسيسية. ويستعيد التقدميون المعاصرون لائحة المطاعن التي دوّنها "الآباء" على الملك الإنجليزي والإدارة الاستعمارية في إعلان الاستقلال، في 1776. ونحن على وشك الاحتفال بالذكرى 250 للاستقلال. وفي أثناء التظاهرات الاحتفالية يقرأ المتظاهرون إعلان الاستقلال بصوت عالٍ، ويقارنون بين محاولات الرئيس ترمب تقوية سلطته وبين محاولات جورج الثالث (1738- 1820) أيام الثورة الأميركية، ويشبهون الأول بالثاني. فإعلان الاستقلال والدستور يحملهما الأميركيون على كتب علمانية توحدهم، على رغم الاختلاف على فهمها.

ويسلط روزين الضوء على أن الآباء المؤسسين استبقوا من غير شك انتخاب رئيس على شاكلة دونالد ترمب. وعمد جيفرسون إلى تأسيس الحزب الجمهوري- الديمقراطي بعد أن سمع هاميلتون يقول إن "أعظم رجل في التاريخ هو يوليوس قيصر"، وحدس في تعظيم الفاتح الروماني ميلاً إلى الاستبداد القيصري. وأراد قطع الطريق على ظهور ديكتاتور يستولي على سلطة لا قيد عليها ولا يحدها حد. والحق أن هاميلتون لم يكن أقل خوفاً من جيفرسون، ولكن من ديكتاتورية تصدر عن "تحت"، عن غوغائية الجموع الهائجة والمسلمة قيادها لحماسة خطباء مغامرين.

وقارن الأميركيون، على الدوام، الرؤساء الأقوياء بالقياصرة. ويخوض الأميركيون اليوم غمار مناقشة تاريخية: هل يشبه دونالد ترمب أندرو جاكسون أم يوليوس قيصر؟ هل هو شعبوي على غرار جاكسون، ويريد تقليص الحكومة الفيدرالية ومزاولة سلطة تنفيذية حازمة؟ أم هو ديكتاتور كامن، ويريد هدم مبدأ استقلال السلطات، وإعادة النظر في مبدأ الانتخابات الحرة والمنصفة، ويهدد دولة الحق والقانون؟ لم يحن بعد ربما وقت حسم الجواب. والحق أن الدستور كله كُتب في سبيل لجم القرارات السريعة والمرتجلة، والموازنة بين الإرادة الشعبية والممثلين المنتخبين.

 

ويخلص روزين إلى أن الضعف طوال القرن الماضي أصاب الإجراءات التي تتولى الموازنة بين السلطات. وتعاظمت قوة السلطة التنفيذية وتغولت. وهذا ما لم يكن في مستطاع الآباء المؤسسين استشرافه- منذ انتخابات 1912، على الخصوص، حين دعا ثيودور روزفلت ومودرو ويلسون إلى انتخاب الشعب الرئيس مباشرة، ودافعا عن فكرة رئيس يمثل الشعب من غير وسيط، ويستعمل وسائل مثل الإذاعة (الراديو). فأمست الرئاسة شعبوية، وتختلف عن المثال الذي تصوّره المؤسسون. وشبكات التواصل الاجتماعي كابوس جايمس ماديسون (1751- 1836)، وهو أحد الآباء المؤسسين، لأن هذه الشبكات تخالف معايير التسوية والاعتدال والمداولة.

وإلى ذلك، ينبغي إضافة ضعف الكونغرس، على ما ينبه روزين. ومن علامات هذا الضعف انقسامه إلى قطبين متنافرين على نحو لا يترك محلاً للصلح، ويمتنع عن تقييد سلطات رئيس من صفوف الحزب الغالب. أما أبرز خلاصات الخبير القانوني فهي أن السلطة القضائية أثبتت نفوذها إلى حد ظهرت معه في صورة الساهر الوحيد والأخير على الدستور. و"هذه الأسباب مجتمعة ربما تمهد الطريق إلى بلورة ديكتاتورية منتخبة، أو هي قيد النشوء. وقد يكون ما نشهده عَرَضاً طارئاً أو جزءاً من اتجاه تاريخي مديد، هو توسع السلطات الرئاسية عن أيدي الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء".

وقبل أعوام من ولاية ترمب الثانية، برزت مسألة صلاحيات السلطة التنفيذية حين أصدر الرئيس يومها باراك أوباما من دون العودة إلى القضاء أمراً بتصفية القيادي في "القاعدة" أنور العوالقي، الأميركي بالولادة واليمني الأصل. وكان الاغتيال هذا من أوائل العلامات على انفلات الرئاسة الأميركية من كل عقال قانوني على ما نبهت "واشنطن بوست" في 2011 ومن أولى العلامات على التحديات المترتبة على التوسل بسلاح الدرون. وفي ذلك الحين صور رسم كاريكاتوري أميركي ذاع صيته أوباما على أنه راعي بقر أميركي على صهوة درون. وفي خطاب ألقاه أوباما في مايو (أيار) 2013 ذكر أن بعض القرارات حملت أسئلة عسيرة حول الموازنة بين مصالح الأمن القومي الأميركي والقيم الأميركية. وقال: من استخدام الدرون إلى اعتقال إرهابيين مشتبه فيهم، القرارات التي تتخذها أميركا سترسم وجه الأمة الأميركية والعالم وتحدده".

وقد يبدو لمراقب من بعيد أن دونالد ترمب يغرد خارج السرب الأميركي ولكن يبدو أنه وليد هذه الأمة الأميركية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير