Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفكك الحزبين التقليديين في بريطانيا يهدد بزوال الوسطية السياسية

الحماسة غالباً ما تكون أشد بين المتطرفين فيما يظهر بحث جديد عن الولاء الحزبي أن "العمال" و"المحافظين" في خطر

لا تزال الانشقاقات نحو حزب "كوربن - سلطانة" المفترض إطلاقه قريباً محدودة النطاق (حساب زارا سلطانة على تويتر)

ملخص

تفكك حزبي "العمال" و"المحافظين" في بريطانيا، وتنامي الحماسة لدى أنصار الأحزاب الصاعدة مثل "الخضر" و"كوربن - سلطانة"، يهددان بانهيار الوسطية السياسية، ويكشفان عن تحول جذري في الولاء الحزبي قد يعيد تشكيل المشهد الانتخابي بالكامل.

بدأ التصويت في انتخابات قيادة "حزب الخضر" البريطاني يوم الجمعة الماضية، على أن تعلن النتيجة في الثاني من سبتمبر (أيلول) المقبل، وركز السباق - بين المرشحين إيلي تشونز وأدريان رامزي، اللذين يتنافسان على قائمة مشتركة، وزاك بولانسكي - بصورة غير معتادة، على التكتيكات الانتخابية وعلى الطموح بانتزاع عدد كبير من مقاعد "مجلس العموم" من حزب "العمال".

في غضون ذلك، لا يزال حزب جيريمي كوربن وزارا سلطانة يواصل التحضيرات للإطلاق الرسمي، وسط أجواء حماسية بين أنصاره الذين يتطلعون إلى أن يصبح الكيان الجديد البديل الحقيقي لحزب "العمال" في قيادة اليسار البريطاني، سواء بمفرده أو بالتحالف مع "حزب الخضر".

هناك في الواقع ثمة أسباب كثيرة تدعو إلى التشكيك في طموحات كلا الحزبين، سأعود لتناولها بعد قليل، غير أن احتمالاً جدياً يلوح في الأفق بأن ينهار التأييد الشعبي لحزب "العمال". فكما أشرت إليه في مقالتي الأسبوع الماضي، يبدو أن زعيم الحزب كير ستارمر يتبع ما يشبه "استراتيجية ماكرون"، التي يسعى من خلالها إلى تقديم نفسه على أنه البديل الوحيد الجدي في مواجهة اليميني نايجل فاراج (زعيم حزب "ريفورم") في السباق إلى رئاسة الوزراء. وتقوم هذه الاستراتيجية على محاولة توحيد صفوف الناخبين الساخطين من حزب "العمال" الذين قد يعزفون عن المشاركة في التصويت، أو يميلون إلى تأييد أحزاب أخرى، إضافة إلى أنصار "الخضر"، ومؤيدي كوربن، و"الليبراليين الديمقراطيين"، و"المحافظين" المعتدلين، من خلال تقديم خيار ثنائي حاسم لهم.

لكن ماذا لو لم يكن هذا هو الخيار متاحاً بحلول موعد الانتخابات المقبلة؟ وماذا لو - على غرار تقدم حزب "ريفورم" على حزب "المحافظين" في استطلاعات الرأي - نجح تحالف "الخضر" - كوربن في تجاوز حزب "العمال"؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق، يشير خبير الاستطلاعات البارز بيتر كيلنر إلى نتائج دراسة حديثة أجراها بالتعاون مع مؤسسة "يوغوف" YouGov، تناولت طبيعة الولاء الحزبي لدى الناخبين البريطانيين، ويؤكد في هذا الإطار أن الخلاصات "ينبغي أن تبعث على القلق الشديد لدى كل من حزبي ’العمال‘ و’المحافظين‘".

فقد أظهر بحثه أن مؤيدي حزب "ريفورم" و"الخضر"، غالباً ما يبررون دعمهم بدوافع إيجابية، كأن يقول أحدهم إن الحزب "يتبنى أفضل السياسات في القضية التي تهمني أكثر من غيرها"، أما ناخبو الحزبين التقليديين - "العمال" و"المحافظين" - فيميلون إلى إعطاء تبريرات سلبية من قبيل: "ليس الخيار المثالي، لكنه أفضل من البدائل الأخرى المتاحة".

ويخلص خبير الاستطلاعات إلى أن "الركيزتين الأساسيتين للاحتكار السياسي الثنائي الذي دام لعقود بين "العمال" و"المحافظين"، وهما التأثير العائلي والانتماء الطبقي، قد انهارتا، من دون أن تحل مكانهما دعائم جديدة، كما أن تراجع مستويات المعيشة في بريطانيا زاد من تفاقم الأزمة التي تعصف بالحزبين".

المؤشرات التي تكشف عن اتساع الفجوة بين الحزبين التقليديين في بريطانيا وبقية الأحزاب الصاعدة تتزايد يوماً بعد يوم، سواء من حيث مستوى الحماسة أم الالتزام السياسي لدى المؤيدين. فحركة الانشقاقات الذي بدأها بعض نواب "المحافظين" نحو حزب "ريفورم" قد تتحول إلى موجة عارمة، إذا ما تمكن نايجل فاراج من الحفاظ على الزخم. فقد بدا كمن حصل على "مزهرية مينغ" صينية ثمينة [في إشارة إلى الفرصة السياسية التي أهملها كير ستارمر]، ويبقى عليه الآن أن يحملها بحذر على أرضية سياسية زلقة خلال السنوات المقبلة.

في المقابل، لا تزال الانشقاقات نحو حزب "كوربن - سلطانة" محدودة النطاق حتى الآن، إذ أعلن ستة أعضاء سابقين في المجلس المحلي الذي يسيطر عليه حزب "العمال" في مدينة هاستينغز، وعضو آخر في مجلس كافنتري، يوم الجمعة، انضمامهم إلى الحزب الجديد. غير أن هذه الخطوة قد تشكل نقطة انطلاق أولى لتوسع أكبر، إذا تمكن الحزب الوليد من ترسيخ حضوره وكسب مزيد من الصدقية.

كما ذكرت آنفاً، فإن هناك أسباباً وجيهة تدعو إلى التشكيك في قدرة حزب كوربن - سلطانة على تحقيق اختراق سياسي حقيقي، فإطلاق الحزب جاء مرتبكاً ومفتقراً للتنظيم، أما الاسم الموقت الذي اختير له - "حزبكم" Your Party - فبدا غير موفق على الإطلاق، وكل نقاش حول الحزب يبدأ بارتباك مثل: "حزبكم؟"، "ليس حزبي...".

حتى عدد المسجلين المهتمين بالانضمام إلى الحزب الجديد، الذي بلغ 600 ألف شخص، يظل متواضعاً نسبياً خصوصاً لدى مقارنته بعريضة عام 2019 التي وقعها نحو 6 ملايين شخص للمطالبة بإلغاء المادة 50 وبقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي.

من هنا، تثار تساؤلات حول جدوى إطلاق حملة إعادة ترشيح جيريمي كوربن لقيادة حزب "العمال" خارج الحزب، إذ كتب جيمس ماثيوسون المتحدث السابق باسم الحزب في مرحلة تولي كوربن رئاسة "العمال"، في صحيفة "ذا آي بايبر" The i Paper يوم الجمعة الماضي: "إن تحذيري لليسار، ولا سيما للشباب المتحمسين الذين يمتلكون الطاقة التي نحتاج إليها لتغيير العالم، هو: لا تنجرفوا وراء مشروع تافه آخر". ورفض ماثيوسون الفكرة القائلة إن زارا سلطانة كوجه جديد تعبر عن نهج جديد، معتبراً أن الفكرة "بعيدة تماماً من الحقيقة".

في ما يتعلق بـ"حزب الخضر"، يخيم على النقاش الدائر حول انتخابات قيادة الحزب شعور بعدم الواقعية، ازداد مرارة وطغى عليه الطابع الشخصي، تحديداً بين رامزي وبولانسكي (رفض رامزي حتى القول إنه "يحب" بولانسكي في مناظرة إذاعية أجريت بينهما). وفيما يقدم رامزي وتشونز نفسيهما على أنهما يركزان على النجاح الانتخابي، بعدما تمكنا من زيادة عدد المقاعد البرلمانية للحزب من مقعد واحد إلى أربعة في انتخابات العام الماضي، يصور بولانسكي نفسه على أنه أكثر طموحاً، واصفاً أسلوبه بأنه "شعبوية بيئية"، ومؤكداً استعداده للدخول في تحالفات ما قبل الانتخابات مع فريق كوربن - سلطانة.

قد يكون تغير المناخ، "وهو قضية أؤمن بها بشدة"، إلى جانب الشعور العميق بخيبة الأمل من أداء حكومة حزب "العمال" في الأوقات العصيبة، مسألتين كفيلتين بإحداث اختراق سياسي. إلا أن ما يعرف بـ"التحالف الأحمر - الأخضر" (اليسار مع أنصار البيئة)، لا يزال غير قادر على مجاراة تأثير قضية الهجرة حين تقترن بكاريزما نايجل فاراج.

بطبيعة الحال، قد لا يستمر نجاح حزب "ريفورم" على المدى الطويل، وقد يكون فاراج نفسه هو الذي يسقط "مزهرية مينغ" الصينية [يفشل في استغلال الفرصة]. فقد اضطر يوم السبت الماضي إلى نفي إشاعات طاولت وضعه الصحي، وقال لصحيفة "ذا تايمز" إن خصومه من حزبي "العمال" و"المحافظين" هم الذين "يروجون لمثل هذه المزاعم"، لأنها بحسب تعبيره، "آخر ورقة في أيديهم". لكن الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة، تسلط الضوء على مدى اعتماد حزب "ريفورم" في تقدمه على فرد واحد.

حتى لو برز نايجل فاراج كزعيم للمعارضة الحقيقية مع اقتراب موعد الانتخابات العامة المقبلة، فإن "استراتيجية ماكرون" التي ينتهجها رئيس الوزراء كير ستارمر قد تثبت فاعليتها. كما قد يتبين، في حال انهيار القاعدة الانتخابية لحزب "العمال"، أن حزب "الليبراليين الديمقراطيين" سيجد نفسه في موقع المنقذ للوسطية البراغماتية. وربما يكون جيش زعيمه إد ديفي، غير التصادمي - وليس تحالف كوربن مع "الخضر" - هو الطرف الأكثر قدرة على سد الفراغ الذي سيخلفه تراجع حزب "العمال".

لكن مع ذلك، أعتقد أن انهيار حزب "العمال"، هو احتمال ما زال يجري التقليل من شأنه.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء