Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ستارمر على خطى ماكرون في مواجهة حزب كوربن

أوقع الرئيس الفرنسي عصفورين بحجر واحد من خلال وضعه الناخبين أمام خيار صعب بينه وبين الزعيمة اليمينية مارين لوبن. ستارمر يريد فرض معادلة مماثلة بينه وبين نايجل فاراج

جيريمي كوربن إلى جانب زارا سلطانة في تظاهرة ضد بيع السلاح لإسرائيل (عبر غيتي)

ملخص

يحاول كير ستارمر مواجهة التهديد الذي يشكله حزب كوربن الجديد عبر تبني استراتيجية ماكرونية تضع الناخبين أمام خيار ثنائي حاسم بينه وبين نايجل فاراج، مستفيداً من الانقسام اليساري ونظام التصويت البريطاني لتعزيز فرصه الانتخابية.

قد يكون من السهل السخرية من الحزب البريطاني الجديد الذي نشأ وسط صراع على الزعامة بين شخصيتين تتقاسمان الواجهة. لكن ذلك لا يعني تفويت فرصة التعليق عليه. فالأمر يتطلب قدراً من المهارة كي يعلن أحدهما (البرلمانية زارا سلطانة) عن تأسيس كيان سياسي جديد، ليخرج بعدها الآخر (جيريمي كوربن الزعيم السابق لحزب "العمال") في اليوم التالي نافياً ذلك، ومؤكداً أن ("المناقشات لا تزال جارية").

ثم بعد ثلاثة أسابيع، حين أعلن كوربن أن "الوقت قد حان لظهور حزب سياسي من نوع جديد"، تحت اسم "حزبكم" Your Party لأن هذا ما دل عليه عنوانه الإلكتروني، ردت سلطانة بانفعال على وسائل التواصل الاجتماعي قائلة: "إن اسمه ليس ’حزبكم‘!".

لكن تبين لاحقاً أن "حزبكم" ليس سوى اسم موقت، بحيث سيحدد الاسم الرسمي للحزب ديمقراطياً خلال المؤتمر التأسيسي، على أن يصار إلى الإعلان عن التفاصيل في وقت لاحق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم أن السخرية تظل أداة فعالة لتذكيرنا بالعجز المزمن لتيار كوربن عن تنظيم أي مشروع يتجاوز مجرد الانقسام، فإن ذلك لا يعكس الصورة الكاملة - لأننا نعرف أيضاً حقيقتين مهمتين لا يمكن إغفالهما.

الأولى، هي أن هناك قاعدة دعم واسعة محتملة لنسخة أكثر اعتدالاً من تيار جيريمي كوربن، شرط أن تتخلى عن الماركسية العقائدية، والنزعة العدائية تجاه بريطانيا، وشبهة معاداة السامية (وهي تهمة ينفيها كوربن باستمرار)، لكنها لا تلبث أن تعود إلى الواجهة مع كل نقاش سياسي.

أما الحقيقة الثانية، فهي أن حلفاء كوربن أثبتوا، ولو لفترة وجيزة، قدرتهم على إدارة حملة انتخابية وطنية بكفاءة، كما ظهر في انتخابات عام 2017، عندما اقتربوا من إطاحة رئيسة الوزراء "المحافظة" تيريزا ماي.

لذا، فإن ما يمكن أن يُطلق عليه مؤقتاً "ليس حزبكم" قد يتحول إلى قوة لا يُستهان به. فبحسب بعض استطلاعات الرأي، من المرجح أن يستقطب معظم مؤيدي "حزب الخضر"، كذلك فإنه سيقتطع جزءاً من أصوات قاعدة حزب "العمال". قد يكون من السهل على وزير الدولة البريطاني لشؤون العلوم بيتر كايل، الاستخفاف بزعيمه السابق ووصفه بأنه "ليس سياسياً جاداً"، إلا أنه على حزب "العمال" أن يتعامل مع التهديد الجديد بجدية.

وهذا ما يفعله. فقد تعرض رئيس الوزراء البريطاني لانتقادات - ليس أقلها من سلطانة – لترديده خطاب فاراج، مما دفع ناخبي حزب "العمال" النافرين من حزب "ريفورم" بتأييدها [أي خطاب سلطانة]. لكن أعتقد أن هذا يشكل فهماً خاطئاً لاستراتيجية كير ستارمر. فهو يدرك تماماً أن جزءاً من التحالف الانتخابي لحزب "العمال" يشعر بالنفور من فاراج، لكنه يريد استغلال قوة التنافر هذه لمحاولة الاحتفاظ بهؤلاء الناخبين، وليس إبعادهم.

هذا ما يمكن تسميته "استراتيجية إيمانويل ماكرون". فقد نجح الرئيس الفرنسي مرتين في صد تهديد [زعيم حركة "فرنسا غير الخاضعة" La France Insoumise] اليساري جان لوك ميلانشون - وهو النظير الفرنسي لتيار كوربن-سلطانة - من خلال ترسيخ نفسه كخيار رئيس في مواجهة اليمينية مارين لوبن، المناهضة للهجرة، والزعيمة البارزة في الحزب الذي كان يعرف سابقاً باسم "الجبهة الوطنية" Front National.

عام 2017، ثم مجدداً عام 2022، حل ماكرون في الصدارة في سباق انتخابي منقسم (بفوزه على التوالي بنسبة 24 في المئة و28 في المئة فقط من الأصوات) في الجولة الأولى، مما أجبر الناخبين الفرنسيين على الاختيار بينه - كمرشح وسطي ذي خلفية اشتراكية - وبين مارين لوبن التي يقابل ترشحها بالرفض من قبل غالبية الرأي العام الفرنسي الرصين. وفي كلا الاستحقاقين الانتخابيين، حقق ماكرون فوزاً حاسماً في جولة الإعادة.

ومن خلال الترشح ضد مارين لوبن، تمكن إيمانويل ماكرون من توحيد تحالف واسع النطاق خلفه، ضم أنصار ميلانشون والاشتراكيين السابقين المقربين منه، إلى جانب ما تبقى من رموز التيار المحافظ التقليدي.

في بريطانيا، يسعى كير ستارمر إلى خوض الانتخابات العامة المقبلة في البلاد، وكأنها جولة إعادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، بحيث يضع الناخبين أمام خيار حاسم بينه وبين نايجل فاراج. فهو يدرك جيداً أن التلويح بخطر تولي فاراج رئاسة الحكومة يعد أقوى أوراقه الانتخابية.

إن تصوير الانتخابات المقبلة في المملكة المتحدة على أنها مواجهة بين كير ستارمر ونايجل فاراج، هو الطريقة المثلى ليس فقط لاستقطاب أصوات أنصار كوربن وسلطانة، بل أيضاً لكسب أصوات من "حزب الخضر"، وحزب "الديمقراطيين الليبراليين" وحزب "المحافظين".

أما السؤال الذي يفضل أنصار حزب كوربن-سلطانة تفادي الإجابة عنه، فهو ما إذا كانوا بدعمهم الكيان الجديد، يسهلون الطريق أمام نايجل فاراج للوصول إلى الحكم. وهذا هو المنطق الحتمي الذي يفرضه نظام التصويت بالغالبية البسيطة، وهم يدركونه تماماً، لكنهم يحاولون إنكاره من أجل إبقاء حلمهم السياسي حياً.

معظم أنصار جيريمي كوربن المتحمسين يدركون هذه الحقيقة جيداً. ولهذا، كان كوربن متردداً في المضي قدماً بإطلاق الحزب الجديد، على رغم الحماسة التي أبداها بعض أتباعه لتأسيسه فور فوزه في دائرة "إزلينغتون نورث" كمرشح مستقل في انتخابات العام الماضي. فهو يعلم أن اقترابه من الفوز في انتخابات عام 2017 لم يكن ليحدث لولا سيطرة أنصاره على حزب "العمال" في تلك المرحلة.

في المقابل، إن أي كيان سياسي ناشئ من حزب "العمال"، سرعان ما سيكتشف أن نهج دعم غزة ومناهضة الرأسمالية مهما بدا واسع النطاق، فهو يفتقر إلى عمق جماهيري. وإذا ما حافظ نايجل فاراج على شعبيته، فإن حسم الانتخابات المقبلة سيتقرر في الدوائر الانتخابية التي يتنافس فيها حزب "العمال" مع "ريفورم"، إذ سيكون التصويت للحزب الجديد بمثابة تصويت لمصلحة فاراج.

عندها، سيكون الوقت قد حان - كما قال إيمانويل ماكرون ذات مرة في فرنسا - ليتوحد جميع الذين يؤمنون بالقيم الإنسانية في مواجهة الاستبداد المعادي للمهاجرين. هذه رسالة قد تجدي نفعاً مع ستارمر في بريطانيا، حيث تميل شرائح الناخبين عادة إلى التصويت لحزب "المحافظين"، أو "الديمقراطيين الليبراليين"، أو "حزب الخضر"، وكذلك مع الناخبين الذين ينجذبون إلى أي اسم سيطلق في نهاية المطاف على حزب "كوربن-سلطانة".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل