ملخص
قدم المخرج السكندري الشاب مروان محمود مع فرقة شباب الإسكندرية عرضه المسرحي "رحلة حنظلة" في صياغة جديدة حافظت على روح نص سعد الله ونوس، وإن أدخلت عليه بعض التعديلات التي لا تمس جوهره ورسالته.
في مدينة مَلاهٍ تبدو معظم ألعابها مفرغة من محتواها، هي مجرد أطر فحسب، تدور أحداث مسرحية "رحلة حنظلة" للكاتب السوري الراحل سعد الله ونوس (1941-1997)، دراماتورجيا أشرف علي، بالاشتراك مع المخرج مروان محمود، في أولى تجاربه الإخراجية، لفرقة شباب الإسكندرية (فرقة مستقلة).
استبدل المخرج بالفضاء الذي تدور فيه أحداث النص الأصلي فضاءً آخر هو مدينة الملاهي، فبطل سعد الله ونوس يعمل" كومبارس" في المسرح، جعله المخرج هنا يعمل في مدينة ملاهٍ في وظيفة موزع تذاكر، وربما اختار هذا الفضاء وصاغه على هذا النحو (ديكور دنيا عزيز) إمعاناً في السخرية من هذا الواقع الذي يعيشه حنظلة، ونعيشه معه، فهذه المدينة، التي تبدو أنيقة الشكل، وخاوية من أي معنى، أو فاقدة أي وظيفة، ما هي إلا رمز لكل مدينة أو بلد تتغول سلطاتها على مواطنيها، وتمارس فسادها وطغيانها فتحولها إلى سجن كبير. أما حنظلة فهو نحن، حيث جاء، في العرض، من وسط الجمهور، في تأكيد أنه واحد منا، وأننا جميعاً الشخص المسالم والمنسحق والمستسلم ذاته لواقعه البائس.
إن أزمة الإنسان في واقعنا العربي، وبخاصة المثقف، كما يصورها العرض، هي الغفلة، التي تجعله لا يرى على رغم أن له عينين، فلو كان أعمى لاستحق التعاطف، أما كونه يرى، لكنه لا يريد أن يرى، فتلك هي أزمته، التي يجب أن يحمل وزرها، وتنغص عليه حياته، وتوقعه فريسة لكل هذه المآسي.
حنظلة، ذلك الرمز المسالم، الخانع، المتردد، الذي تربى على السير إلى جانب الحائط، والغناء للشر، وليس الابتعاد عنه فحسب، كان عليه أن يخوض رحلة العذاب تلك، فربما تمرد على واقعه، وصاح في وجه ظالميه، أن أوقفوا هذه المهزلة.
تهمة عبثية
استبدل المخرج بالسجن لعبة التصويب، التي جاءت على هيئة سجن، يدخله حنظلة من دون تهمة، أو بتهمة عبثية، فأحد حراس مدينة الملاهي يتهمه بأنه أطفأ أنوار المدينة، بينما يتهمه الآخر بأنه أضاء الأنوار، وهكذا يمعن العرض في سخريته من ذلك الواقع الفاسد والعفن، فالأخذ بالشبهة، أي شبهة، أفضل من ترك الأمور تنفلت من بين أيدي السلطة المستبدة. يتم تعذيب حنظلة (كريم عبده) داخل لعبة التصويب، إما بجلده، أو بالتصويب عليه، أو بإجباره على تناول طعامه متبلا ببصاق الحارس، وتحت وطأة التعذيب، بصوره كافية، يضطر حنظلة إلى منح كل مدخراته للحارس، حتى يقوم بتهريبه من السجن، ويأتي بآخر بدلاً منه، فالسجون يجب ألا تظل خاوية، ثم إن دخول السجن لا يتطلب القيام بجريمة ما، فالتهم جاهزة ومحفوظة.
يخرج حنظلة من السجن ويذهب ليتدفأ في أحضان زوجته (ندى جمال) تلك التي استبدلت به عشيقاً لها، لا يهرب العشيق، كما هو معتاد، لكن حنظلة يتجاهل وجوده، ويحدث عديد من المفارقات المضحكة والمبكية في آنٍ، تنتهي بأن تطرده زوجته من البيت، الذي جاء على هيئة منصة مسرحية، كأن الفضيحة على رؤوس الأشهاد، بعدما علمت أنه أنفق مدخراته كلها ليخرج من السجن.
وفي العمل يرفض مديره عودته بعدما تغيب فترة سجنه من دون إذاً، وهكذا يجد نفسه بلا بيت أو عمل أو أي شيء، يلتقطه حرفوش (إسلام شوقي) الذي يسأل الجمهور، هل نتعاطف معه، فتأتي الإجابة بالنفي، يدفع به إلى عامل الصيانة (محمد هاني) الذي يكتشف أن هناك بعض الصواميل في رأسه تحتاج إلى تغيير، يستسلم حنظلة، لكن العملية تفشل، فيدفع به حرفوش إلى الدرويش (إسلام بونزي) ثم يشترك الدرويش وعامل الصيانة في علاجه، كل منهما يتولى إصلاح جانب من رأسه، فلا العلم المزيف ولا رجل الدين النصاب يقدمان له حلاً يخرجه من أزمته.
مدينة خربة
كل ذلك يدور في إطار كوميدي هزلي، يعتمد المبالغة، ويناسب طبيعة مدينة خربة للملاهي، وشخصيات منسحقة، وسلطة فاسدة ومستبدة، كان على حنظلة أن يعيش تلك المعاناة حتى يفيق في النهاية من غفلته، ويدرك أن حريته ليست منحة يتلقاها من الآخرين، بل حق يجب انتزاعه، وأن التغيير يأتي من داخله هو. لعب الرمز، أو العلامة، دوراً مهماً في توصيل رسالة العرض، وهي حيلة لجأ إليها المخرج لتمرير رؤيته الفنية والسياسية، وليبتعد عن المباشرة الخشنة، التي قد تجعله عرضة لشراسة الرقابة، التي، كما في النص، تأخذ بالشبهة، وربما يفسر ذلك إحجام كثير من صناع المسرح في مصر عن تقديم هذه النوعية من العروض، التي يجب على صاحبها أن يؤمن نفسه جيداً ليمرر عرضه.
استعان المخرج بخمسة ممثلين فحسب، لعب كل منهم أكثر من دور، باستثناء حنظلة، وظني أنها لعبة ذكية، لا تتعلق بكون الفرقة مستقلة ومحدودة الإمكانات المادية، ومن ثم يصعب الاستعانة بعدد أكبر من الممثلين، لكنها تتعلق هنا بالرمزية التي وسمت العرض، فأحد الحراس المرتشين هو الدرويش النصاب نفسه، والآخر هو عشيق الزوجة وعامل الصيانة المخرف ومدير الملاهي القاسي، والزوجة هي مساعدة عامل الصيانة والدرويش، وهكذا كلها شخصيات منحرفة ومتواطئة، فكان الرهان على حنظلة، الوحيد النقي وسط هذه الجوقة الفاسدة.
أدرك هؤلاء الممثلون طبيعة العرض، الذي ينتمي إلى الكوميديا السوداء، ويمزج بين الرمزية والواقعية، وأمسك كل منهم بزمام النمط الذي يؤديه، فالجميع هنا أنماط، وليسوا شخصيات، باستثناء حنظلة، الوحيد الذي يحمل اسماً، وله تاريخ شخصي أدى به إلى ما وصل إليه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يمكن القول إن الممثلين كانوا كمن يسيرون على الحافة، أي خطأ يمكن أن يؤدي إلى السقوط، وتغييم رسالة العرض، لذلك كان على كل منهم أن ينتقل من نمط إلى آخر، واعياً إلى طبيعة هذا النمط أو ذاك، سواء على مستوى الحركة أو استخدام جهاز الصوت، والملابس (تصميم مارينا مجدي)، وذلك كله في انضباط يحسب لهم، فالأحداث والمواقف مغرية بالاسترسال في الكوميديا، لكنهم تقشفوا، قدر الإمكان، لتأتي الكوميديا في العرض محفزة على التفكير وطرح الأسئلة، لا كمجرد وسيلة للإضحاك والتسلية.
وإذا كان الديكور استجاب بمرونة لرمزية العرض، واستطاع أن يكون عنصراً فاعلاً في الدراما، وليس مجرد صورة جمالية تعكس طبيعة مدينة الملاهي المراد تجسديها، فقد جاءت الإضاءة كذلك (تصميم أحمد طارق) كعنصر تشكيلي ووظيفي، يعكس طبيعة اللحظات الدرامية المتوترة، ويستجيب للتحولات التي يشهدها العرض، الذي جاء في منظر واحد ثابت، مع تحريك بعض القطع، واستخدامها على أكثر من نحو، ليأتي ذلك كله وفق خطة إضاءة واعية ومحكمة، تناسب إيقاع العرض، وتلاحق مشاهده، سواء من حيث الألوان، أو مصادر الإسقاط.
في نهاية العرض، وبعد هذه الرحلة الصعبة، يفيق حنظلة من غفوته، وبدلاً من أن يكون مقصداً للتصويب يقوم هو بالتصويب نحو جلاديه، ويقول حرفوش "كانت الرحلة شاقة، ولكنها تستحق العناء"، ويبقى السؤال، هل آفاق حنظلة الواقعي بالفعل، أم أنه سيظل أسيراً في سجنه الداخلي، تتوالى عليه المصائب من دون أن يحرك ساكناً، يسير مغمض العينين، ويكتفي بندب حظه التعس؟