Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الموبايل يسرق الأرواح في مسرحية "سكرولينغ" المصرية

المخرج خالد جلال يقدم 40 موهبة شابة ويخاطب المجتمع بجرأة

مشهد من مسرحية "سكرولينغ" المصرية (خدمة العرض)

ملخص

قدم المخرج المصري خالد جلال 40 موهبة مسرحية جديدة من خلال عرضه المسرحي" سكرولينغ" الذي قدمه على مسرح الريحاني - وسط القاهرة، وواصل من خلاله مشروعه التدريبي لاكتشاف المواهب وصقلها، وتقديمها إلى الساحة الفنية.

قليلون هم في العالم من نجوا من استلاب الهواتف الذكية لأرواحهم، وأبوا، سواء بإرادتهم أو من دونها، أن يكونوا عبيداً لقطعة الحديد تلك، تحركهم كيفما شاءت، وتعد عليهم أنفاسهم، وتراقبهم في صحوهم ومنامهم. هؤلاء استغنوا عن استعمال الهاتف الذكي، إما لكبر سنهم وعدم قدرتهم على مواكبة تغيرات العصر، وإما لفقرهم الشديد الذي يجعل اقتناء الهاتف حلماً بعيد المنال، وإما، وهؤلاء نادرون للغاية، لأنهم أدركوا مبكراً خطورة هذا الاختراع، وقرروا، بمحض إرادتهم، أن يحظوا من الغنيمة بالإياب، تمثلاً لقول امرئ القيس "لقد طوفت في الآفاق حتى... رضيت من الغنيمة بالإياب".

\لا أحد في العالم اليوم، إلا من رحم ربي، يستطيع الاستغناء عن الهاتف الذكي، يكاد الأمر يكون منتهياً ولا رادَّ له، وأنت إذا سألت أحداً: هل تستطيع الاستغناء عن هاتفك؟ فإن الإجابة بـ"لا" لن تحتاج إلى جزء من الثانية للتفكير. نعم، بات الهاتف الذكي وسيلتنا الرئيسة لإنجاز كثير من الأعمال والحصول على ما شئنا من معلومات، وعلى رغم معرفتنا بأضراره فإننا لا نملك تجاهه من أمرنا شيئاً، ولا بد أن نحمله، أينما حللنا، صاغرين مستسلمين، فغيابه يعني توقف الحياة وتعطل المصالح. ربما تعامل البعض معه برشد، لكن الغالبية لا تعرف هذا الرشد، وتمضي كل أوقاتها في تحريك الشاشة" سكرولينغ".

بناء منضبط

اختار المخرج المصري خالد جلال "سكرولينغ" عنواناً لعرضه المسرحي، الذي قدمه على مسرح الريحاني بوسط القاهرة، وجاء نتاجاً لورشة تدريبية مع إحدى شركات الإنتاج، لاكتشاف المواهب وصقلها، وتقديمها إلى الحياة الفنية، وهو العرض الثالث الذي يقدمه في هذا المشروع، بعد تجربتين سابقتين وناجحتين. 40 شاباً وشابة انتظموا في هذه الورشة السنوية، وكعادة خالد جلال، المسرحي الماهر، فإن نتاج الورشة دائماً ما يكون عرضاً مسرحياً، وليس حفل تخرج يقدم كل متدرب فقرة منفردة خلاله، يفصح فيها عما اكتسبه من خبرات.

في مثل هذه العروض يكون المخرج مطالباً بأشياء عدة، كتابة نص يتيح الفرصة لكل متدرب لإبراز موهبته وقدراته التي اكتسبها خلال التدريب، وأن يكون النص مناسباً لإمكانات المتدربين، الفنية والجسدية، ويطرح كذلك قضية تمسهم أولاً، حتى يكونوا صادقين ومقنعين في تجسيدها، وتمس جمهورهم، ثانياً، حتى يحدث التفاعل بين الخشبة والصالة، وذلك كله وفق بناء درامي منضبط، فالمخرج الشاطر يجب ألا يخيب ظن الناس فيه، ويقدم عملا يخصم من رصيده، لا أن يضيف إليه.

اختيار ذكي

اتسم اختيار خالد جلال في صياغته لنص العرض الذي أسهم بعض المتدربين في كتابته، بالذكاء الشديد، فالموضوع يخص الجميع، ليس في مصر وحسب، وإنما في العالم كله، صاغه بصورة فنية، لا تخلو من حس كوميدي، واختار لكل دور من يناسبه. الحكاية عن أضرار الهاتف الذكي وخطورته، ولأنها يجب ألا تدور على طريقة "احذروا التدخين، يسبب الأمراض ويؤدي إلى الوفاة" فقد دارت الأحداث داخل مستشفى يفد إليه ضحايا الاستخدام المفرط لوسائل التواصل، وانسياقهم وراء مغرياتها، وتورطهم، أحياناً، في ممارسة سلوكيات غير أخلاقية، مما أدى في النهاية إلى إصابتهم بما يشبه الجنون، أو دخولهم في حال هذيان.

دراما العرض لم تسر بصورة متصاعدة، أو رأسية، لكن يمكن وصفها بالدراما الأفقية، إن جاز التعبير، هناك خيط واحد ينتظمها جميعاً، وهو فكرة الاستلاب التي نتعرض لها من قبل الهاتف الذكي، ومكان واحد يضم الضحايا، أو المذنبين بمعنى أدق، فكل من في المستشفى له حكاية معه، من روج إشاعات، من شوه سمعة حبيبته، حين تخلت عنه، واستعان بصور لها ليظهرها كعاهرة، من استجابت لإغراءات إعلانات التجميل، فتحولت إلى مسخ، من احتاج إليها أبوها وقت تعرضه لأزمة صحية، وكانت مشغولة بالشات، فمات الأب، وهكذا حكايات ومآسٍ تعرض لها الجميع جراء هذا "اللص"، كما وصفه العرض، فهو يسرق أرواحنا وأوقاتنا، وأحباءنا، ولا يتورع عن تشويه أخلاقنا، من دون أن ننتبه.

تراجيديا وكوميديا

فكرة جيدة اهتدى إليها خالد جلال، ضرب من خلالها أكثر من عصفور بحجر واحد، قضية تشغلنا جميعاً، حكايات تجمع بين التراجيديا والكوميديا، ممثلون مدربون على نحو جيد يقدمون أنفسهم لنا، عرض مسرحي يقدم المتعة والتسلية، ويقدم كذلك العظة والعبرة، وإن بصورة غير مباشرة، نستشفه من بين ثنايا الأحداث، ويتسلل إلينا في هدوء، ليترك أثره مقيماً لا عابراً، أي يحدث التغيير، الذي يعد واحدة من أهم رسائل المسرح، أو الفن عموماً.

راعى جلال أنه أمام مجموعة من الممثلين الجدد، معظمهم يقف على الخشبة للمرة الأولى في حياته، فضلاً عن الفروق الفردية بينهم، سواء من حيث الموهبة أو من حيث البنية الجسدية، فوظف كلاً منهم في الدور الذي يناسب إمكاناته، حتى غير المصريين منهم مثل نور نواف (سوريا)، وشروق العرفاوي، وشيما خراط (تونس)، تم توظيفهن بما يتناسب ولهجاتهن وحجم مواهبهن، وكن ضمن العناصر البارزة في العرض مع خالد رسلان، الذي شارك في الكتابة، ونهى فريد، وإسراء عاصم، وأحمد الطرابيلي، وياسمين حسين، ونذير نعمان، ومنى البشاري، وفادي رؤوف، ومحمد مختار، ورشا حلاوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في عمق المسرح سرير كبير، أقرب إلى أسرة السجون منه إلى أسرة المشافي، وهو أمر مقصود، ومجموعة مقاعد ومنضدة صغيرة، وبعض الموتيفات البسيطة، هذا كل ما يشغل الفضاء، ويعطي الإحساس أننا بداخل مستشفى أشبه بالسجن، ويتيح الفرصة لحركة 40 ممثلاً وممثلة يرتدون زياً شبه موحد، يغلب عليه اللون الأبيض، مع اختلافات بسيطة لتمييز الممرض والطبيبة (ديكور وملابس شيما خراط ونهى فريد).

غالب الممثلين موجودون على الخشبة، سواء من يؤدي منهم مشهدا أو من ينتظر مشهده، لكن هؤلاء المنتظرين ليسوا في حال سكون، فهناك دائماً عمل، سواء بإشارة أو حركة أو إيماءة، بمعنى توظيف هذا الحضور الجسدي بما يخدم العمل ككل، ويعطي الفرصة، في الوقت نفسه لهذا الممثل أو ذاك، ليظل موجوداً على الخشبة أطول فترة ممكنة، باعتبارها مرته الأولى التي يوجد فيها على المسرح، مما يمنحه قدراً من الإشباع والثقة، وهو ما وضح في أداء كل من رفيق سامي، وسياف، وعمر لاشين، ومحمد الزنط، ومحمد غنيم، ومحمود حامد، وعلوان أيوب، وإيهاب الشاكوشي، وأحمد وهبة، ومحمد الأزعر، وسارة عرفة، فكل منهم خارج مشهده له دوره الذي يؤديه في الخلفية.

نعم، حظي بعض الممثلين بمساحات أكبر نسبياً، لكن ذلك تم وفق مقتضيات فنية تستلزم وجود هذا الممثل أو ذاك في صدارة المشهد أو في خلفيته، فكل يؤدي مهمته التي تتضافر مع غيرها من المهمات لتكتمل الصورة بوجود كل من خلود ياسر، وعادل فؤاد، وسامي منير، وريهام الجمصي، وعماد عادل، وعامر طاهر، وإسلام سعيد، وريهام فاروق، وجوزيف جميل، ومحمود حجازي، وإسلام الجزار، وعبدالله الشريف، وأسامة عامر، ومازن عبدالوارث، ومحمود عثمان، وأحمد أباظة.

نجح العرض في رسم مسار جديد لعدد من المواهب الشابة، فهل ينجح في تغيير مسار جمهوره وموقفهم من الهواتف الذكية. إذا كانت المهمة الأولى صعبة، فإن الثانية ربما تكون أصعب، وإن لم تكن مستحيلة، وإلا ما ضرورة الفن؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة