Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قطاع الطرق" يسلبون الجائعين طعامهم في غزة

تعجز المؤسسة الحكومية عن مواجهة تلك العصابات والحد من الفوضى

ملخص

"التشليح" مصطلح جديد ظهر في غزة، وهو يشير إلى نهب قطاع الطرق غذاء الجائعين الذين خاطروا بحياتهم وتوجهوا إلى مراكز توزيع المساعدات الأميركية أو إلى الشاحنات المحملة بالغذاء، وبعدما حصلوا على حصة غذائية قطع عليهم اللصوص الطريق وأخذوا منهم طعامهم عنوة.

على باب خيمته، وقف عثمان يتفقد نفسه، جرح في يده وطعنة في فخده وكدمات في رأسه وصفعة على وجهه، وملابسه ملطخة بالدماء، فتح مأواه الصغير وجر نفسه حتى وصل إلى طفلته الرضيعة حضنها بعمق وأجهش بالبكاء.

"كنت أرغب في أن أحضر لك علبة حليب الأطفال" يقول عثمان لصغيرته التي تصرخ وتبكي بحرقة من شدة الجوع، ويكمل "سرقوني قطاع الطرق وأخذوا مني كل الأكل يا بابا".

بداية القصة

هذه نهاية القصة، أما البداية فكانت عندما تأثر عثمان لبكاء أطفاله الجياع، فخرج ليحصل على طرد مساعدات من قوافل الشاحنات التي تدخل إلى غزة، ليسد به جوع صغاره المحرومين منذ أيام حتى من كسرة خبز.

أخيراً وافقت إسرائيل على إمداد غزة بكميات محدودة جداً من الغذاء، واتبعت نهج "التوزيع الذاتي" وهي فكرة قائمة على مبدأ أن تسمح تل أبيب للشاحنات القليلة التي تحمل المنتجات الغذائية بالدخول للقطاع، لكن من دون أن تصل إلى مستودعات منظمات الأمم المتحدة، وترك هذه القوافل في منتصف الطريق ليتهافت عليها الجائعون ويحصل كل فرد منهم على حصة غذائية كل حسب قدرته على تخطي الجموع للوصول إلى المقدمة.

غامر عثمان وذهب إلى مكان انتظار شاحنات المساعدات الغذائية، يروي لـ"اندبندنت عربية" ما حدث معه، قائلاً "توقفت الشاحنة على مقربة من الجيش الإسرائيلي، بسرعة هجم الجائعون على أكياس الدقيق وصناديق المعونات وحينها بدأ الجنود يطلقون النار صوبنا".

طعنات وصفعات

نجا عثمان بأعجوبة من طلقات الجنود الإسرائيليين، وحمل سلة غذائية وشق طريقه إلى خيمته، يضيف "شعرت وكأنني نجوت من الموت جوعاً، بعيداً من التدافع وضعت السلة على الأرض وتفقدتها، وجدت داخلها علبة حليب للرضع، طرت من الفرح وتوجهت مسرعاً إلى الخيمة".

في الطريق، أوقفته عصابة من قطاع الطرق اعترضوا مساره، ومباشرة رفع عليه أحدهم سكيناً وطعنه في فخذه، يوضح عثمان أن السلة الغذائية سقطت منه على الفور، وبدأ الدم يسيل منه كالشلال، وفهم أنه وقع في مصيدة قطاع الطرق.

وحده عثمان كان في الطريق، ولكنه على رغم جرحه فإنه حاول مقاومة العصابة، يشير إلى أنهم ضربوه بسلاح أبيض في يده، ثم صفعه أحدهم على وجهه، بينما كان الآخرون ينهبون السلة الغذائية أمام عينه الباكية.

جاثياً جلس عثمان والدم يسيل منه، وتوسل لزعيم العصابة أن يترك له علبة حليب الأطفال، وعندما حاول أن يشرح له جوع صغيرته، تفاجأ الأب الجائع بصفعة جديدة على وجهه جعلته يصمت ولا يتفوه بأية كلمة.

خاطبه زعيم قطاع الطرق "أخرج جوالك وكل الأموال من جيبك"، من دون مقاومة سلمهم عثمان هاتفه المحمول وبعض الشواكل التي يحملها، وأكمل طريقه يهوي على قدمه المطعونة نحو أقرب نقطة طبية.

يقول عثمان "تعرضت للنهب والاعتداء في وضح النهار، كانوا ثلاثة من قطاع الطرق الذين هاجموني جميعهم يحملون أسلحة بيضاء، أصابوني بجروح وتركوني أنزف من دون أن يقدموا لي العلاج، عدت لعائلتي بجروحي وقهري".

ويضيف "مقهور أنا، مقهور على طفلتي التي ستبقى بلا حليب، ومقهور على كرامتي التي انتهكت من أشخاص مجرمين يقطعون الطرق على الجائعين ويشلحونهم غذاء صغارهم، لهذا يجب أن تتوقف الحرب، ويجب أن تعود الشرطة، الحياة لا يمكن أن تستمر بهذه الصورة".

"تشليح"

"التشليح" مصطلح جديد ظهر في غزة، وهو يشير إلى نهب قطاع الطرق غذاء الجائعين الذين خاطروا بحياتهم وتوجهوا إلى مراكز توزيع المساعدات الأميركية أو إلى الشاحنات المحملة بالغذاء، وبعدما حصلوا على حصة غذائية قطع عليهم اللصوص الطريق وأخذوا منهم طعامهم عنوة.

عندما استأنفت إسرائيل إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة نشطت عصابات قطاع الطرق، وباتت هذه الفئة المستفيد الأكبر من إدخالها في ظل الفوضى التي يعيش فيها سكان القطاع، إذ ترفض تل أبيب السماح للشاحنات التي دخلت من مصر بالوصول إلى مستودعات الأمم المتحدة.

منذ بداية الحرب، تعاني غزة الفوضى والفلتان الأمني ولم تنجح كل محاولات حكومة "حماس" في إعادة ضبط الأمن، إذ تستهدف إسرائيل جميع عناصر المؤسسة الحكومية، وهذا يخلق بيئة خصبة لانتشار قطاع الطرق.

ما تعرض له عثمان قصة بسيطة مما يحدث في غزة من جرائم قطاع الطرق، الذين بسببهم بات السير في الشوارع خطراً على الحياة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شهادات الناجين

أما أكرم الذي تعرض هو أيضاً لعملية سطو يقول "كنت أحمل سلة غذائية وفجأة خرج قطاع طرق وعددهم سبعة، ضربوني بالعصي وأخذوا مني المعونة، ما لفت انتباهي أنني لاحظت وجود قتيل على الأرض كانوا قد طعنوه في قلبه يبدو أنه حاول مقاومتهم".

وصلت جثة محمد إلى المستشفى، وعندما تفقدت نسرين الجثمان وجدته مطعوناً بأداة حادة حتى الموت، تقول "كان قد ذهب لإحضار كيس طحين، وعثر عليه أفراد مقتولاً في زاوية الشارع، هجموا عليه قطاع الطرق وقتلوه لنهب الطعام الذي كان يريد إحضاره لصغاره".

سليمان سائق عربة، ولدى مروره في منطقة وعرة تستلزم الإبطاء، غافلته مجموعة وانهال أفرادها عليه بالضرب بأداة حادة، وتولى الآخرون سلب مقتنيات الركاب، يقول "هددونا بإطلاق النار، سرقوا ما نملك من أموال وهواتف، كانت برفقتنا سيدة قاموا بضربها لسرقة ما تملكه من ذهب، ثم لاذوا بالفرار على متن عربة بعدما طرحوني أرضاً".

لا يكتفي قطاع الطرق بسرقة المواد الغذائية، بل يعملون على سرقة الحليب وحفاضات الأطفال، وهما من المنتجات المفقودة بصورة أساسية لدى وزارة الصحة والسكان، ويبيعونها بالأسواق بأسعار باهظة الثمن، إذ وصل ثمن علبة الحليب الواحدة إلى 80 دولاراً، في حين وصل سعر الحفاض الواحد إلى سبعة دولارات.

المكافحة متوقفة

حاولت قوى الأمن التابعة لحكومة "حماس" القيام بحملة أمنية على قطاع الطرق، لكنها فشلت، فأمهلت بواسطة المخاتير ولجان العشائر هذه العصابات مدة 72 ساعة للتوقف عن تلك الممارسات الخطرة مقابل العفو عنهم، لكن العرض قوبل بالرفض.

يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة "الوضع الأمني في غزة هو الأسوأ على الإطلاق، ومعدلات الجريمة بلغت أرقاماً غير مسبوقة، إسرائيل هي السبب في انتشار مجموعات قطاع الطرق، جميع هذه التشكيلات تسهم في الفلتان الأمني والمجاعة". ويضيف "مع غياب القانون تفاقمت عمليات القتل والجرائم، واستخدام الأسلحة النارية والبيضاء وترويع الآمنين والبلطجة، وبصورة يومية، هناك ضحايا نتيجة هذه الجرائم. قطاع الطرق من أخطر الظواهر المنتشرة في القطاع، ولم تعد محصورة في مناطق سيطرة الاحتلال، بل تطورت لتصبح على شكل شبكات".

ويوضح الثوابتة أن قطاع الطرق يعملون في مساحة جغرافية لا تستطيع الطواقم الشرطية التحرك فيها بسبب خطورة الوضع الأمني، لافتاً إلى أن السلطات الإسرائيلية رفضت معظم الطلبات باتخاذ تدابير أفضل لحماية القوافل في غزة.

من إسرائيل يؤكد الجيش أنه يشن حملة ضد قطاع الطرق، ويقول المتحدث باسم الجيش آفي أشكنازي "نبذل جهوداً كبيرة للسماح بدخول أقصى قدر ممكن من المساعدات إلى غزة، نظراً إلى المحاولات المنهجية التي تقوم بها عصابات لاستغلال المساعدات الإنسانية لأغراضها الخاصة، ينفذ جيش الدفاع عمليات محددة الأهداف ضد المسلحين الذين ينهبون هذه المساعدات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير