ملخص
يرى محللون أن المساعدات لم تعد فقط قضية إنسانية، إنما صارت في قلب الصراع السياسي بين العالم وإسرائيل، وهذا الوضع مرشح للتصاعد في ظل الأوضاع الراهنة.
خلال أيام قليلة، تحولت المساعدات التي تحتاج إليها غزة على أرض الواقع من تدخل إنساني عاجل إلى حلبة ملاكمة على الأثير الافتراضي. تحولت المساعدات من تدخل عاجل لإنقاذ أهل غزة من مجاعة لم تعد تلوح في الأفق، أو تهدد بالقدوم، بل صارت واقعاً أليماً وصفته منظمة الصحة العالمية حتى اللحظة بـ"مستويات سوء تغذية تنذر بالخطر"، وتشرحه الصور والمقاطع المصورة دون حاجة إلى كلام أو شرح إلى حرب افتراضية متعددة الأطراف.
في هذه الحرب الصاخبة الزاعقة، طغى صوت التراشق السياسي والعراك الجغرافي والتناحر الجيوسياسي، على صوت أهل غزة أنفسهم الذين يفترض أنهم المقصودون من دخول المساعدات، والمعنيون الأساسيون في المشهد برمته.
الغريب أن الحرب الصوتية مستمرة على الشاشات وعبر الأثير ومن خلال تصريحات وبيانات يصدرها بعض. على مدار الساعات الماضية، تحديداً منذ إعلان بدء دخول شاحنات تحمل مساعدات إلى قطاع غزة من معبر رفح على الجانب المصري، خلال وقت أعلنت فيه إسرائيل "تعليقاً تكتيكياً" لعملياتها العسكرية داخل ثلاث مناطق في غزة، وتبعها بعد ساعات الإعلان عن بدء إنزالات جوية إنسانية تابعة لسلاح الجو الملكي الأردني والقوات الجوية لدولة الإمارات، وذلك دون علامات تنذر بتوقف أو هدوء أو حتى خفوت للتركيز على القضية الرئيسة، حاجات أهل غزة.
في البدء قافلة الصمود
على مدار أشهر طويلة، ظلت "ادعاءات" إغلاق معبر رفح من الجانب المصري تثار مباشرة على منصات الـ"سوشيال ميديا"، وعبر التلميح والتلويح واللمز عبر بعض على شاشات تلفزيونية معظمها محسوب على تيارات أيديولوجية إسلامية بعينها.
وتكللت الأجواء التي نقلت المعركة والاهتمام من حرب القطاع وما يتعرض له أهله إلى حرب المساعدات والتراشق بالاتهامات، بما يسمى "قافلة الصمود"، التي جرى تنظيمها من قبل عدد من "النشطاء" من جنسيات مختلفة، معظمهم من تونس والجزائر خلال يونيو (حزيران) الماضي.
عبرت القافلة الأراضي التونسية وجزءاً من الأراضي الليبية، لكنها مُنعت من قبل سلطات شرق ليبيا. خلال الوقت نفسه، كان عدد آخر من الناشطين أطلقوا على أنفسهم اسم "المسيرة العالمية إلى غزة" يحاول التجمع في مدينة الإسماعيلية للغرض نفسه، لكنهم مُنعوا.
وقتها اختلف رأي الشارع المصري في شأن "قوافل الصمود وكسر الحصار"، بين معتقد أن القافلة حال وصولها إلى معبر رفح من الجانب المصري سيتم "فتح الباب" وإدخال المساعدات وإنقاذ أهل غزة من الجوع، وملم بلوجيستيات الوضع وحقائقه "عند الباب"، إذ معابر غزة، بما فيها رفح، مغلقة لأن إسرائيل تسيطر عليها من الجانب الآخر، لا لأن مصر أغلقت "الباب".
من جهة أخرى، اعتقد بعض في مصر أن "قافلة الصمود" هي قافلة مساعدات، كانت تنوي إدخال الماء والطحين والبقوليات والرز والمعكرونة والبسكويت إلى غزة لتدرأ عنهم الجوع، وتقيهم شرور سوء التغذية، هذا على رغم أن المسؤولين عنها أنفسهم قالوا غير مرة في تصريحات إعلامية إن هدف القافلة ليس إدخال المساعدات، لكن كسر الحصار "رمزياً" المفروض على غزة.
وقتها، عبر بعض عن تشككه في الأهداف الحقيقية للقافلة، وحول إذا ما كانت كعادة تيارات الإسلام السياسي تتحين المواقف وتنتهز الظروف، لتظهر بمظهر المدافع عن الحقوق والمجاهر بالحق، بينما الغرض الحقيقي يكون تحقيق أهداف سياسية، وفي هذه الحال إحراج مصر. وأمام هول الأوضاع في غزة والمعاناة الرهيبة التي يتعرض لها أهلها، تبخرت معارك الخلاف حول تأييد أو التنديد بالقافلة سريعاً احتراماً لغزة وأهلها، وترجيحاً لأولوية متابعة ما يجري داخل القطاع.
وبعد أسابيع طويلة من متابعة "حرب التجويع"، ومشاهدة ما يجري على الهواء مباشرة من حرمان الآلاف من فرصة الوصول إلى الغذاء، وجعل رحلة الوصول إلى الغذاء مسألة حياة أو موت، ورصد أرقام الوفيات والمرض الشديد جراء الجوع وسوء التغذية، لا سيما بين الأطفال، والشعور بقلة الحيلة أمام تبادل الاتهامات حول مسؤولية التجويع بين طرفي الصراع الرئيسين، "حماس" وإسرائيل، ومن يؤيد ويدعم كل منهما، من دول كبرى وإقليمية ومنظمات أممية وحقوقية وشعوب، بدت أخبار بدء وصول المساعدات أشبه بالانفراجة.
غالبية المصريين، بغض النظر عن الانتماءات الأيديولوجية والتحيزات السياسية، عدت الأولوية لغزة، على أن يجري النظر في خلافات الإخوان وغير الإخوان في ما بعد، إلا أن تفجر فقاعات الخلافات والتراشقات حول المساعدات حالياً أجبر كثراً على البحث في ما وراء ما وصفه بعض بـ"الأجواء العجيبة وردود الفعل الغربية والتحركات المريبة".
إلى السفارات المصرية لا الإسرائيلية
الأيام القليلة الماضية شهدت عدداً من التجمعات أمام سفارات مصرية في الخارج، مع محاولات بعض الأفراد إغلاق "باب السفارة" أو توجيه رسالة أو رفع راية، شرط تجمهر الكاميرات، وتحميل الفيديوهات على "السوشيال ميديا"، وذلك بحسب الداعين إلى هذه الفعاليات لـ"الضغط على مصر من أجل فتح المعبر".
الدعوات المتزامنة والموجهة كلها إلى السفارات المصرية، لا الإسرائيلية أو الأميركية أو غيرها، رفعت شعارات قوامها "فتح معبر رفح من الجانب المصري وإنهاء الحرب وتجويع أهل غزة"، مما جعل الأمر يبدو لبعض من غير المتابعين لتفاصيل الأحدث وغير الملمين بما يجري في المنطقة منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، وكأن مصر هي التي ترفض فتح المعبر، وإنها المسؤولة عن تجويع أهل غزة، وإنها تعمل على إبقاء نيران الحرب مشتعلة.
اللافت أن بعضاً يتفاعل مع أخبار هذه التجمعات، وفيديوهات الأفراد الذين يحاولون إغلاق بوابات السفارات المصرية لدى عدد من الدول الغربية، على اعتبارها فتحاً مبيناً ونصراً عظيماً. آخرون يعدونها مزيجاً من الجهل والهطل.
والملاحظ أن قنوات ومواقع تلفزيونية إقليمية معروفة بتوجهاتها الداعمة لجماعة "الإخوان المسلمين" وحركة "حماس" في القلب منها، وبالطبع عدد من الصفحات والحسابات على السوشيال ميديا حملت في تغطياتها وتدويناتها وتغريداتها مسؤولية الأوضاع في غزة على مصر، سواء بأسلوب مباشر أو مبطن.
أما المفارقة الكبرى، فهي أن وسائل إعلام إسرائيلية انتهجت النهج نفسه في تغطية هذه التجمعات ومحاولات إغلاق السفارات المصرية، وكأن الطرف الإسرائيلي غير معني بحرب القطاع أو وتجويع أهل القطاع أو فتح المعابر لدخول المساعدات.
الغريب أن أجواء الجدل العنكبوتي والإعلامي، لا على حرب القطاع ومعاناة أهل غزة، لكن على موقف مصر وحجم المساعدات ومحتوياتها وهل تكفي وترضي أم دون المستوى المرجو، اشتعلت حتى وصلت درجة الغليان مع بدء دخول المساعدات المقبلة من مصر. فخلال وقت ترددت فيه أنباء عن توجه عشرات الشاحنات المحملة بالمساعدات، تحت شعار "زاد العزة من مصر لغزة" لجنوب غزة عبر معبر "كرم أبو سالم"، وتأكيد جهات عدة وعلى رأسها "الهلال الأحمر المصري" إلى وجود طواقمه على الحدود، وأن الإغلاق طوال الأشهر الماضية من الجانب الإسرائيلي، وتواتر مقاطع مصورة لأسطول الشاحنات وتحركها، تفجرت موجات متأرجحة بين رفض هذه المساعدات والتقليل من قيمتها والتهوين من محتوياتها، وبين تأكيد أنها نقطة لا تكفي في بحر غزة الجائع.
وعلى ذكر البحر، لاقت دعوات لملء زجاجات بلاستيكية صغيرة حتى نصفها بالحبوب، وإلقائها في مياه البحر المتوسط في مدينة العريش المصرية، لتبحر الزجاجات بنفسها وتتوجه إلى شاطئ القطاع، ليلتقطها أهل غزة دعماً وإعجاباً من قبل بعض في مصر، وسخرية واستنكاراً من قبل آخرين.
فريق الداعمين اعتمد على العاطفة، وتمنى هبوب التيارات الهوائية والبحرية في اتجاه غزة. وفي المقابل، اعتبر الفريق الآخر مسألة الزجاجات تنم عن عاطفة مفرطة منزوعة العلم والمنطق، أو محاولة لن تؤدي إلا إلى أضرار بيئية في حال زادت أعداد الزجاجات البلاستيكية بصورة ملحوظة. وفريق ثالث عدَّ الفكرة رمزية أكثر من كونها تهدف بالفعل إلى إطعام أهل غزة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حتى زجاجات البقول لم تسلم من شد سياسي وجذب أيديولوجي لم يقتصر على الداخل المصري فحسب. ونظراً إلى أن المنصة الأبرز لنقل وقوف بعض الأفراد على شاطئ بحر وإلقاء الزجاجات فيها مع دعاء بأن تصل إلى مقصدها، فقد تحول الأثير كما هي العادة إلى ساحة تراشق مسؤوليات، وتبادل اتهامات. والغريب أن مصر وجدت نفسها مجدداً في القلب من "حرب الزجاجات"، إذ يؤكد مؤيدو الزجاجات أن ما دفعهم إلى ذلك عدم فتح المعبر من الجانب المصري، ويعد معارضوها الزجاجات إما سذاجة أو خطوة ممنهجة ضمن حملة تحميل مصر ما لا تحتمل.
تصاعد الحملات العنكبوتية والإعلامية، وكذلك تحركات "النشطاء" ضد مصر وحكومتها وسفاراتها ومواقفها تكلل بخروج القيادي في حركة "حماس" خليل الحية قبل ساعات على إحدى الشاشات الفضائية، ليناشد "أهلنا في مصر، قيادة وجيشاً وأزهر وكنيسة، نتطلع لمصر العظيمة أن تعلن أن غزة لن تموت جوعاً" ضمن كلمة وجهها لشعب غزة في الداخل، مصحوبة بسؤال ورد على شريط الأخبار العاجلة مراراً وتكراراً، مفاده "خليل الحية: نقول لأهلنا في مصر، أيموت إخوانكم في غزة من الجوع على مقربة منكم؟"، مع دعوة أخرى من الحية لـ"شعوب الدول المجاورة لفلسطين إلى الزحف براً وبحراً وحصار السفارات الإسرائيلية".
وبعيداً من أن "حكاية" حصار السفارات تظل مقصورة على السفارات المصرية، فإن ردود الفعل على هذه الدعوات أسهمت في مزيد من اشتعال ردود الفعل العابرة للحدود المصرية، مطالبين بتقديم قيادة مصر للمحاكمة الدولية بتهمة تجويع غزة والإبقاء على الحرب مشتعلة، ومطالبين بكشف نظر حيث التجويع إسرائيلي، والجيش الذي يدك غزة وأهلها هو جيش الدفاع، ومتسائلين عن "السر وراء الإصرار على الزج بمصر دون غيرها، لا سيما خلال المرحلة الأحدث من حرب القطاع"، وآخر يجزم أنه لو كانت غزة تشترك مع اليمن في الحدود لحقق "شعب اليمن العظيم نصراً مشابهاً على القوات الإسرائيلية، كذلك الذي جرى تحقيقه في اليمن"، ومطالب بإسقاط كل الأنظمة العربية، ويومها ستتحرر القدس خلال دقائق بدءاً من مصر، وقائمة التعليقات وردود الفعل جديرة بالتفكير والتدبير.
محاولات للشرح
قبل أيام، قال الكاتب الصحافي ضياء رشون ضمن تصريحات إعلامية يراها بعض متأخرة، أن كلاً من مصر وغزة وإسرائيل مشتركة في معبر كرم أبو سالم، "إلا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي، لأنه الطرف المحتل، يفتش جميع الشاحنات قبل السماح لها بالمرور"، مضيفاً أنه خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، كانت الشاحنات المصرية التي تدخل كرم أبو سالم يجري تفريغ حمولتها على شاحنات فلسطينية يقودها سائقون فلسطينيون يدخلونها إلى أنحاء القطاع، وإنه نتيجة الضغط الشديد على الشاحنات، قررت مصر أن الشاحنات المصرية ستدخل بسائقيها المصريين من معبر كرم أبو سالم حتى الشمال في جباليا.
وتساءل رشوان "هل يمكن لجنسيات مختلفة أن تكون بين السائقين كي يحرجوا الإسرائيليين، نتحدث مثلاً عن جنسيات أميركية وأوروبية؟"، مضيفاً "ما القوة الجبرية التي ستجعل جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يتورع عن قتل 60 ألف إنسان وجرح 150 ألفاً آخرين يتخلى عن إجرامه فجأة، لمجرد أن هناك شاحنات في داخلها أشخاص طيبون وصولاً حتى كرم أبو سالم؟ ولنفرض أن هذه الشاحنات دخلت غزة، وهي منطقة القتال الأساس حالياً، هل سيتمتع الجيش الإسرائيلي فجأة بتسامح إنساني، ويسمح لهذه الشاحنات بالسير على أهم محورين أمنيين، وهما فيلادلفي وموراج؟".
وفي السياق ذاته، تشهد البرامج التلفزيونية السياسية وفقرات التعليق ضمن نشرات الأخبار المطولة، وكذلك المواقع والصحف تصاعد التحليل ومقالات الرأي حول "حرب المساعدات". الكاتب والإعلامي سمير عمر تعجب من ارتفاع الأصوات في كل مرة تقدم فيها إسرائيل على شن عدوان على قطاع غزة، تحمل مصر مسؤولية فتح المعبر وإدخال المساعدات إلى القطاع.
وكتب تحت عنوان "على من نطلق الرصاص؟" (يوليو/تموز 2025) أن الغريب أن الأمر في غاية الوضوح، فإسرائيل المسؤولة والتي ترتكب جرائم الحرب في غزة وتخالف القانون الدولي الإنساني، مضيفاً "معضلة معبر رفح بدأت مع (انقلاب حركة "حماس") داخل قطاع غزة خلال يونيو عام 2007، وانسحاب البعثة الأوروبية التي كانت طرفاً في اتفاق المعابر بعد الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب، وبسبب الانقلاب خرجت السلطة الفلسطينية من القطاع ومن المعبر".
وتحدث عن المساعدات والجهود والمحاولات المصرية المستمرة منذ عملية السابع من أكتوبر لتقديم الدعم لأهل غزة على أكثر من جبهة، وذلك قبل أن يتساءل، من الذي كان يقف ضد هذه التحركات المصرية؟ ومن الذي هاجم دور مصر وشن حملات ضدها، وبخاصة بعد إعلان رفضها القاطع تهجير الفلسطينيين؟ ويجيب، من فعل ذلك وسيفعل ما هو أكثر خلال المرحلة المقبلة هي إسرائيل. وخلص إلى أن من يقدم بحسن نية أو بسوء نية على أي تحرك احتجاجي يهدف إلى لفت الأنظار بعيداً من إسرائيل وجرائمها، لا يخدم إلا إسرائيل.
في المقابل، يرى الكاتب والأكاديمي عمرو الشوبكي أن المسألة يحب أن تناقش مصرياً وعربياً بعيداً عمن يحمل مصر مسؤولية ما يجري في غزة بدلاً من إسرائيل، مشيراً إلى وجود ما سماه "تقصير عربي" في الدعم الإنساني والمشاركة الفعالة ضمن الحملات القانونية ضد ممارسات إسرائيل، واصفاً التضامن الإنساني مع أهل غزة في الخطاب الرسمي العربي بـ"المحدود جداً"، مقارنة بزعماء أوروبيين أو من أميركا الجنوبية، الذين ركزوا عليه ولو مراعاة للرأي العام داخل بلادهم، بحسب قوله.
ويرى الشوبكي في مقال عنوانه "قضية المساعدات" (يوليو 2025) أن إعطاء مساحة واسعة للتحركات الشعبية السلمية وللمبادرات الأهلية أصبح مطلوباً، إذ قضية المساعدات لم تعد فقط قضية إنسانية، إنما صارت في قلب الصراع السياسي بين العالم وإسرائيل، وأن هذا الوضع مرشح للتصاعد في ظل الأوضاع الراهنة، وأن على مصر، وفق قوله، أن تعي أن قضية إدخال المساعدات لم تعد قضية إنسانية، إنما صارت محور السياسة، ويجب أن يُتعامل معها بصورة جديدة ومختلفة.
وبصورة جديدة ومختلفة، وجه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كلمة إلى الشعب المصري والمجتمع الدولي تحدث فيها عن حرص مصر منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على لعب دور إيجابي في المفاوضات مع الأطراف الدولية، لا سيما أميركا وقطر بهدف وقف الحرب، وإدخال المساعدات والإفراج عن الرهائن.
وللمرة الأولى، يتطرق الرئيس المصري مباشرة إلى "المناشدات التي سمعتها الأيام الماضية بخصوص غزة"، مشيراً إلى "الكلام الكثير الذي يقال"، ويستوجب التذكير بموقف مصر المتمثل في إيقاف الحرب، وحل الدولتين، وإيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية، مكرراً الإشارة إلى موقف مصر الرافض التهجير، الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفريغ فكرة حل الدولتين.
وتحدث الرئيس المصري عن المساعدات الإنسانية مستعرضاً دور مصر في هذا الشأن، مع الإشارة إلى أن معبر رفح لا يقع تحت سيطرة الجانب المصري فحسب، إضافة إلى وجود خمسة معابر أخرى مع القطاع. وقال "حجم المساعدات الموجودة لدينا والمستعدة للدخول كبير وضخم. ونحن لا نمنع (المساعدات) لأن أخلاقياتنا لا تسمح بذلك، لكن دخول المساعدات يتطلب تنسيقاً مع الطرف الآخر الموجود داخل معبر رفح من الجانب الفلسطيني، وهذا هو الجهد الذي كنا نبذله".
ووجه الرئيس السيسي إلى المصريين في ما بدا أنه رد على الحرب الكلامية المتفجرة حول المساعدات، وقال لا تتصوروا أبداً أنه يمكن أن نقوم بدور سلبي تجاه أشقائنا في فلسطين. لنا دور محترم ومخلص وشريف لم يتغير، ولن يتغير. نحن لا نتغير. نحاول أن نجد حلولاً تنهي الحرب وتحل هذه القضية". وذيل الرئيس كلمته بنداء إلى المجتمع الدولي والدول العربية والرئيس ترمب، قائلاً "نداء عام لكل دول العالم والاتحاد الأوروبي وأشقائنا في المنطقة العربية، علينا أن نبذل جهداً. ونداء خاص للرئيس ترمب، لأن تقديري الشخصي له ولإمكاناته ومكانته أنه هو القادر على إيقاف الحرب وإدخال المساعدات لإنهاء هذه المعاناة".
الهدوء ليس قريباً
لا يتوقع أن تهدأ حرب المساعدات والتراشقات قريباً، بل العكس هو الصحيح. ومن العكس ما يبدو أقرب ما يكون إلى الهزل، ولولا أنه حقيقة، لظن بعض أنه فانتازيا. "اتحاد أئمة المساجد في الداخل الفلسطيني يدعوكم للمشاركة في تظاهرة أمام السفارة المصرية ضد تجويع غزة". خبر على مواقع فلسطينية بينها "موطني 48" يشير إلى أن رئيس الاتحاد الشيخ نضال أبو شيخة ومعه المحامي خالد زبارقة تقدما بطلب رسمي لتنظيم تظاهرة احتجاجية أمام السفارة المصرية، احتجاجاً على استمرار إغلاق معبر رفح ومنع دخول الجرحى والمرضى والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. وبحسب الخبر والمنشور، فمن المقرر أن تقام التظاهرة غداً الـ31 من الشهر الجاري، "وذلك في رسالة واضحة للنظام المصري برئاسة عبدالفتاح السيسي تطالب بفتح المعبر فوراً، وإنهاء سياسة الخنق والتجويع التي تطاول المدنيين، وبخاصة الأطفال في قطاع غزة".
الشيخ أبو شيخة قال إن التظاهرة "تأتي انطلاقاً من المسؤولية الدينية والوطنية تجاه أهلنا في غزة، ورفضاً لأية صورة من صور التواطؤ مع الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وأن معبر رفح يجب أن يكون شريان حياة لا أداة تجويع أو عقاب جماعي"، داعياً إلى أوسع مشاركة ممكنة في التظاهرة نصرة لأهل غزة الذين يعاقبون جماعياً بسياسات التهجير والتجويع".
إلى هنا يبدو الأمر متوقعاً في ضوء "حرب المساعدات" ومتلازمة اعتبار مصر المسؤول عن ثالوث المعبر والحرب والتجويع التي احترفها بعض خلال الفترة الأخيرة. أما المفاجأة، فهي أن التظاهرة هذه المرة أمام سفارة مصر لدى تل أبيب، والطلب الرسمي المقدم من قبل من عدُّوا أنفسهم يعبرون عن "المسؤولية الدينية والوطنية تجاه أهلنا في غزة" لتنظيم التظاهرة مقدم للسلطات الإسرائيلية، وهو ما أثار ضجة وصخباً وصدمة، لكن كم من صدمات لعبت أدواراً علاجية ساعدت على الإفاقة والمداواة واليقظة. إنه العلاج بالصدمة.