Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل محمد عزيزة رسام العصف اللوني

تحضر في لوحاته الطبيعة وخرائب المدن و الأمكنة الخالية وأوجاع الواقع الحياتي

محمد عزيزة رسام العصف اللوني (أرشيف الفنان)

ملخص

صمتت ريشة الفنان اللبناني محمد عزيزة (1949 - 2025) الموصوف بالغزارة والإبهار والعصف اللوني، وهو أحد القامات البارزة في الفن التشكيلي في لبنان والعالم العربي، فقد رحل عن عمر يناهز الـ 76 بينما كان يرسم لوحته الأخيرة في محترفه.

صمتت الريشة الجَسور التي لطالما فاضت أناشيدها العذبة محاكية تجليات الطبيعة وخرائب المدن وخلاء الأمكنة، وملامسة أوجاع الواقع الحياتي المرير، قبل أن تمضي إلى حيث النور السماوي الآتي من عوالم الشعر والخيال.

كان شغف عزيزة بمبدأ التفكيك والتحطيم وراء اختياره ثيمة المراكب المحترقة والغارقة في بحارها المعتمة، وخلال العقد الأخير من تجربته لم يكن يتحدث إلا عن ظلم العالم وقتامة صورته في ناظريه، فجسد عذابات الإنسان وتمزقاته، ولم يغب شبح الأمومة والطفولة المشردة والفقر عن أعماله، فعايش صدمات الحروب ومجازر غزة وكوارث الهجرات.

وثق محمد عزيزة منذ عام 2019 بأسلوبه التعبيري والانفعالي الثورات والحروب والفقر ومشاهد التشرد والفواجع الإنسانية التي عصفت بالمنطقة العربية، غير أن مراحله الأخيرة اتسمت بقوة الضوء وغموضه الآسر، ذلك الضوء الذي ينتشر بين أخاديد اللون ويعم الفضاء حتى لتظنه نسراً متعملقاً ينقض على الأرض ليطوي كل حياة تنبض تحت جناحيه، أو ملاكاً هابطاً من سماء بعيدة، أو ألواناً فياضة تتلاطم مثل لجج موج عات حتى تضمحل الحدود بين الأرض والسماء، في تماه يشبه صنفاً من صنوف التعبير التجريدي.

وليست الطبيعة في لوحاته سوى مكان استعاري لتكسرات الخطوط وتفجرات براكين اللون وسحابات النور الأزرق التي تتسرب بين أضلاع الأحمر الناري المندلع كاللهيب، فهو يشعر حين يرسم كأنه يمشي في الطبيعة، يعبر طرقاتها الوعرة ويتسلق جبالها ويعتلي صخورها ويطوي مسافاتها في هنيهة، وبيده يقبض على حزم الألوان يحركها، يؤججها حيناً، أو يقبضها ويبسطها حيناً آخر، ومهما بدا المنظر الطبيعي قريباً من التعبيرية التجريدية والرومنسية أحياناً، فإنه يظل عصياً على التصنيف لأنه ليس مجرد ثيمة، بل مسرح تخيلات وارتجالات حيث لذة التلاعب بالتأليف وتوزيع الأشكال في أبعاد المنظور الموهوم، وسط عالم مائج بالحركة والألوان المشبعة، وهكذا تتجلى الطبيعة كمنصة قادرة على حمل ذكريات المدينة المنسابة بهدوء خلف خصلات شعر امرأة واقفة على عتبة الحلم، أو كمعبر لوجه تتبدد ملامحه كسراب.

إنه ليس وجه الفنان الذي كثيراً ما رسم نفسه على خطى رامبرنت وفان غوخ، بل الطقس الروحي لمشاعره وهو الذي اختار عزلته طوعاً في محترفه، ذلك المكان الذي يؤوي تاريخه ويومياته الفنية ويضج باللوحات والصور والذكريات، وكأنه ملاذه الحميم ومسرح تأملاته الصامتة، ومن يرى لوحته الأخيرة يدرك أن الفنان قد حط رحاله في رحاب منظر مهجور وكأنه بلغ قمة الصخرة وألقى بنفسه في النور.

نصف قرن من الفن 

ينتمي محمد عزيزة إلى جيل السبعينيات وكان من ركائز مجموعة "الفنانين العشرة" في طرابلس – لبنان التي احتفلت أخيراً بيوبيلها الذهبي من خلال معرض أقيم في متحف نابو، وهو من القلائل الذين أعادوا الاعتبار لفن البورتريه، لا عبر التقاط الملامح وحسب بل من خلال سبر أغوار النظرات واستخراج ما يختبئ خلفها من مشاعر وخفايا، إذ يتميز عزيزة بالسرعة والطلاقة في رسم الوجوه، ففي لوحاته الزيتية يبدو كوريث لأستاذه رشيد وهبي، أما في رسومه السريعة فهو يلامس عصب يد بول غيراغوسيان، وإن كانت أعماله خلال أعوامه الأخيرة قد تميزت بالجرأة والبلاغة والتفرد الأسلوبي، فإن مسيرته الفنية الممتدة لأكثر من نصف قرن تبقى شاهدة على تحولات الفن بين زمنين، ما بعد الحداثة والمعاصرة بكل أسئلتها وإشكالاتها وسياقاتها المتغيرة.

أسهمت نشأته في مدينة طرابلس الملقبة بـ "الفيحاء" لكثرة جنائنها وبساتينها، في تعميق علاقته بالطبيعة والتراث المعماري والزخرفي، فراحت أحلام المدينة تطارده بأحيائها القديمة وحكاياتها وناسها، غير أن هذا الثراء البصري لم يتجل في أعماله إلا في مرحلة لاحقة، وقد تتلمذ في معهد الفنون الجميلة في بيروت على يد نخبة من فناني جيل الحداثة أمثال شفيق عبود ورفيق شرف وعارف الريس وإيفيت أشقر، ولمعت موهبته في فن البورتريه فشجعه أستاذه رشيد وهبي على التعمق في رسم الوجوه، فيما لقنه جان خليفة فن اختزال الأشكال، ومنه اكتسب جرأة اللون وحرية التعبير.

في رحلته الى روما تعرف عن كثب إلى الكلاسيكية الايطالية من خلال روائع عباقرة عصر النهضة، محافظاً على صلته بالواقع ودراسة الجسد البشري حتى برع في الأسلوب التشخيصي من دون أن يتخلى عن انحيازه لحداثة "مدرسة باريس" وفنانيها، خصوصاً هانز هارتونغ وجورج ماتيو، ولم يخف إعجابه بأعمال أوجين دولاكروا الذي وصفه بودلير بـ "سيد اللون القادر على خلق سمفونية لونية نارية تتكلم كالشعر"، فاستلهم منه عناصر أغنت تجربته في مزج طبقات الألوان، ومنحت ملوانته طراوة في التناغم وحدة في التناقض ومرونة الانتقال بين الشفافية والكثافة، وكل ذلك أسهم في تبلور خصائص أسلوبه الفني.

فاز عام 1975 بمسابقة رسم البورتريه في لبنان التي نظمتها دائرة الفنون في "وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة" في بيروت، ثم عين أستاذاً في معهد الفنون الجميلة في بيروت (1976) قبل أن يتابع دراسته العليا في جامعة باريس الثامنة (1985)، وشارك في تأسيس مجموعة الفنانين العشرة (1974)، كما شارك في معارضها التي أقيمت في لبنان وسوريا وفرنسا واليونان والبرازيل، وأقام كثيراً من المعارض الفردية في لبنان والسعودية وبعض العواصم العربية الأخرى والأجنبية، ولا سيما في ستوكهولم وهولندا وفرنسا، وحاز الجائزة الأولى في "بينالي سعاد الصباح للفنانين العرب" في الكويت (2017)، وجائزة "الملتقى العربي الثالث" الذي نظمته الجمعية القطرية للفنون التشكيلية في قطر (2019)، وجائزة الإبداع من المركز الدولي لعلوم الانسان- يونيسكو (2023)، ودخلت لوحاته في مقتنيات رسمية عدة ومنها القصر الجمهوري في لبنان (1993)، والقصر الجمهوري في البرازيل (1997) وبلدية تولوز (1999) ووزارة الثقافة في لبنان (1999).

الانعطاف الفني والتحطيم

بدأ محمد عزيزة رحلته الفنية أوائل السبعينيات بموضوع "مضارب البدو" حين صور مشاهد التشرد والترحال والاقتلاع من الجذور، في إشارة إلى المعاناة التي يرزح تحتها الإنسان في هجراته القسرية، غير أن اندلاع الحرب اللبنانية وما رافقتها من مآس دموية غير مساره تجربته، فشعر أن أعماله السابقة لم تعد تعبر عن وجدانه ولا تشبع توقه الفني، فعكف على رسم الواقع المرير بأسلوب أكثر جرأة وعمقاً في التعبير عن الألم الإنساني، وقد ورث كسائر فناني جيله اسئلة العلاقة المعقدة بين الحداثة والتراث وبين الهوية وتحولاتها، لذا عاد لمسقط رأسه طرابلس وجال في أحيائها مستعيداً ملامحها القديمة وأسواقها وأبنيتها التراثية بقناطرها وشرفاتها، فرسمها في فضاءات من حدائق الخيال وصواعق اللون وانفجارات الضوء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وصف الفنان والناقد المصري أحمد الجنايني  محمد عزيزة بـ "المغامر الذي اختط لنفسه درباً يتنفس التراث، ويمتد ببصيرته نحو أفق يتجاوز المتوسط كي يواكب الحراك التشكيلي المحمول على أمواج البحر موجة تلو موجة، حتى تتلقفه شواطئ الفيحاء، فعالمه المدهش وفهمه لدراما اللون يفتحان له كل الأبواب".

كان محمد عزيزة يرسم كل يوم، وهو ما مكنه عبر الأعوام من التفرد بموهبة إنجاز اللوحة الفنية خلال بضع ساعات، وقد خاض هذا النوع من "الفن الأدائي" في عدد من المسابقات العربية، ولم يكن رهانه على السرعة وحسب بل على المعجم البصري الذي راكمه من المفردات والتفاصيل، ومن الشهقات اللونية الطويلة التي تتسرب بين تفجرات الأشكال المتناثرة والمتشظية، في توزيع أقرب إلى التأليف الموسيقي بنظامه الخفي مهما بدا مفككاً أو فوضوياً.

كان شغفه بمبدأ التفكيك والتحطيم وراء اختياره ثيمة المراكب المحترقة والغارقة في بحارها المعتمة، وخلال العقد الأخير من تجربته لم يكن يتحدث إلا عن ظلم العالم وقتامة صورته في ناظريه، فجسد عذابات الإنسان وتمزقاته، ولم يغب شبح الأمومة والطفولة المشردة والفقر عن أعماله، فعايش صدمات الحروب ومجازر غزة وكوارث الهجرات التي صاغها بأسلوب تعبيري حاد يحمل ضجيج الصراع اللوني في دينامية قاتمة ومشتعلة في آن، ورسم المدن الهاربة المقتلعة من أرضها وكأنها صخرة سيزيف، لكنها هذه المرة لا تتدحرج بل تطفو في الفضاء، حيث تسعى رغبة الوجود إلى استردادها.

ويعد الإنتاج الغزير للفنان محمد عزيزة، بكل ما يحمله من دهشة وامتلاك واستمتاع، حقبة مفصلية في الانعطاف الحداثي نحو المعاصرة، وإرثاً يؤسس للغة فنية تفردت بطابعها الجمالي والوجداني.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة