ملخص
في روايتها الجديدة "غير مرئية"، تدخل الروائية المصرية شيرين فتحي بالقراء إلى مطبخ الكتابة، كأن من حق الكاتب أن يتأمل أصابعه أثناء فعل الكتابة، يروض خياله ويصطاد أفكاره المتلاشية ويهيم بالقارئ، فلا يعرف هل هو إزاء قصة حقيقية أم خيالية أم مسودة لرواية لم تكتب بعد؟
راجت مقولة رولان بارت بأن أبطال السرد "شخصيات من ورق" لا تضيف بشراً إلى الواقع، ولكن هل هذا الكلام حقيقي تماماً؟ ألا تعيش في الذاكرة نماذج روائية تفوق في حضورها وتأثيرها شخصيات من "لحم ودم" الواقع؟ كيف لنا أن نرسم الحدود الفاصلة بين أرض الواقع وفضاء الخيال؟ ألم تصبح العوالم التي تسكننا ونسكنها شديدة التداخل والتعقيد؟
بدءاً من عنوان رواية "غير مرئية" (دار كتوبيا) للكاتبة شيرين فتحي، ثمة إيحاء باللعب، كأنها فقرة للحواة في السيرك، وثمة نفي لما ستتحدث عنه السطور، فيصبح للمنفي حضور يفوق المثبت، ويتقدم ما لم يحدث على حساب ما حدث بالفعل.
تبدل المواقع
تشتغل الكاتبة على لعبة تبديل المواقع، وتضع تلك القاعدة بوضوح في الاستهلال كيلا يفقد القارئ خيط اللعبة السردية: "هذه الرواية يحكيها الطفلان لو عاشا، وتحكيها الأم لو أنها أنجبتهما، وأحكيها أنا أحياناً". أي ليس هناك راو عليم مهيمن يعرض كوناً سردياً مرتباً، واضح المعالم، ولسنا إزاء رواية تعدد الأصوات بصورتها المتعارف عليه، إذ تتوزع أجزاء الحكاية بالعدل على شخصياتها التي ترويها، بل لعبة تتشارك في نسجها أربعة أصوات متفاوتة: الكاتبة نفسها التي تحكي أحياناً وترتق الفجوات السردية، ثم الشخصيات الثلاث: الأم وطفلاها.
ملمح ما بعد حداثي يكسر التماهي مع الشخصيات ويذكر المتلقي على الدوام بأنها مجرد "شخصيات من ورق" تشغل موقعاً وظيفياً لتشييد الحكاية، وتستطيع بكل سهولة أن تبدل موقعها وتصبح هي المروي لها، أو البطلة، أو تنسحب وتترك خشبة المسرح لغيرها.
حكاية لا تكتمل
لا تتواصل الشخصيات الأربع معاً بجدية، ويصعب الحسم أيها يعبر عن شخصية حقيقية وأيها متخيل في رأس الكاتب، ولا تعيش الواقع كما هو، بل باعتباره سلسلة غامضة من الاحتمالات والتخيلات. من ثم لا توجد "حكاية" بالمعنى التقليدي، أي بداية ووسط ونهاية، ولا حبكة تتطلب حلاً، وإنما هي حالة متأرجحة بين السرد والتأمل فيه واستقصاء معنى وجدوى الكتابة.
انطلاقاً من الاحتراز الذي تصدر الرواية، أو القصة الطويلة لأنها في حدود 100 صفحة، يمكن القارئ أن يخمن أن البطل الحقيقي الأم "عالية"، سيدة من الطبقة الوسطى تمارس الكتابة بدأب، وفي الوقت نفسه عليها أن تلبي أعباء زوج وأسرة، ويفترض أن تشق طريقها، على رغم يقينها أن الكتابة لن تفيدها في شيء، فلا انتصار فيها: "كل الروايات والقصص الموجودة في هذا العالم بلا جدوى، إنها لا تغير أحداً. القصص لا تفسد مخططات الأشرار، ولا ترد للمظاليم حقوقهم، إنها تكبر المأساة وتكبر عجزنا حيالها".
رهان على المحو
على طريقة هابيل وقابيل، هناك أخوان يحكيان، أحدهما موهوب والآخر موهوم. يعاني الأصغر أو الراوي الأول من اختفاء كل قصة يكتبها فور الانتهاء منها، بحيث يجد الصفحات بيضاء فيذهب إلى "الكاتب الكبير"، التماساً للمشورة، ويحكي له: "كل ما أكتبه يتبخر، تختفي القصص فور كتابتها كأنها لم تكتب". يحمل المحو هنا دلالات عدة، تشير إلى القصص التي تدور في أذهان كل كاتب، وتختفي لحظة تثبيتها في كتابة، أو إلى اختفاء الأثر وعدم الجدوى، لكن "الكاتب الكبير" نفسه وليس لديه ما يقوله، وهو بدروه يعاني، لأن "مزهرية" انكسرت، ويطلب من الكاتب الشاب أن يتخد وضعاً مماثلاً لها كي يغرس الورد في جسده المهان.
خيال طفولي جامح ونبرة ساخرة وراء السطور، كجزء أصيل من لعبة الكتابة، كما يتبين في مقطع آخر خاص بالكتابة على جسد الزوجة العاري، وهي الحيلة الوحيدة التي نجحت في تثبيت النص.
في لحظات يصبح المتخيل أشد حضوراً، بينما يتراجع الواقع إلى فضاء شبحي غائم، كما يحدث مع الكاتبة الأم في علاقتها مع زوجها، وهو ما تطلب لغة خاصة مراوغة. فتحت تأثير تعنيف الزوج لها بدعوى عدم نظافة البيت، تذهب الكاتبة الأم إلى ندوة وتثيرها ذرات التراب على الطاولة، فتبدأ حملة تنظيف مجنونة تنتهي بأن تلصق رأسها بسطح الطاولة قائلة: "بدأت ألعق ذرات التراب العنيدة بلساني وأكشط بعض البقع البارزة بأسناني".
قسوة الكتابة
يعرف القارئ مقدماً أنه إزاء لعبة سردية لا تحاكي الحياة ولا تبتعد منها في الوقت ذاته، ربما تتلصص عليها عبر خيال الكاتبة وتفضح قسوتها وقسوة الكتابة أيضاً، في واقع لا يعترف بالكاتب ولا يقدر حساسية الموهبة. لذلك تتبدى القسوة كثيراً بالإشارة إلى كتاب انتحروا مثل يوكيو ميشيما، وخيالات الكاتبة الأم المليئة بالعنف والدم وقطع الرأس وحفر حفرة لدفن الزوج المحبط فيها.
تلك القسوة المتخيلة هي محاولة انتقام سردي من واقع بائس ومحبط، وممارسة للقتل الروائي ما دام لا نستطيع القتل بالفعل، فلا غرو أن تحفل المقاطع القصيرة نسبياً بتعبيرات عنيفة من عينة: "أسمع صلصلة المقصات المدلاة من بطني بينما تهتز"، في محاولة انتحار على الطريقة اليابانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ليس بجديد أن يكتب كاتب عن الكتابة ذاتها، سواء اتخذ ذلك شكل التأملات والمقالات أو قوالب إبداعية كالمسرحية والرواية، كما في كتاب عزت القمحاوي "الطاهي يقتل الكاتب ينتحر"، مع ملاحظة مشترك العنف والقسوة. وكذلك رواية "المكتبة" لزوران جيفكوفيتش التي أشارت إليها شيرين فتحي في المتن، وأيضاً "المكتبة في الليل" لألبرتو مانغويل.
ينتمي هذا التأليف إلى ما يسمى "الميتا سرد"، أي أن السرد يفحص أدواته ويكاشف القارئ بأسراره ويدخل مطبخ الكتابة وآلامها وقسوتها بعيداً من الهالة الرومانسية المزيفة عن الكتابة بوصفها إلهاماً ورسالة مقدسة.
أتاح ذلك للكاتبة استعراض حس السخرية وكسر الإيهام والتلاعب بالقارئ والانتقال من راو إلى آخر، والتنويع في المشاهد والمقاطع القصيرة بدل الفصول. وكذلك توجيه النقد المباشر لآليات وبدهيات ثقافية كثيرة مثل تقديس مفهوم الكاتب الكبير، وتدني النظافة في أماكن الندوات، وحبسة القراءة أو حبسة الكتابة، ووضع الكاتبة في قفص اتهام أبدي بأن كل ما تكتبه هو من وحي حياتها الحقيقية.
بحكم الخيارات الجمالية للنص لم تعد هناك حبكة ولا نقطة ارتكاز تطلق برنامجاً سردياً ينتهي إلى إشباع معين، لتأتي المقاطع الأخيرة، صالحة لأن تكون في أي موقع آخر داخل المتن.
قد يؤخذ على الرواية أن الإيقاع المكثف المتدفق تراجع شيئاً ما في النصف الآخر، خصوصاً في مقاطع الأم وأشجان الكاتبة مع الكتابة، والحيرة التي قد تصيب بعضهم مع الانتقال بين الرواة الأربعة، خصوصاً أن الأم اسمها "عالية"، ويحتمل أنها أنجبت طفلين، وزوجة الطفل الأصغر أيضاً اسمها "عالية"، ويحتمل أنها أنجبت طفلين. كأن الحكاية ذاتها تتكرر تخييلاً إلى ما لا نهاية. وكان بإمكان النص أن يغوص أكثر في تفاصيل الواقع المحلي ومدى مفارقته مع تطلعات الكتاب عنه، بما يكسب النص خصوصية أكثر فرادة.