ملخص
أعاد إجلاء العائلات من السويداء إلى ذاكرة السوريين مشاهد التهجير القسري خلال أعوام الثورة وسط تخوف ناشطين من تغيير ديموغرافي يشمل تبادلاً سكانياً بين دمشق وريفها والسويداء، فيما تنفي الحكومة هذه "الإشاعات" جملة وتفصيلاً.
حلب، منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2015، قافلة من الباصات الخضراء تنقل الآلاف من أهالي المدينة السورية الشمالية، بعد أشهر من القصف المدمر والحصار الخانق والمعارك المحتدمة. نفذت هذه الباصات واحدة من عمليات التهجير القسري التي شملت مناطق واسعة في سوريا. ويتجمع المهجرون في إدلب وريفها وريف حلب، حيث شكلت تلك المنطقة على مدى أعوام "سوريا مصغرة"، فاجتمع فيها أناس من دمشق ودرعا وحمص وحلب وغيرها.
عمليات التهجير التي جرت طوال الأعوام الماضية، كانت تغييراً ديموغرافياً حقيقياً رعته إيران مباشرة، وبقي في ذاكرة السوريين الصورة الشهيرة من جدران أحد المنازل في مدينة حلب مع جملة "راجعين يامو" (سنعود يا أماه)، إلا أن يأس العودة كان سيد الموقف، فسلك بعض المهجرين طرقاً إلى تركيا وأوروبا لرسم مستقبل جديد لهم، إلا أن عملية "ردع العدوان" قلبت الموازين رأساً على عقب، وبعد انطلاق العملية بـ11 يوماً فقط، كانت الجغرافيا السورية مفتوحة لكل راغب بالعودة إلى منزله بأمان ومن دون أي خطر، ففشل بذلك واحد من أكبر مشاريع التهجير القسري والتغيير الديمغرافي على رغم كلفته المرتفعة.
إجلاء أم تهجير صامت؟
سقوط نظام الأسد وخروج إيران خاسرة من المشهد، جعل السوريين يعتقدون أن مشاريع التهجير القسري لن تعود إلى هذه البلاد أبداً، إلا أن مشاهد قوافل العائلات الخارجة من السويداء أعادت إلى الأذهان مشاهد التهجير القسري الذي جرى خلال الأعوام الماضية.
في الـ23 من يوليو (تموز) الجاري أعلن محافظ درعا، أنور الزعبي، ارتفاع عدد النازحين من محافظة السويداء إلى 4500 عائلة، موزعين على عشرات مراكز الإيواء، وضمن التجمعات السكنية في المحافظة، مشيراً إلى أن محافظة درعا شكلت غرفة طوارئ تضم جميع مديري المناطق والمديريات المعنية، لتأمين احتياجات المدنيين، وأنه تم في البداية إنشاء 13 مركز إيواء، وارتفع العدد في اليوم الثاني إلى 17 مركزاً، ووصل حالياً إلى 50 مركزاً، موضحاً أن "المحافظة تؤمّن للوافدين إلى المراكز كل ما يحتاجون إليه من أغطية وفرش وخزانات مياه وأدوية وعيادات متنقلة، إضافة إلى السلال الغذائية.
مدير الأمن الداخلي في السويداء العميد أحمد دالاتي، أوضح أن خروج هذه العائلات موقت إلى حين الانتهاء من العمليات العسكرية، وحفاظاً على سلامة المدنيين وتجنيبهم الخطر في منطقة تشهد توترات أمنية. يُذكر أن العائلات التي خرجت من السويداء غالبيتها من البدو الذين يعيشون في المحافظة إلى جانب الدروز منذ قرون، وجزء من العائلات التي خرجت هم من مسيحيي السويداء.
ورفض ناشطون تصريحات الحكومة بأن إجلاء هؤلاء السكان إجراء موقت، مؤكدين أن ما جرى هو تهجير قسري.
وفي الضفة المقابلة في دمشق وريفها، وتحديداً في مدينتي جرمانا وصحنايا، أقلية درزية تراقب ما يجري في السويداء بحذر. لم تدخل جرمانا وصحنايا في صراع السويداء ولم تشاركا به بأي شكل من الأشكال، فيما تساءل مراقبون، هل تهجير بدو السويداء سيقابله تهجير أهالي جرمانا وصحنايا، فيكون الأمر بمثابة تبادل سكاني، وبمعنى آخر تغيير ديمغرافي؟
من المسؤول؟
الشاب السوري بلال الحاج علي، يقول إن "هناك مخاوف حقيقية من اعتداءات قد تطاول الأقلية الدرزية في دمشق وريفها، أنا من سكان مدينة جرمانا، وأعيش هنا منذ ولادتي، لم يكن هناك توترات بين أهالي جرمانا وباقي سكان دمشق، لكن خلال الأشهر الماضية تغيرت الأمور بسبب التعقيدات الطائفية في البلاد. لا أنكر أن الفصائل في السويداء تتحمل مسؤولية كبيرة جراء عدم اتفاقها مع الحكومة، لكن هذا لا ينفي القلق الكبير الذي يشعر به سكان جرمانا وصحنايا". ويضيف الحاج علي أنه "منذ بداية التوترات الأخيرة في السويداء كثفت عناصر الأمن الداخلي وجودها في جرمانا بهدف حماية السكان من أية تعديات، لكن في المقابل يجب أن أشير إلى أن بعض الأشخاص قد لا يلتزمون التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية، بمعنى آخر ربما تحصل تجاوزات وتعديات على الأهالي حتى لو أن الحكومة منعت ذلك، لقد رأينا في السويداء أن الحكومة أعلنت انسحابها، وطالبت بعدم الاعتداء على المدنيين، فكان الرد هو طوفان بشري من مختلف المدن السورية اتجه نحو السويداء".
السياسي والأكاديمي السوري الدكتور يحيى العريضي، يعتبر أن "النسيج الاجتماعي في السويداء تعرض لوعكة موجعة، فالمدينة اليوم باتت خارج نطاق السلطة، لكنها ليست خارج نطاق الدولة، وهنا يوجد فرق كبير، هناك فرق بين السلطات السورية والدولة السورية، المسألة هي عبارة عن نمط سلطوي لا يكترث لبعثرة الوطن على أساس طائفي". ويوضح العريضي، وهو من أبناء مدينة السويداء، أن "هناك جهات سلطوية وأفراد عصابات تضغط على أبناء السويداء من البدو وتلعب بمصيرهم بهدف تحميل أهالي تلك المنطقة مسؤولية ما حصل".
الداخلية السورية لـ"اندبندنت عربية": إجلاء موقت
المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، يقول في تصريحاته لـ"اندبندنت عربية"، إن "إجلاء العائلات من السويداء هو إجراء موقت، إذ سيعود الجميع بعد تأمين المحافظة، الأشخاص الذين تم إجلاؤهم هم من مختلف المكونات من أهالي السويداء، وجزء منهم كانوا مخطوفين من قبل العصابات المسلحة، وآخرون خرجوا لأنهم عاشوا مرارة بطش هذه العصابات الخارجة عن القانون". وأضاف البابا أنه "تم تأمين جميع العائلات التي خرجت، جزء منهم ذهبوا إلى أقاربهم وذويهم في مناطق أخرى، والباقون تم إجلاؤهم إلى مراكز إيواء موقتة، ريثما يعودون إلى منازلهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تهجير بكل المقاييس
من جهة ثانية، اعتبر الصحافي السوري أسامة عبدالقادر أن "ما جرى في السويداء ليس له إلا اسم واحد، وهو تهجير قسري، بغض النظر عن السبب أو المسبب، النتيجة واحدة، هناك سوريون اعتقدوا أنه لا لجوء بعد سقوط الأسد، ولا تهجير بعد انتصار الثورة، لكن ما جرى هو تهجير بكل المقاييس، على رغم أن الجماعات الخارجة عن القانون في السويداء هي السبب، إلا أنه على الحكومة تحمل مسؤوليتها ومنع تكرار سيناريو التهجير القسري الذي لم يجلب سوى الويلات للشعب السوري".
ويرى عبدالقادر أن "أهالي جرمانا وصحنايا ليسوا بعيدين من التهجير، هذا سيناريو وارد بقوة، إذا تم إخراج البدو من السويداء فقد يقابله إخراج الدروز من دمشق وريفها، في مشهد للتغيير الديموغرافي على مرأى ومسمع من العالم أجمع. على السوريين رفض هذا المشروع إن تم بأية صورة من الصور، لقد فشلت إيران طوال الأعوام الماضية في إنجاح مشاريع التغيير الديمغرافي، فهل نحقق لها اليوم ما فشلت في تحقيقه؟".
دروز يصلون إلى جرمانا وصحنايا
إلى ذلك ينفي الباحث السوري عباس شريفة "جملة وتفصيلاً الإشاعات التي تتحدث عن إمكان تهجير دروز صحنايا وجرمانا إلى السويداء أو غيرها"، موضحاً أن "عمليات الإجلاء الأخيرة لم تقتصر على البدو والمسيحيين، هناك عائلات درزية جاءت من السويداء إلى صحنايا وجرمانا، أي أن ما جرى هو تماماً عكس تلك الإشاعات، فبدل تهجير الدروز من هاتين المدينتين جاءت إليهما عائلات درزية أخرى هرباً من المواجهات الأخيرة".
بالنتيجة، تنفي الحكومة السورية والمصادر المقربة منها، كل الأنباء التي تتحدث عن احتمال تهجير الدروز من جرمانا وصحنايا، وتؤكد أن إجلاء العائلات من السويداء هو إجراء موقت وسيعود الجميع إلى منازلهم، بينما يتخوف ناشطون وحقوقيون من عملية تهجير قسري وتغيير ديمغرافي ممنهج قد تشهده كل من السويداء وصحنايا وجرمانا، أو تبادل سكاني بين دمشق والسويداء، إلا أنه على أرض الواقع لم يحدث ما يوحي بذلك حتى الآن.