ملخص
فجَّر توقيع الاتحاد الأوروبي وتونس مذكرة تفاهم في مجالات الاقتصاد والهجرة والطاقة سجالات غير مسبوقة.
بينما يحتفي الطرفان بمرور 30 عاماً على توقيع أول اتفاق شراكة بينهما أثار الاتحاد الأوروبي وتونس جدلاً ومخاوف على وقع استعدادات لإعلان خريطة طريق جديدة لهندسة العلاقات ومجالات التعاون في ما بينهما. وتتمحور المخاوف حول الهجرة أساساً، حيث أدى تعاون مُتنامٍ بين تونس وإيطاليا إلى انخفاض كبير في عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى السواحل الأوروبية، بحسب ما ذكرت الحكومة في روما.
وقادت السلطات التونسية حملات مكثفة من أجل ترحيل مهاجرين استقروا على أراضيها، خصوصاً في ولاية (محافظة) صفاقس جنوب البلاد، مما أثار انتقادات حقوقية داخل تونس وخارجها. وفي أحدث انتقاد طالبت منظمة "أس أو أس هيومانيتي" الألمانية غير الحكومية المتخصصة في إنقاذ المهاجرين بوقف التعاون مع السلطات التونسية في مجال إنقاذ المهاجرين. ولم تتضح بعد معالم خريطة الطريق الجديدة، لكن تسود تكهنات حول شمولها مجالات الهجرة غير النظامية والتجارة بين الاتحاد الأوروبي وتونس.
علاقة غير متوازنة
الجدل الذي يحيط بالعلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي ليس وليد اللحظة، حيث فجَّر توقيع الطرفين مذكرة تفاهم في مجالات الاقتصاد والهجرة والطاقة سجالات غير مسبوقة.
وواجهت تونس ضغوطاً قوية في الفترة السابقة من الاتحاد الأوروبي لتشديد الرقابة على شواطئها ومنع وصول آلاف المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول أفريقية. وتبعاً لذلك توالت إعلانات السلطات التونسية باستمرار عن إحباط موجات هجرة سرية، كما رحلت المئات منهم إلى دولهم.
خريطة طريق جديدة
من جهته اعتبر النائب التونسي السابق المقيم في إيطاليا مجدي الكرباعي أن "إعلان الاتحاد الأوروبي وتونس عن الاستعداد لإطلاق خريطة طريق جديدة لتطوير الشراكة بينهما بعد مرور 30 سنة على اتفاق الشراكة الأول هو في الحقيقة محاولة لإعادة إحياء علاقة غير متوازنة لم تجلب لتونس سوى مزيد من التبعية الاقتصادية والانكماش السيادي". وأوضح الكرباعي أنه "من حيث الدلالات لا يمكن قراءة هذه الخريطة بمعزل عن السياق السياسي الحالي في تونس الذي يتسم بانغلاق سياسي وتراجع كبير في مجال الحقوق والحريات وتعطل مؤسسات الرقابة والمساءلة والاتحاد الأوروبي يعلم ذلك جيداً، لكنه يواصل التعامل مع السلطات التونسية بمنطق الشريك الضروري، ولو على حساب المبادئ التي يروج لها، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا يبرز أن أوروبا مستعدة لتجاهل أي تجاوزات مقابل تعاون في ملف الهجرة، وهذا في حد ذاته يضعف صدقية الشراكة المعلنة". وشدد على أن "ملف الهجرة بات المحور المركزي في كل تفاوض بين تونس والاتحاد الأوروبي. نحن اليوم أمام منطق مقايضة واضح: تمويلات محدودة أو مساعدات اقتصادية مشروطة مقابل التزام تونس لعب دور شرطي الحدود عبر منع المهاجرين من الوصول إلى السواحل الأوروبية واحتجازهم في ظروف لا إنسانية وإعادتهم قسراً إلى بلدان مجاورة أو إلى تونس نفسها في غابات الزيتون، حتى من دون توفر الشروط القانونية لذلك". ولفت الكرباعي إلى أن "هذا النموذج من التعاون الأمني لا يعالج الأسباب الجذرية للهجرة، بل يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية ويحول تونس إلى ما يشبه منطقة عازلة للمهاجرين، وهذا أمر مرفوض أخلاقياً وسياسياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شراكة غير متكافئة
كانت العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتونس محور بيان مشترك أصدره سفراء التكتل في البلد الواقع في شمال أفريقيا تحت عنوان "الاتحاد الأوروبي وتونس... رؤية مشتركة ومستقبل نبنيه معاً". وقال السفراء في البيان إن "الاتحاد الأوروبي يظل الشريك التجاري الأول لتونس، حيث تستقبل دوله نحو 70 في المئة من الصادرات التونسية"، مشيرين إلى أن "هذه العلاقة التجارية تتسم غالباً بالتوازن وتحقق فائضاً لمصلحة تونس، مما يعكس طبيعة الشراكة القائمة على الربح المشترك".
لكن الكرباعي اعتبر أن "لا بد من التأكيد أن اتفاق الشراكة لم يخدم تونس بالقدر الذي خدم فيه المصالح الأوروبية، فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، لم يتحقق اندماج اقتصادي فعلي، بل اختلال واضح، إذ غزت المنتجات الأوروبية السوق التونسية وأثرت سلباً في الصناعات المحلية والفلاحين، في حين بقيت المنتجات التونسية تواجه حواجز جمركية وغير جمركية لدخول السوق الأوروبية". واستطرد المتحدث، "كل محاولة لتوسيع هذه الشراكة، كما هي الحال مع مشروع "الأليكا" (الاتفاق الشامل والمعمق للتبادل الحر)، تعني في الواقع تعميق هذا التفاوت، لا سيما في ظل غياب قدرة تفاوضية حقيقية لدى تونس، وغياب الشفافية في صياغة هذه الاتفاقات". واستنتج أنه "لهذا السبب نحن لا نرفض مبدأ الشراكة في حد ذاته، بل نرفض أن تكون شراكة غير متكافئة، قائمة على منطق الهيمنة والمقايضة الأمنية. وأي خريطة طريق جديدة يجب أن تكون نتيجة نقاش وطني واسع يشارك فيه برلمان منتخب ديمقراطياً في تونس والمجتمع المدني والنقابات والفاعلون الاقتصاديون، لا أن تطبخ في غرف مغلقة بين سلطات تتجاهل صوت المعارضة ومؤسسات أوروبية تحركها مصالحها أولاً وأخيراً، وإلا فإن النتيجة لن تكون سوى استمرار الأزمة وتفاقم التبعية على حساب سيادة تونس ومستقبل شعبها".
استفادة ومخاوف مشروعة
وعلى رغم الانتقادات نجحت تونس في تحقيق فائض تجاري مع الاتحاد الأوروبي الذي استأثر بنحو 70 في المئة من الصادرات التونسية، وهو ما يحفز السلطات على الأرجح على زيادة التقارب مع بروكسل.
ورأى الباحث السياسي التونسي الجمعي القاسمي أنه "على المستوى الاقتصادي استفادت تونس من الاتفاق بصورة كبيرة، حيث بات لديها فائض في ميزانها التجاري مع أوروبا وليس عجزاً، باعتبار أن الصادرات التونسية تدخل ضمن ضوابط وترتيبات تمكنها من التوغل والتوسع في الأسواق الأوروبية". وبيَّن القاسمي، "مع ذلك المخاوف التي تعبر عنها أصوات كثيرة تظل مشروعة على المستوى السياسي في ما يتعلق بالملفات الشائكة، وتحديداً ملف الهجرة غير الشرعية أو الهجرة بصورة عامة وكيف يمكن لتونس أن تتعاطى مع هذا الملف لتحسين شروط التفاوض بما يخدم مصالحها". وأكد، "لذلك في مجمل الأحوال لم يخرج الاقتصاد التونسي منذ بداية الدولة الحديثة عن سياق التوجه نحو السوق الأوروبية، صحيح برزت أصوات خلال السنوات القليلة الماضية تنادي بضرورة تنويع الشراكات الاقتصادية وفي اعتقادي هذه الأصوات محقة، وعلى تونس أن تبحث عن تنويع شراكاتها، سواء اقتصادياً أو سياسياً، حتى لا تبقى رهينة لهذه السوق أو غيره". وأردف، "لا بد من التفكير جيداً في إنشاء دبلوماسية اقتصادية نشطة قادرة على التوسع بحثاً عن أسواق جديدة وإيجاد أوراق للتلويح بها في أي مفاوضات قد تشمل قضايا حارقة، خصوصاً أن السياسة تحكمها المصالح بصورة كبيرة".
وفي ظل الانتقادات المتصاعدة والتوتر السياسي الذي تعرفه تونس بين المعارضة والسلطة وانحسار النفوذ الأوروبي في أفريقيا، فإنه من غير الواضح ما إذا كان التقارب بين بروكسل وتونس سيستمر في المرحلة المقبلة.