Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين ضرب "شبيحة جدد" اعتصاما بعنوان "دم السوري على السوري حرام"

مطالبات حقوقية من الحكومة لتوقيف المهاجمين ومحاسبتهم ومحاكمتهم بحسب القانون

لافتة رُفعت أمام مجلس الشعب السوري (الجهة المنظمة للاعتصام)

ملخص

أثارت قضية ضرب المعتصمين في دمشق ضد الأحداث في السويداء حال غضب بين المواطنين السوريين، إذ اعتبر مراقبون أن غياب المساءلة وعدم محاسبة المعتدين من قبل الدولة يعطيهما شعوراً بالحصانة، بل وأحياناً تشجيعاً ضمنياً على تكرار الفعل.

لم يرق اعتصام سلمي صامت حدث الجمعة الـ18 من يوليو (تموز) الجاري لمجموعة شبان مجهولي الهوية وبادروا بالهجوم على عدد من الناشطين المدنيين بالاعتداء الجسدي واللفظي العنيف خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية سلمية أمام مبنى مجلس الشعب (البرلمان) وسط العاصمة دمشق في إطار دعوة إلى وقف الاقتتال المتصاعد في محافظة السويداء والمطالبة بحماية المدنيين وتعزيز السلم الأهلي في البلاد.
ويأتي هذا الاعتصام من المجموعة المدنية إثر تواصل الاشتباكات ومواصلة القتال والعنف الدائر الذي أدى إلى مصرع قرابة 1000 شخص بين مقاتلين ومدنيين في معارك هي الأقسى منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 وهربه إلى العاصمة الروسية موسكو.

أوقفوا الحرب

ارتفعت الأصوات المناشدة بضرورة محاسبة الشبان الذين هاجموا الاعتصام السلمي وسط انتقادات طاولت الجهات المتخصصة بالتقصير بمحاسبتهم أو إصدار بيان مندد كـ"أضعف الإيمان"، إذ أكد شهود حدوث انتهاكات عندما أقدم عدد من المدنيين كان بعضهم يحمل عصياً خشبية على مهاجمة المحتجين السلميين بعد دقائق من بدء الاعتصام.
وتسببت الحادثة في إصابات جسدية وحالة ذعر في صفوف المشاركين، بينما أصاب السوريين حال استياء. وأعاد المشهد إلى الأذهان أحداثاً مشابهة دارت في بداية الثورة السورية في عام 2011 حين عمد النظام السابق في مرحلة ما قبل اندلاع الصراع المسلح إلى إطلاق فرق ممن كان يطلق عليهم "الشبيحة"، وهم مدنيون، لضرب المحتجين السلميين بالعصي والإمساك بهم وتسليمهم لأجهزة الأمن.
وانتشرت مقاطع مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر بها مجموعة أشخاص يفترشون الأرض أمام البرلمان الذي علق أعماله منذ سقوط النظام منذ قرابة ثمانية أشهر ويرفعون لافتات تطالب بوقف إراقة الدماء، ومقاطع أظهرت تهجماً لفظياً مشيناً من قبل أحد الأشخاص في حق فتاة من المشاركات بالاعتصام، الذي دعت إليه مجموعة من السوريين والسوريات لرفع لافتة واحدة عنوانها "دم السوري على السوري حرام"، وذلك على خلفية الاقتتال المستعر لأكثر من أسبوع في محافظة السويداء، جنوب سوريا، ذات الغالبية الدرزية.
وتحدثت منظمة التجمع وإحدى المشاركات بالاعتصام، بيان العدوي، حول رسالة هذا التحرك الذي يخاطب الشارع السوري والسوريين بالتضامن مع بعضهم لوقف دائرة العنف بالجنوب، "لقد سار اليوم الأول من الاعتصام بصورة جيدة جداً مع ردود فعل جداً متفائلة وتشجيعية من الشارع والمارة، في اليوم الثاني سار بالمستوى نفسه إلى أن هاجمنا هؤلاء أثناء انتهاء وقت الاعتصام".
وطالبت العدوي بالتواصل مع الحكومة لتوقيف المهاجمين ومحاسبتهم ومحاكمتهم قانونياً، "لقد تم التعرف عليهم وإرسال معلوماتهم إلى الجهات المتخصصة، رسائلنا ستبقى نفسها دون تغيير في سبيل أن نعيد الاستقرار إلى البلاد من بعد سنوات من الخسارات".


قبول الآخر

في الوقت ذاته أطلقت مجموعة مدنية تضم ناشطين وإعلاميين وفنانين منهم من أبناء مدينة درعا والسويداء وسهل حوران نداءً إنسانياً بعنوان "تحريم الدم السوري"، وقع عليه ما يناهز 200 شخص. ويشرح الموقعون على البيان "الحاجة الملحة لرسالة واضحة تحصن المجتمع ضد الانزلاق في آتون حرب أهلية". ويجزم رئيس الحركة الوطنية السورية زكريا ملاحفجي بأن "حادثة الاعتداء على الناشطين أمام البرلمان تشير بوضوح إلى أن المجال العام ما زال مشوباً بعدم تقبل الرأي والرأي الآخر، سواء من قبل السلطات أو من جهات غير رسمية تتصرف أحياناً بغض نظر عما يحصل، وما حدث يظهر أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول الحريات والواقع على الأرض، حيث ما زال التعبير عن الرأي عرضة للقمع أو المضايقة". وأضاف، "المجتمع السوري يعيش في حال استقطاب حاد تجعل من المختلف سياساً أو فكرياً ’عدواً‘، مع انتشار ثقافة الخوف والتخوين، التي ترسخت على مدى عقود، حيث كان ينظر إلى أي تحرك مدني مستقل كتهديد لأمن الدولة أو للوحدة الوطنية".
ولفت ملاحفجي إلى غياب المساءلة وعدم محاسبة المعتدين، مما يعطيهم شعوراً بالحصانة، بل وأحياناً تشجيعاً ضمنياً على تكرار الفعل. ورأى أنه "إذا كانت الدولة جادة في طي صفحة الحرب وبناء مرحلة جديدة، فإنها في حاجة إلى اتخاذ خطوات ملموسة، مثل سن قوانين واضحة تحمي حرية التعبير والتجمع السلمي، مع آليات تنفيذ فعلية، ومحاسبة كل من يعتدي على المتظاهرين السلميين، بغض النظر عن انتمائه أو خلفيته، وضمان استقلال القضاء، حتى يتمكن من الفصل في مثل هذه القضايا بموضوعية وشفافية". كما أشار ملاحفجي إلى ضرورة "تعزيز ثقافة الحوار والتعددية، بخاصة عبر الإعلام والتعليم، والتوقف عن التخوين والتشهير بالمعارضين، وفصل الأمن عن الحياة المدنية، ومنع تدخل الأجهزة الأمنية أو المجموعات المرتبطة بها في قمع النشاط المدني". وعبر عن اعتقاده أنه "لا يمكن الحديث عن إصلاح جذري ما لم تصن الحقوق الأساسية وعلى رأسها حرية التعبير، فهي ليست ترفاً، بل ركيزة لأي استقرار دائم".

عواقب الاقتتال

وما زالت اشتباكات تدور في السويداء وريفها بين فصائل الشيخ الهجري، وبدو العشائر وسط انتهاكات في حق المدنيين وحالات إنسانية في غاية الصعوبة إثر فقدان الدواء والغذاء، ومناشدات من قبل أهالي المدينة بضرورة فتح معبر إنساني، وإجراء تسوية سياسية تحقن الدماء.
يأتي ذلك مع تدخل سلاح الجو الإسرائيلي الذي أغار على أطراف السويداء، مستهدفاً مقار ودوريات للأمن العام والجيش السوري، مع ضرب مقر مبنى الأركان وسط دمشق، وسبق هذا مناوشات جرت قبل أشهر في مدينتي جرمانا وصحنايا اللتين تقطنهما غالبية من السوريين الدروز، مع قوى الأمن الداخلي.
ويبلغ عدد السوريين من أبناء طائفة الموحدين الدروز بين 700 و800 ألف نسمة ويشكلون نحو 3.2 في المئة، يتركزون في ثلاث محافظات رئيسة قرب هضبة الجولان يعيش معظمهم في السويداء، بينما يعيش قرابة 20 ألف سوري درزي في الجولان الذي سيطرت عليه تل أبيب خلال حرب عام 1967 في حرب عرفت بـ"حرب الأيام الستة".
وتعد قضية نزع السلاح من أبناء الطائفة الدرزية بعد سقوط النظام السابق، ودمج الفصائل المسلحة بالجيش السوري الجديد، المعضلة التي أشعلت الاقتتال، في ظل رفض شيخ العقل طائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري تسليم السلاح وأصر على إدارة المحافظة من قبل الفصائل المحلية ذاتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بلطجة و"شبيحة جدد"

في غضون ذلك يطالب حقوقيون بالكشف عن هوية المنفذين الذين شاركوا بالاعتداء ومحاسبتهم حتى لا تعاد صور التشبيح بـ"شبيحة جدد" وسط كل هذا الدم والعنف الحاصل.
ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان هذا الانتهاك الذي وصفته بـ"الصارخ" في حق النشطاء السلميين، واعتبرت أنه يعكس في الوقت ذاته "تقاعساً من الجهات المسؤولة في حماية المحتجين وملاحقة المعتدين". وجاء في بيان خاص حول التأخر بالمحاسبة أن ذلك "يسلط الضوء على ثغرات قانونية ومؤسساتية تستوجب المعالجة العاجلة لضمان صون الحقوق الأساسية ومنع تكرار هذه الانتهاكات".
في الأثناء أوصت الشبكة الحقوقية أيضاً بضرورة "فتح تحقيق جنائي وفوري ومستقل في حادثة الاعتداء، ونشر نتائجه مع محاسبة جميع المتورطين، بمن فيهم المنفذون المباشرون وأي جهات سهلت أو تقاعست عن أداء واجبها في الحماية".
وأوصت الشبكة كذلك بضمان احترام الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير، والعمل على مراجعة وتعديل القوانين والتعليمات المنظمة للفعاليات العامة بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، و"إصدار تعميم رسمي إلى القوى الأمنية والمؤسسات الحكومية يؤكد وجوب احترام وحماية الاحتجاجات السلمية، ومنع أي جهات غير رسمية من التدخل أو الاعتداء على المدنيين".

المحاسبة ضرورة

لفت التقرير الصادر على خلفية حادثة الاعتداء إلى ضرورة اتخاذ السلطات الأمنية والمؤسسات الشرطية جميع التدابير الوقائية اللازمة لحماية التجمعات السلمية، بما في ذلك نشر عناصر أمنية مرئية غير مسلحة وتدريبها على أسس التعامل مع الفعاليات المدنية وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة، وضمان استجابة فورية لأي تهديد أو اعتداء يستهدف الناشطين المدنيين بصرف النظر عن هوية الجهة المعتدية أو خلفياتها.
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبدالغني بوجوب صدور إعلان والتحرك نحو محاسبة سريعة. ووصف ما حدث بـ"بلطجة" على شبان وشابات. وأرجع سبب هذا الاعتداء إلى التأجيج الطائفي على صفحات التواصل الاجتماعي واستسهال القتل والضرب.

واقتبس المعتصمون أمام البرلمان شعارهم "دم السوري على السوري حرام" من نداء مفتي الجمهورية السورية الشيخ أسامة الرفاعي في وقت سابق أواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي حين دعا إلى التكاتف والوحدة الوطنية ورفض دعوات الفتنة.

وكرر المفتي الرفاعي دعوته في الـ18 من يوليو إلى تحريم قتل الأطفال والمدنيين من أي طائفة كانت والخيانة والاستعانة بإسرائيل في أعقاب التوترات الطائفية في محافظة السويداء.
وأكد الرفاعي ضرورة عدم الاعتداء على المدنيين وإخراجهم من ديارهم مما كانت طائفتهم، لافتاً إلى وجوب تحريم الخطابات الطائفية وخطرها.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات