ملخص
إصدارات يوليو الروائية تكشف عن أصوات جديدة ومواقف جريئة تتراوح بين عالم المقامرة والديون، وأعماق الأبوة والذكورة، مروراً بالجريمة المنظمة، وانتهاءً بنقد لاذع لصناعة الحروب الإعلامية في غزة. أما كتابا الشهر غير الروائي والمذكرات فيمزجان بين رثاء الطبيعة المهددة والمرض الشخصي، بلغة تأملية وشعرية تنبض بالأمل وسط الفقد.
تشكل عطلة الصيف فرصة ذهبية للغوص في عوالم روائية جديدة، ومن بين الإصدارات التي تستحق التوقف عندها هذا الشهر تبرز بقوة الرواية الأولى للكاتب كونور هاتشينسون "محظوظ بشدة" Dead Lucky، الصادرة عن "دار كورسير" والتي تدور أحداثها في منطقة أوبنشو بمدينة مانشستر، حيث يسرد هاتشينسون بأسلوب مشحون بالتوتر والواقعية حكاية محنط جثث يعمل في دار جنازات يجد نفسه منجذباً إلى عالم القمار الآسر والمهلك، مدفوعاً بيأسه ورغبته في الهرب من كابوس الديون المتراكمة.
أما الكاتب المتمرس جون نيفن فيطل بروايته الجديدة "الآباء"The Fathers عن "دار كانونغيت" مقدماً معالجة لاذعة وبارعة لمسائل الأبوة والرجولة بأسلوب يمزج بين الطرافة والذكاء. وعلى خط مواز يقدم ألكسندر ستاريت رواية مشوقة بعنوان "درايتون وماكنزي" Drayton and Mackenzie عن لقاء عفوي بين صديقين قديمين يعيد تشكيل مسار حياتيهما في تحالف غير مألوف تفرضه المصادفة.
أما عشاق الإثارة والجريمة فسيجدون ضالتهم في رواية غريغوري غالاوي "كل ما نثق به" All We Trust الصادرة عن "دار ملفيل هاوس"، وهي قصة آسرة عن شقيقين يمتلكان متجر أدوات بسيطة ويتورطان في غسل الأموال، ليتحول الخلاف العائلي بينهما سريعاً إلى صراع دموي بين عصابات الجريمة المنظمة.
وفي زحمة هذه الإصدارات تبرز لحظة تأمل نادرة في كتاب المذكرات القصيرة لـ تاكاشي ناغاي "أجراس ناغازاكي" The Bells of Nagasaki الصادرة عن "دار ڨينتج كلاسيك" فناغاي، الطبيب الياباني، كان قد كتب هذه المذكرات قبل وفاته باللوكيميا عام 1951، وقد شهد بعينيه إسقاط القنبلة الذرية من طائرة (بي-29) الأميركية، حين وصف الوميض الناجم عنها بأنه "يشبه فانوساً هائلاً ملفوفاً بالقطن". وعلى رغم قسوة ما يسرده عن "عالم الموتى" الذي خلفه الإشعاع النووي فإن جوهر الكتاب دعوة ملحة إلى أن تقرع أجراس السلام، وهو نداء يبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى في عالم 2025 المضطرب والخطر.
وفي ما يلي نستعرض بالتفصيل اختياراتنا لأفضل رواية ومذكرات وكتاب غير روائي لهذا الشهر:
رواية الشهر: "نسر جارح" Vulture لـ فيبي غرينوود ★★★★☆
في عالم الصحافة الحربية يطلق وصف "النسر الجارح" على الصحافي الذي يختار طواعية قضاء حياته في "أكثر بقاع العالم خراباً" ويكسب رزقه من الموت والدمار.
سارة بايرن، مراسلة مستقلة تعمل لمصلحة صحيفة بريطانية مرموقة، ترى في غزة عام 2012 أرضاً خصبة لطموح صحافي شاب متعطش للصعود، وتقول متباهية إن "هذه الحرب متاحة لمن يجرؤ اقتناصها".
بطلة رواية فيبي غرينوود الأولى هي شخصية آسرة لكنها تعاني خللاً يجعلها تجسيداً حياً للفوضى، فـ غرينوود التي غطت أحداث الشرق الأوسط مطلع الألفية الجديدة لمصلحة صحيفتي "تيليغراف" و"غارديان"، تقدم وصفاً حسياً صارخاً لحياة المراسل الحربي، وتسدد سهامها نحو رؤساء التحرير الوقحين والمصورين المنفلتين من أي ضابط جنسي، وحتى الصحافيين غريبي الأطوار (بمن فيهم مدون يرتدي قبعة كلاسيكية بلون خمري) الذين اجتذبتهم غزة بما فيها من "أبعاد مذهلة للبؤس". وتسلط الرواية الضوء على صناعة إعلامية متعطشة للحروب تتغذى على المآسي وتخذل ضحاياها مراراً، وكما نشهد اليوم لا تزال الحرب تجارة مزدهرة تدر الأرباح على وسائل الإعلام.
تطرح الكاتبة سرداً متوازناً في توزيع المسؤولية بين "حماس" وإسرائيل في النزاع، وحين أُعلن وقف لإطلاق النار أواخر عام 2012 تواصل القصف حتى اللحظات الأخيرة، ويقول جنرال إسرائيلي، ربما شخصية خيالية، لسارة إن "هذه فرصتنا الأخيرة لجز العشب"، في تعبير بارد يختزل كيف جرى تطبيع رعب الحياة اليومية في غزة وتحويله إلى ممارسة قتالية مألوفة.
وتتخلل الرواية مشاهد استرجاعية حادة تسلط الضوء على خلفية سارة الشخصية، إضافة إلى حوارات ساخرة مع والدتها من بينها وصف طريف لحي دولويتش بوصفه "أكثر ضواحي لندن تفاهة وعدوانية".
ومع تدهور حياة سارة، وسط هلوسات وآثار مزعجة لتقرحات تناسلية ناتجة من فيروس الهربس، تتخذ قراراً خطراً يجر الكارثة على آخرين، ولذلك فـ "نسر جارح" رواية ساخرة قاتمة تملك مخالب حقيقية.
صدرت رواية "نسر جارح" لـ فيبي غرينوود عن دار يوروبا إيديشن في الثالث من يوليو (تموز) الجاري وتباع النسخة الواحدة بسعر 16.99 جنيهاً إسترلينياً.
كتاب الشهر غير الروائي: "الدردار المفقود: رسالة حب إلى أشجارنا الراحلة – والمعركة من أجل إنقاذ ما تبقى" The Lost Elms: A Love Letter to Our Vanished Trees – and the Fight to Save Them لـ ماندي هاغيث ★★★☆☆
كتاب ماندي هاغيث الآسر زاخر بالتأملات الشخصية والطرائف السردية التي تضفي عليه طابعًا إنسانيًا دافئًا، ففي أحد فصوله المعنون بـ "الموت: الدردار في الفنون"، تتناول هاغيث، الكاتبة والناشطة البيئية في قضايا الغابات، كيف اقترنت القصائد التي تناولت شجرة الدردار بالحزن والفقد، ويضم هذا الفصل أيضًا إشارات إلى عدد من الروائيين البارزين ومن بينهم يوجين أونيل وإي إم فورستر وتانا فرينش، وحتى توماس هاردي الكئيب لم يغب عن السرد من خلال روايته "سكان الغابات" The Woodlanders، إذ يعبر بطله جون ساوث عن قناعته بأن شجرة الدردار الواقفة أمام منزله ستكتب نهايته قائلاً "ها هو واقف هناك يهدد حياتي في كل مرة تهب فيها الريح، سيسقط فوقنا وتدفننا أحياء".
غير أن الحقيقة المرة هي أن الشجرة نفسها مهددة بالفناء بفعل مرض الدردار الهولندي الذي اجتاح العالم وتسبب في إبادة ملايين الأشجار.
أسلوب هاغيث جذاب وسلس، والكتاب لا يكتفي بسرد الذكريات والتجارب بل يطرح رؤى مهمة حول العولمة وتهديدات تغير المناخ وأهمية الأمن البيولوجي في حماية التنوع البيئي، ويبدو أن شجرة الدردار، على رغم رمزيتها الحزينة، تقدم لنا دروساً تبعث على الأمل في كيفية إنقاذ كائنات أخرى من المصير نفسه.
صدر كتاب "الدردار المفقود" لـ ماندي هاغيث عن دار وايلدفاير في الثالث من يوليو الجاري وتباع النسخة الواحدة بسعر 22 جنيهاً إسترلينياً.
مذكرات الشهر: "لا انزعاج واضح" No Obvious Distress لـ أماندا كويد ★★★★
قصائد أماندا كويد تمزج بين الطرافة والتأثر والحكمة والمفاجأة المستمرة في عمل أدبي نادر جمع بين السيرة الذاتية والشعر، وعلى رغم أن كويد، الشاعرة وكاتبة المسرح، لا تشير صراحة في مذكراتها إلى انتمائها لعائلة فنية شهيرة، فوالدها الممثل راندي كويد وعمها الممثل دنيس كويد، لكن إرثها يظهر بصورة غير مباشرة في قصيدتها الذكية "ألم غامض"، إذ تروي فيها بتهكم زيارتها لطبيب متخصص في أمراض المستقيم قائلة "بإصبعه في داخلي، قال لي كمّ يحب أداء والدي في فيلم 'يوم الاستقلال' ثم طمأنني بأنني لا أعاني ورماً شرجياً".
وما يجعل "لا انزعاج واضح" عملاً استثنائياً هو كونه مذكرات مكتوبة بالكامل على شكل قصائد، وفي واحدة منها بعنوان "اللعنة"، تقول لها راكبة غريبة على متن طائرة "أنتِ لطيفة لكنكِ سيئة الحظ"، كلمات تنبؤية مخيفة تسبق تشخيصها بورم غضروفي لحماني، وهو نوع نادر وعدواني من السرطان ينشأ في العظام أو الأنسجة الرخوة، ولحسن الحظ تختتم المذكرات بسلسلة من القصائد تتناول مرحلة ما بعد العلاج الإشعاعي، في لحظة أمل مشروطة بزوال الورم.
والأمر الغريب أن "لا انزعاج واضح" مذكرات منسوجة على شكل قصائد، والقصائد مضحكة ومؤثرة ومليئة بالحكمة والمفاجآت كما في قصيدة "اللعنة"، إذ يقول لها غريب صادفته على متن رحلة جوية "أنتِ لطيفة لكنكِ سيئة الحظ".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد جاءت هذه الكلمات المخيفة لتنذر بما سيحدث، إذ جرى تشخيصها بورم في الغضاريف المتوسطة، وهو مرض نادر وعدواني ينشأ في العظام أو الأنسجة الرخوة، لكنها تختم "لا انزعاج واضح" بتفاؤل مع قصائد تتناول احتمال زوال السرطان بعد "حرارة الإشعاع".
تستخدم كويد أنماطاً شعرية متنوعة من بينها حتى قصائد بأسلوب لميريك الهزلي الإنجليزي المكون من خمسة أبيات، وتبتكر قصائد ذكية من ملاحظات سجلها الطبي المختصر، وقد أحببت بشكل خاص قصيدتيها المؤثرتين "إخبار أمي" و"طبيب الأورام أخصائي الجنس" اللتين تجمعان بين الطرافة والمأساة ببراعة، ومن يعرف تجربة فحص الدماغ سيدرك الجمال المرعب في قصيدة قصيرة من ثلاثة أبيات على طريقة الـ "هايكو" اليابانية حين تقول "في التصوير بالرنين المغناطيسي أعرف كيف يبدو طرق نقار الخشب على الشجرة"، وسيصدر كتاب "لا انزعاج واضح" لـ أماندا كويد عن "دار جي إم أوريجنالز" في الـ 24 من يوليو الجاري وتباع النسخة الواحدة بسعر 14.99 جنيه إسترليني.
© The Independent