Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذكرى الـ41 لمقتل محمود محمد طه: هل "الكيزان" من قتله؟

معرفة السياسات التي جعلت تنفيذ حكم 1968 ممكناً خلال 1985 هي التي ربما قادتنا إلى تعيين من قتله على وجه اليقين

المفكر والسياسي السوداني الراحل محمود محمد طه زعيم "الحزب الجمهوري" (موقع الفكرة الجمهورية)

ملخص

جاءت المشيخة لحلبة الصراع مع طه في السبعينيات لاستنفار المسلمين لتنفيذ الحد المعطل على طه منذ عام 1968. فخلال الثالث من يناير 1976 وقع 42 مشيخياً على عريضة مرفوعة إلى نميري، معبرين عن حرجهم أن طه المرتد بغير وازع ما زال طليقاً لم يمسه عقاب، وأخذت جماعات من السودانيين القانون بيدها مستفزة أو محرضة بتعطيل الحد على طه.

مرت خلال الـ18 يناير من (كانون الثاني) الجاري الذكرى الـ41 لإعدام نظام الرئيس جعفر نميري (1969-1985) في مغربه للمفكر محمود محمد طه (1909) صاحب الفكرة الجمهورية. والفكرة مشروع لتحديث الإسلام أخذ من أقباس الحداثة والصوفية ما انزعجت له طوائف كثيرة من المسلمين حتى نجحت في ضرب العزلة عليها، وبلغوا من ذلك حد تكفير طه أمام محكمة شرعية عام 1968 نجا منها، كما سنرى، فأعادوا انعقادها عام 1985 وقضت بإعدامه بثبوت خروجه عن الإسلام.

وإلى تلك الحادثة المؤسية يعود الأخدود السياسي القائم في يومنا بين الإسلاميين والقوى الموصوفة بالحداثية التي حملت الإسلاميين حصرياً وزر مصرع طه. وزاد الأخدود ضراوة واتساعاً على الراتق خلال أعوام معارضة تلك القوى لنظام الإنقاذ الإسلامي (1989-2019)، ثم ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، ليزداد ضراوة بالحرب. فلا تنشغل هذه القوى الحداثية في يومنا مثل انشغالها بحمل العالم على إعلان الإسلاميين، "الإخوان المسلمين"، في السودان منظمة إرهابية. 

هل "الإخوان المسلمين" في أصل محنة طه؟

أشار إصبع الاتهام بقتل طه باكراً إلى الإسلاميين، ضمن جماعات أخرى. وتراوح اتهامها ما بين تسببها في نصب مناخ من الهوس الديني أدى إلى قتل طه، أو أن بعض قضاة محكمة عام 1985 أعضاء بها. ولا خلاف أن تشجيع الإسلاميين للقتلة كان بشعاً، وسمعهم شاهد عيان يهتفون "سقط هبل" خلال إعدام طه. وجاء حتى عن زعيمهم حسن الترابي قوله إن طه كان ذبحاً عظيماً (منصور خالد، الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة، القاهرة 1986، ص 113).

غير أن وزر الإسلاميين تعاظم في الكتابات اللاحقة. فالحداثيون من ذوي الضغن عليها شددوا على دورها في مقتل طه دون سواها، وكان دافعهم لذلك النيل من الحركة ودولة الإنقاذ التي مقاليدها بيد الإسلاميين. ومن المؤكد أن الحركة الإسلامية موزورة في قتل طه، إلا أنها أقل جرماً فيه قلة لا تهون منه مع ذلك. فيقر عبدالوهاب الأفندي، من مؤرخي الحركة الإسلامية، ما خسرته الحركة بتورطها في الوقائع الشاذة التي أدت إلى مقتل طه على رغم دورها الثانوي في ذلك، فلم تكن الحركة في قوله راضية بالطبع عن عقائد طه، لكنها تواصت على التعامل معه ورهطه كزنادقة شذاذ عقيدة، فما حكمت المحكمة على طه بالردة عام 1968 حتى قال زعيم الحركة بأنه أمر لا ناقة لهم فيه. ولكن فاجأت الحركة نفسها بسرعة حماستها لقتله حين صدر الحكم بردته وإعدامه عام 1985.

خلافاً للسائد في تعيين الإسلاميين كالملام في قتل طه فالخصومة الحقة كانت مع القسم الشرعي في القضائية ومصلحة الشؤون الدينية وعلماء المعهد العلمي (الذي صار جامعة أم درمان الإسلامية في منتصف الستينيات) ممن سنرجع إليهم اختصاراً لاحقاً بـ"المشيخة". فكانت للمشيخة تظلمات مهنية من طه فلاحقته لأكثر من عقد، ما هدأ لها بال منذ حكمها الأول عليه عام 1968 حتى صرعته عام 1985.

الحداثة والتقليد: فضاءات استعمارية

لما قصرت القوى الحداثية تحميل ورز مقتل طه على الإسلاميين باستبعاد كل جماعة أخرى حجبت نفسها، وهي الداعية إلى فصل الدين عن الدولة، عن معرفة دور مؤسسة الدولة الدينية، المشيخة، الرئيس في تلك المقتلة. وهي الهيئة التي على خلاف من الحداثيين خرجت من فضاء "التقليد" في جغرافيا الفضاءات الاستعمارية التي قال فرانز فانون إنها من صُنع استعماري. فما حلَّ الاستعمار ببلد حتى شقها إلى فضاء حديث وآخر تقليدي، وقال عن تباغضهما وأزلية خصومتهما إنهما يعيشان في حال "مانوية"، التي هي مضرب المثل في الخصومة التي بلا قرار.

وتجلت بولتيكا الفضاءات الاستعمارية تلك في تكوين القضائية الثنائية من قسم مدني وآخر شرعي، فقام المدني على قانون وضعي ناظراً إلى القانون الإنجليزي. بينما اختص القسم الشرعي بتطبيق الشريعة الإسلامية في أحوال المسلمين الشخصية لا سواها، فانعقد للقسم المدني بها الولاية على القسم الشرعي، واستضعفوا القسم الشرعي من جهة الاختصاص وشروط الخدمة وبيئاتها.

رنا القضاة الشرعيون أن يرفعوا عنهم بالاستقلال عام 1956 استضعاف دولة الاستعمار لهم، فاتصلوا بالدعوات السياسية للدستور الإسلامي وكونوا نقابة لهم خلال الخمسينيات والستينيات جهرت بمطلبهم في السوية مع القضاة المدنيين. ولم تلق القوى الحديثة، قوية النفوذ في النقابات، بالاً لهم، فباتت على عقيدة أن رجال الدين ممن أطلقوا عليهم "أهل العمائم" تهويناً من ممالي الإنجليز، فشريعتهم، حسب فكرة طه التي عرفت بـ"الرسالة الثانية للإسلام"، ناسبت شرط زمانها، لكن شرط زماننا غير. فالرسالة الثانية في يومنا عند طه، بإيجاز مخل، هي التي في مستوى السُّنة النبوية، أي تلك المراقي العلا في تعبد صلى الله عليه وسلم وتقواه. وتصعد طه في الخصومة مع المشيخة حتى طالب بإلغاء محاكم الشريعة نفسها من فوق حيثيات دستورية، وكرهت المشيخة منه أكثر ما كرهت نيله منهم، في حين دأبت في رد اعتبارهم المهني في سودان مسلم مستقل طمعوا أن يرفع عنه ضيم المستعمرين الكفار.

ثأر قضاة الملة

نجحت المشيخة في عقد محاكمة لطه بتهمة الردة عن الإسلام عام 1968 أمام المحكمة الشرعية العليا، وكفرته وقضت بإعدامه وتطليق زوجته عنه وألا يدفن في مقابر المسلمين. ولم تنفذ تلك المترتبات على الحكم لأن تنفيذ الأحكام انعقد للمحاكم المدنية، وتلك عالقة من استضعاف المشرع الاستعماري للقسم الشرعي من القضائية. وانتهز طه سانحة فشل المحكمة الشرعية العليا في تنفيذ حكم الإعدام بحقه لعدم الاختصاص ليدلل على أن القضاة هم مجرد قضاة "ملة" وهي الأقلية مغلوبة الدين. ولم يكف عن إحراجهم بذلك الحكم العقيم وإخجالهم به بعد ذلك، وعرض باختصاصهم المحدود الذي فرضه المستعمر ولم يغير حتى بالاستقلال. وعادت المشيخة في ظروف مواتية عام 1985 لتحاكمه بالردة مرة ثانية وتعدمه.

ومعرفة السياسات التي جعلت تنفيذ حكم عام 1968 ممكناً عام 1985 هي التي ربما قادتنا إلى تعيين من قتل محمود على وجه اليقين.

منذ حكم الردة على طه عام 1968 غلب موضوع الإسلام وتحكيمه في الدولة في السياسة السودانية. وكسبت المشيخة أراضي تاقت لها مثل فصل الرئيس إسماعيل الأزهري القضاء الشرعي عن القضاء المدني، ومساواته به عام 1967. غير أن انقلاب الرئيس جعفر نميري عام 1969 قصد أن يكون ترياقاً لأسلمة الدولة، والتي استنكرها طه طالما كانت بالرسالة الأولى لا الثانية كما تقدم، وانعقد بينه ونظام نميري حلف أذن له بحرية الدعوة لفكرته حتى وجد الأخير أن الملاءمة السياسية تستوجب، في سياق مبادرته بالمصالحة الوطنية عام 1977، التوافق مع خصوم الأمس من الأحزاب الطائفية والإسلاميين وغيرهم. فنشأ بالنتيجة ظرف موات ازدادت به وتيرة اضطهاد الدولة والمشيخة لطه وتلاميذه.

وجاء يوم نفض طه يده نهائياً عن هذا الحلف بعد إعلان نميري القوانين الإسلامية عام 1983 على صورة أنفق عمره ألا تكون. وسنحت بذلك الفرصة للمشيخية لاستئناف حملتها على طه، فحرموا تلاميذه من الخطابة من منابر مساجد الدولة حتى لا يبثوا زندقتهم، ومن ثم دخل نميري على مسرح الصراع ضد طه، فطلب عام 1974 تقريراً عن حاضر حركة طه وتلاميذه، فانتهزت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف السانحة فاقترحت عليه قيام حملة داخل المدن الكبيرة لتكذيب زندقة طه، طمعاً في استرداد تلاميذه المضللين إلى الإسلام. واستقوت المذكرة بلفت النظر إلى حكم الردة السابق بحقه، وفتاوى من الأزهر (1972) ورابطة العالم الإسلامي (1975) قضت بردته.

الجمهوريون: طرائد شرعاً

جاءت المشيخة لحلبة الصراع مع طه خلال السبعينيات لاستنفار المسلمين لتنفيذ الحد المعطل على طه منذ عام 1968. فخلال الثالث من يناير 1976 وقع 42 مشيخياً على عريضة مرفوعة إلى نميري، معبرين عن حرجهم أن طه المرتد بغير وازع ما زال طليقاً لم يمسه عقاب. وأخذت جماعات من السودانيين القانون بيدها مستفزة أو محرضة بتعطيل الحد على طه. وبالنتيجة، تعرضت حياة جماعة من الجمهوريين للخطر من شغب طائفة من الناس اعتقدوا أنهم مرتدون ودمهم هدر بحكم المحكمة الشرعية، فدافع محام مثلاً عن متهم بضرب أحد الجمهوريين بذلك الحكم لتبرئة موكله. فموكله، في قوله، ما زاد على ضرب كافر متبع لزعيم قضت المحكمة الشرعية العليا بردته.

هكذا جعل حكم ردة طه المعطل الجمهوريين طرائد مشروعة. فاقتحمت أوائل عام 1974 جماعة مهتاجة صحن دار الخريجين بمدينة ود مدني خلال محاضرة كان طه يلقيها هناك، كذلك هاجمت جماعة أخرى في مدينة كوستي فريقاً من دعاة الجمهوريين بعد خطبة وعظ حرضت على قتلهم، وهاجمت جماعة متهيجة أخرى بالعصي والسكاكين حلقة للدرس عقدها الجمهوريون بأحد مساجد كوستي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وختاماً، تسلقت جماعة من المحتجين على الجمهوريين حيطان أحد الأندية خلال محاضرة لهم به. وكانوا يصرخون "الموت للجمهوريين، الدم سيسيل الليلة". وعاب خطيب على المصلين داخل مسجد في مدني أوائل عام 1974 قعودهم من دون نصرة الدين دفعاً لما يكيله الجمهوريون من عقائد فاسدة. وهجم جماعة من المصلين في التو على الجمهوري الذي نهض لينفي تهمة الإفساد عن رهطه فضربوه ومزقوا ثيابه، وعبأت المشيخة جماعة في بورتسودان لتخريب انعقاد محاضرات ألقاها طه بالمدينة عام 1974.

إنهم ينبحون الشجرة الخطأ

ولأن الحداثيون نبحوا "الشجرة الخطأ" في توزيرهم لقتل طه، لم يوفقوا في الربط بين محاكمتي عامي 1968 و1985، فلم يروا فيهما ما رأته المشيخة من عقاب ماطل فيه طه منذ عام 1968 حتى طالته يدهم عام 1985. خلافاً عن ذلك صرم الحداثيون ما بينهما ليروا في انعقاد الثانية بعد الأولى عواراً قانونياً خالف فيه القضاة قاعدة ألا يحاكم إنسان مرتين لنفس الجريمة، فبينما يركز فقهاء القانون هؤلاء، محقين، على انقطاع ما بين المحكمتين للدفع بحجتهم وجدنا القضاة وطه يصلون بين المحكمتين. فالقضاة يرون محكمة عام 1985 طبعة ثانية منقحة ومشروعة لمحكمة عام 1968 التي لم يطالوا بها طه، وما احتاجوا لهذه المحكمة الثانية إلا لأن القانون الوضعي الاستعماري حرم محكمتهم من سلطة تنفيذ أحكامها، حتى تلك الواقعة في اختصاصها الأسري ناهيك بحكم الردة. واستنفر طه الحداثيين منذ حكم الردة عليه عام 1969 ألا يألوا جهداً في إزالة ذلك الحكم من سجل القضائية.

لا يعرف المرء إن أكرم الحداثيون طه بمد أصبع الاتهام للإسلاميين بمقتله في حين لم يكونوا في أحسن أحوالهم سوى متفرجين "ما عندهم لفظ" كما نقول في السودان لمن يفجر في القول. فما زادوا في هذا التعيين للكيزان غير فش غبينتهم منهم السابقة لإعدام طه واللاحقة له. وقيل من فش غبينته خرب مدينته. فطه قتيل جغرافيا استعمارية للعنف، يقصر تعيين الكيزان قتلة أواحد للرجل دون الإحاطة بسياساتها وديناميكيتها. وهذا هدم لمدينة معرفة. وجعل هذا القصور من موت طه "يا ثأراه" لا تراجيديا كما ينبغي فهمه.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء