ملخص
الذكاء الاصطناعي يهدد بإعادة رسم خارطة الوظائف المكتبية، بدءاً من المبتدئين ووصولاً إلى المديرين، مع تسارع في تسريح الموظفين وتسطيح الهياكل الإدارية لدى كبرى الشركات. الوظائف التي كانت تمثل درجات أولى في السلم المهني مهددة بالزوال، ما ينذر بأزمة بطالة وتأخير طويل في المسيرة المهنية للأجيال الجديدة.
أسوأ سر مفضوح في عالم الذكاء الاصطناعي أن هذا المجال أخد فعلاً في الاستيلاء على وظائف الناس.
طوال العام الماضي، تصاعدت التحذيرات من أن المبرمجين والكتاب ومصممي المنتجات الرقمية مهددون بفقدان أعمالهم ووظائفهم بسبب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي الجديدة من قبيل روبوت الدردشة الشهير "تشات جي بي تي" والمساعد البرمجي الذكي "كوبايلوت"Copilot ، إضافة إلى مجموعة كبيرة من أدوات الإنتاجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن يزداد هذا التأثير مع استمرار تدفق الاستثمارات الضخمة من رواد الأعمال والممولين الأثرياء لتطوير هذه الأدوات وتعزيز قدراتها.
ووفق تقارير حديثة، باتت الوظائف في المناصب الإدارية الوسطى في دائرة الخطر أيضاً، مع تحذير بعض الرؤساء التنفيذيين من أن ملايين العاملين في المهن الإدارية المكتبية قد يواجهون مصير الإقصاء الوظيفي في وقت أقرب مما كان متوقعاً.
والمديرون في المناصب الإدراية الوسطى الذين غالباً ما يكونون موضع نكات الزملاء ومزاحهم في أماكن العمل ولكنهم يشكلون محطة لا مفر منها على سلم الطموح المهني نحو المناصب التنفيذية العليا، أخذوا يتناقصون تدريجاً خلال الأعوام الخمس الماضية.
ووفق تحليل جديد أجرته شركة "غوستو"، المتخصصة في إدارة شؤون الرواتب للشركات الصغيرة والمتوسطة، يتحمل المديرون في الإدارات الوسطى اليوم عبء الإشراف على ضعف عدد الموظفين مقارنة بما كانت عليه الحال قبل خمس سنوات فقط.
وفي عالم شركات التكنولوجيا الكبرى، تعرف ظاهرة تقليص عدد المديرين باسم "التسطيح الكبير" [إزالة طبقات إدارية كاملة بهدف تبسيط الهيكل الوظيفي وخفض الكلف]، وفق الموقع الإلكتروني الأميركي "أكسيوس". وعلى رغم أنه من غير الواضح بعد ما إذا كانت أدوات الذكاء الاصطناعي تحل فعلاً محل هؤلاء المديرين، تفيد مؤشرات بأن هذا التقليص يحقق للشركات وفورات مالية يمكنها أن تعيد استثمارها في أدوات الذكاء الاصطناعي ومنتجاته.
ففي وقت سابق من العام الحالي، أعلنت شركة التكنولوجيا العملاقة "مايكروسوفت" عزمها تسريح 9 آلاف موظف، من بينهم مديرون، في إطار سعيها إلى تعزيز استراتيجيتها وأهدافها التطويرية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وليست "مايكروسوفت" الشركة الوحيدة التي شرعت في تقليص عدد المديرين داخل مكاتبها. "أمازون" مثلاً، عملاقة التجارة الإلكتروينة والخدمات السحابية، أصدرت مذكرة العام الماضي أعلنت فيها عزمها خفض عدد المديرين ضمن كوادرها، فيما صرحت "غوغل" بأنها خططت في العام نفسه للاستغناء عن 10 في المئة من المديرين ونواب الرؤساء، وفق الموقع الإلكتروني "بيزنس إنسايدر". أما "ميتا" [الشركة الأم لـ"فيسبوك" و"إنستغرام" و"واتساب"]، فكانت بدأت منذ عام 2023 الذي أطلقت عليه لقب "عام الكفاءة"، بتنفيذ خطة تستهدف تسريح عدد من المديرين في هياكلها الإدارية.
ومن المرجح أن تسهم أدوات الذكاء الاصطناعي في تسريع عمليات تقليص عدد المديرين وتسطيح الهياكل الوظيفية داخل الشركات.
ووفق تقرير الموقع الإخباري "أكسيوس"، يلجأ المديرون أكثر فأكثر إلى نماذج الذكاء الاصطناعي للمساعدة في أتمتة مهماتهم، مما يتيح لهم إنجاز أعمالهم في وقت أقل. وهكذا، يلاحظ الرؤساء التنفيذيون بدورهم أن عدداً أقل من المديرين يكفي لإدارة موظفيهم.
ووجد التقرير، استناداً إلى دراسة حديثة أعدتها منصة "ريزومي بيلدر" [تطبيق يساعد المستخدمين في إنشاء سيرة ذاتية احترافية]، أن المديرين باتوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات تتعلق بالتوظيف والتسريح من العمل، إضافة إلى الترقيات وزيادة الرواتب.
ولكن على رغم الوعود بزيادة الإنتاجية التي تحملها أدوات الذكاء الاصطناعي، حذرت شركة "غوستو" من أن القطاعات التي لا تزال تعتمد على المديرين البشر تسجل حالياً معدلات إنتاجية أفضل، بحسب تحليلها.
لكن هذا الفارق قد لا يدوم طويلاً، إذ من المتوقع أن تتأقلم الشركات قريباً مع عالم العمل الجديد الذي يشكل الذكاء الاصطناعي جزءاً أساساً منه.
الرئيس التنفيذي لشركة "فورد" لصناعة السيارات، جيم فارلي، وخلال مشاركته في مهرجان "أفكار آسبن" Aspen Ideas Festival الأسبوع الماضي [في ولاية كولورادو الأميركية]، حذر من أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على نصف الوظائف المكتبية في الولايات المتحدة.
وليس فارلي وحده من يتوقع مستقبلاً قاتماً للعاملين في المكاتب؛ ففي الشهر الماضي، صرّح الرئيس التنفيذي لشركة "أمازون"، آندي جاسي، بأن عملاق الشحن سيتجه خلال الأعوام المقبلة إلى تقليص قوته العاملة في الوظائف الإدارية كنتيجة مباشرة لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وكتب جاسي في مذكرة داخلية للموظفين الشهر الماضي: "سنحتاج إلى عدد أقل من الأشخاص لأداء بعض المهمات الحالية، وإلى عدد أكبر لتولي أنواع جديدة من الوظائف"، مضيفاً: "من الصعب معرفة حجم التأثير النهائي في المدى الطويل، لكننا نتوقع أن يؤدي هذا التحول، خلال الأعوام المقبلة، إلى تقليص إجمالي القوى العاملة في المكاتب لدينا، مع تحقيق مكاسب في الكفاءة من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي على نحو واسع داخل الشركة".
وفي السياق ذاته، قال داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، في مايو (أيار) الماضي، إن تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي ستقضي على نصف وظائف المبتدئين من الوظائف المكتبية، وترفع معدل البطالة إلى 20 في المئة خلال الأعوام الخمسة المقبلة. ويُذكر أن معدل البطالة [في الولايات المتحدة]، بلغ حتى يونيو (حزيران) الماضي 4.1 في المئة.
وغالباً ما تعد الوظائف الإدارية المبتدئة والمتوسطة بمثابة درجات أولى على سلّم التطور المهني نحو رواتب أعلى وأمان وظيفي أكبر.
أنيش رامان، كبير المسؤولين في قسم دعم نمو الفرص الاقتصادية في منصة "لينكد إن" LinkedIn، نشر مقالة في "نيويورك تايمز" في مايو الماضي، يحذر ضمنها من أن الذكاء يهدد بـ"كسر الدرجة الأولى من سلّم الحياة المهنية".
وكتب رامان: "في قطاع التكنولوجيا، بدأت أدوات البرمجة المتقدمة تتسلل إلى المهمات البسيطة مثل كتابة الأكواد وتصحيح الأخطاء - وهي المهمات التي يكتسب من خلالها المطورون المبتدئون خبراتهم. وفي مكاتب المحاماة، صار المساعدون القانونيون والمبتدئون الذين اعتادوا البدء بمراجعة الوثائق يسلمون أسابيع من العمل إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي تنجزها خلال ساعات. أما في قطاع التجزئة، فبدأت روبوتات المحادثة وخدمات العملاء المؤتمتة تتولى مهمات كانت تُسند في السابق إلى الموظفين الشباب".
وأضاف أن تعقيد دخول سوق العمل وصعوبة التدرج في المناصب الإدارية قد "يؤخر مسيرة العاملين المهنية لعقود".
وأشار رامان، مستنداً إلى بيانات صادرة عن "مركز التقدم الأميركي"، إلى أن الشباب الذين يواجهون ستة أشهر من البطالة في عمر 22 سنة، سيكسبون على الأرجح دخلاً أقل بمقدار 22 ألف دولار مقارنة بأقرانهم الذين لم يتعرضوا للتعطّل من العمل، خلال الأعوام الـ10 التالية".
ومع ذلك، لا يجمع الجميع على أن الذكاء الاصطناعي سيقوض فرص الشباب. ففي يونيو الماضي، قال براد لايتكاب، المدير التنفيذي للعمليات في "أوبن أي آي" OpenAI [الشركة المطورة لروبوت الدردشة "تشات جي بي تي"]، في تصريح إلى "نيويورك تايمز"، إن الشباب هم الأكثر قدرة على التكيف مع الذكاء الاصطناعي والاستفادة منه، مرجحاً أن يواجه "نوع معين من الموظفين ذوي الخبرة" صعوبات أكبر، بسبب تمسكهم بروتين معين وأسلوب تقليدي في العمل، في إشارة إلى الموظفين الأكبر سناً.
من جهتها، تشارك دانييل لي، الخبيرة الاقتصادية في "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" MIT في الولايات المتحدة، والمتخصصة في دراسة استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل، الرأي بأن أصحاب الخبرات الطويلة أكثر عرضة للتأثر، لكن لأسباب مختلفة عن تلك التي طرحها لايتكاب. وأوضحت لصحيفة "نيويورك تايمز" أن "قدرة الذكاء الاصطناعي على تعميم المهارات المتخصصة من شأنها أن تسمح للشركات بتسريح أعداد أكبر من الموظفين، أو التوقف عن توظيف العمال الذين أمضوا مسيرتهم المهنية في مجالات متخصصة.
مثلاً، تتحدث دانييل لي عن عالم حيث، بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي، لن يحتاج مهندس البرمجيات إلى خلفية في البرمجة لتولي هذه الوظيفة، ولن تتطلب فيه صياغة مذكرة قانونية متقنة الحصول على شهادة في الحقوق.
كذلك قالت دانييل لي إن "هذا الواقع لا يصب في مصلحة العمال ذوي الخبرة. "يتقاضى الموظف أجره مقابل ندرة مهاراته، ولكن الذكاء الاصطناعي يخرج المهارات من حيز الأفراد ويجعلها منفصلة عنهم" [إذ يمكنه إنجازها بدلاً منهم].
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولكن بينما رأى براد لايتكاب في الذكاء الاصطناعي فرصاً واعدة للعمال الشباب، ترى لي في ذلك احتمالاً لنشوء مزيد من الصعوبات والتحديات.
وتعتقد لي بأن الارتفاع الأخير في معدلات البطالة بين صفوف خريجي الجامعات الجدد يعود، في جزء منه، لتوقعات أصحاب العمل بأن الذكاء الاصطناعي سيسمح لهم بإنجاز مزيد من المهمات بعدد أقل من الموظفين. أما الصعوبة في الحصول على وظيفة في بداية المسيرة المهنية، كما أشار أنيش رامان في مقالته، فقد تكلف العمال الجدد عشرات آلاف الدولارات من الدخل المحتمل على المدى البعيد.
حتى الآن، حالت وتيرة الاعتماد البطيئة، وإن كانت متصاعدة، لأدوات الذكاء الاصطناعي في مكان العمل، دون حدوث موجة بطالة واسعة بين أوساط الموظفين من ذوي الياقات البيضاء.
ووفق نتائج مسح "اتجاهات الأعمال والتوقعات" الصادرة عن "مكتب الإحصاء الأميركي"، سجل استخدام الشركات للذكاء الاصطناعي زيادة تخطت الضعف مرتفعاً من 3.7 في المئة إلى 9.2 في المئة، منذ أن بدأ المكتب بجمع هذه البيانات عام 2023.
كذلك ازداد معدل الاستخدام المتوقع للذكاء الاصطناعي الذي تخطط الشركات لتبنيه ودمجه، ليصل إلى الضعف تقريباً، إذ بلغ 11.6 في المئة من المشاركين في الاستطلاع بعدما كان 6.3 في المئة.
ومع أن المؤشرات تميل بوضوح نحو تبني استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن العدد الإجمالي للشركات التي تعتمد فعلاً على هذه التكنولوجيا في إنتاج السلع أو تقديم الخدمات ما زال محدوداً نسبياً، أقله في الوقت الحالي.
© The Independent