ملخص
كان مهند في زيارة إلى المنطقة رفقة وفد من نقابة الأطباء لتقديم يد العون بما يستطيع من خبرة لمعالجة الحيوانات المتضررة جراء الحريق المندلع لليوم التاسع على التوالي، وأتى على مسافة ناهزت 10 آلاف هكتار، وسط تضرر الغطاء النباتي في مناطق جنوب غابات الفرنلق مع تحديات محاصرة النيران وإطفاء أوارها بسبب انتشارها على مساحة واسعة، فضلاً عن سرعة الرياح وصعوبة وصول رجال الدفاع المدني لأماكن ومصادر المياه، إضافة لوعورة الطرقات.
لا يفارق مخيلة الطبيب البيطري الشاب مهند القاضي مشهد آخر أنفاس أراضي وقمم جبال اللاذقية وقد تحولت رماداً، غابات ممتلئة بأشجار باسقة متفحمة خلعت عنها ثوبها الأخضر وارتدت السواد وكأنها تعلن حدادها، وحده الرماد من يحكي معارك ضارية بين ألسنة النار ومياه فرق الإطفاء، مشهد أبكى الحجر لخسارة جبال مكسوة بالخضرة وقد باتت بخبر كان.
كان مهند في زيارة إلى المنطقة برفقة وفد من نقابة الأطباء لتقديم يد العون بما يستطيع من خبرة لمعالجة الحيوانات المتضررة جراء الحريق المندلع لليوم التاسع على التوالي، وأتى على مسافة ناهزت 10 آلاف هكتار، وسط تضرر الغطاء النباتي في مناطق جنوب غابات الفرنلق مع تحديات محاصرة النيران وإطفاء أوارها بسبب انتشارها على مساحة واسعة، فضلاً عن سرعة الرياح وصعوبة وصول رجال الدفاع المدني لأماكن ومصادر المياه، إضافة لوعورة الطرقات.
أخطار بالجملة
في الأثناء يدق متخصصون في الحياة البرية ناقوس الخطر، معتبرين أن ما حدث من حرائق لا تزال مستعرة بمثابة كارثة بيئية على رغم مشاركة فرق من دول الجوار (لبنان، وتركيا، والأردن) بالطائرات وفرق الإطفاء، وتدخل سريع من دول الاتحاد الأوروبي.
يكشف مهند عن حال مأسوية أصابت الحياة البرية، فكثير من الحيوانات هربت حين اشتعال الحريق من الغابات، "بعض الحيوانات المصابة ساعد فريق متخصص في إنقاذها وقدم لها إسعافات أولية".
تأتي حرائق اللاذقية غرب سوريا تزامناً مع موجة جفاف لم تشهدها البلاد منذ 60 عاماً بحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، محذرة من أن الجفاف يهدد أكثر من 16 مليون شخص بانعدام الأمن الغذائي، بينما هذه الحرائق جاءت على قرى سكنية قرب تلك الغابات ومزارع من التين والزيتون وغيرها من الأصناف.
يعتقد المتخصص في التنوع الحيوي والحياة البرية السورية المهندس أحمد إيدك، أن سوريا تختلف عن باقي الدول بعدم وجود مسح علمي وإحصائي لأية منطقة حول أنواع وأعداد الحيوانات والطيور فيها، لهذا لا يمكن إعطاء نتائج دقيقة بالخسائر كما يحدث في بقية الدول عند حصول كارثة بيئية من خلال إحصاء الأنواع الحيوانية والطيور والزواحف، ولكن المساحة التي امتد بها الحريق شاسعة جداً، والأضرار خطرة جداً على التنوع النباتي والحيواني على حد سواء.
ويضيف لـ"اندبندنت عربية"، "من الحيوانات المهددة بالانقراض بسبب الصيد غزال اليحمور، وكان انتشر بصورة أكبر في غابات اللاذقية وسهل الغاب، ويمكن أن نقارن ذلك بالدول الأوروبية حيث عاش الغزال وتكاثر بصورة واسعة، حتى إنه يأتي من الغابات ويقترب من المنازل ولا أحد يؤذيه، بل على العكس يسارعون بتصويره بدلاً من اصطياده".
على حافة الانقراض
في غضون ذلك يحذر خبراء البيئة من أخطار جسيمة ناتجة من انبعاث غازات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون مما يسهم في إحداث تغير مناخي، ويمكن أن ينتقل الدخان والملوثات لمسافات طويلة مع الرياح مما يترك تأثيره في الهواء، كما يتسرب الرماد والحطام الذي خلفه الحريق ويلوث المياه السطحية، ناهيك بتلوث التربة.
في هذا الوقت يدور الحديث عن انقراض عدد من الحيوانات التي تسكن هذه الغابات، وبالتواصل مع خبراء في هذا الشأن حذروا من انقراض غزال اليحمور السوري، لكن لا يجزم المتخصص في الحياة البرية أحمد إيدك بانقراضه على رغم انخفاض أعداده قبل الحرائق بصورة غير مسبوقة، فـ"إذا لم نقل إنه انقرض، فهو على حافة الانقراض، وأتصور أن أعداده انحسرت بعدد أصابع الكف الواحدة، لهذا يجب المطالبة بتطبيق قانون الصيد بصرامة من دون تهاون، ومن يقتل غزال اليحمور يساق إلى السجن، وتنفذ بحقه الغرامة المنصوص عليها بالقانون، لأنه خلال عام أو عامين سيكون مصيره الانقراض، خصوصاً مع عدم وجود ولادات جديدة لهذا الحيوان بعد خسارة الغابات، وهي الموائل الأساسية له".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قبل أعوام، ومع تعرض الغابات في الساحل للحرائق دقت منظمات وجمعيات بيئة متخصصة في حماية الحياة البرية ناقوس الخطر، في محاولة لتلافي خطر انقراض غزال اليحمور، بعدما أصبح وجوده شبه نادر.
ويعد اليحمور من الأيائل متوسطة الحجم، ومعروف علمياً باسم "كابريولوس"، واتسعت رقعة انتشاره في سوريا بكثافة في مناطق عدة امتدت غرب حلب إلى منطقة الساحل، ومن حوض العاصي إلى غوطة دمشق، بينما انقرض في لبنان وفلسطين والأردن.
ويتوقع خبراء الحياة البرية انقراضه بعد انقراض حيوانات مثل الدب السوري، والنمر الأناضولي، وغزال الريم وأصناف متعددة أخرى من الغابات والمحميات الطبيعية.
وكانت مجموعة "سنديان" من الجمعيات الناشطة في الساحل السوري في وقت سابق من عام 2021 للمحافظة على الحياة البرية والموائل الطبيعية للغزلان في الغابات الكثيفة والممتدة على طول الساحل البالغ 180 كيلومتراً، تتخللها سلسلة من الجبال المغطاة بالخضرة والينابيع العذبة، وسط انتهاكات من صيادين جشعين وعديمي المسؤولية.
نبهت المجموعة الناشطة "سنديان" إلى أن وضع غزال اليحمور كحيوان مهدد بالانقراض لم يكن كافياً للحد من هذه التجاوزات، بل على العكس يبدو أنه كلما كان وجوده أقل وأندر أصبح هدفاً مرغوباً به، ومدعاة للفخر والاعتزاز باصطياده.
السناجب والطيور
على رغم كون غزال اليحمور أكثر الحيوانات المهددة بالانقراض، فإن ثمة أنواعاً منها أخرى كالسناجب هي أيضاً على قوائم الانقراض، إذ قلت أعدادها في غابات اللاذقية مقارنة بغابات طرطوس الساحلية لأسباب عدة منها الحرائق الكثيرة والمتزايدة، علاوة عن السماح بتصديرها، مما دفع إلى زيادة صيدها من الغابات من أجل التجارة بها، حيث لا تتكاثر في الأسر (مكان الاحتجاز).
يقول المهندس والمتخصص البيئي إيدك "مع هذه الحرائق الجديدة، واتساع رقعتها، من المتوقع فقدان السناجب أيضاً من الغابات المحترقة لسنوات، ومن المرجح هربها إما إلى الغابات الساحلية في طرطوس، أو إلى غابات تركيا، أو المحيطة بها، وستقل أعدادها بنسبة أكثر من 50 في المئة مقارنة بأعدادها العام الماضي، مع فقدان الموائل".
أما بالنسبة إلى الأنواع الأخرى من القوارض وآكلات الحشرات (القنافذ والزبابة)، فيخمن المتخصص البيئي أن "غالب الحيوانات ماتت في جحورها مع استشعارها خطر الحريق لأنها لا تتحمل الحرارة، وحين تخرج فإن مصيرها الاحتراق. في المقابل بعض الحيوانات تستشعر الحريق فتتجه إلى مناطق ثانية، وهناك أنواع نادرة جداً من القوارض، كما يوجد صيد جائر للطيور الجارحة وطير البوم لا بد من التوقف عنه".
أفاعي الخطر
يؤكد خبير التنوع الحيوي أحمد إيدك، وهو مؤلف كتاب "الأفاعي في سوريا"، أنه "بالنسبة إلى الأفاعي والسحالي فمعظمها احترق، أما الأفاعي التي كانت بعيدة واستشعرت الخطر فقد هرب جزء منها مع اندلاع الحرائق، لأن الأفاعي من الحيوانات التي تستشعر الزلازل والأخطار أكثر من غيرها، وقد تكون ابتعدت عن أماكن الحريق قبل وصوله، لكن لا بد أن قسماً منها مات في الحريق".
وعرج إلى حال الطيور بعد الحريق، مؤكداً فقدان نسبة كبيرة من الطيور المقيمة بهذه الغابات، في حين لن تجد الطيور المهاجرة التي تستريح في غاباتنا مكاناً لها، بل من المتوقع أن تتجه إلى غابات طرطوس بخاصة مع الهجرة الخريفية، وقسم منها من المتوقع أن يستريح في غابات تركيا.
وبالحديث عن واقع الطيور يجزم بخسارة أنواع من الطيور التي تفرخ بالصيف بصورة كاملة، ويمكن أن تنتقل إلى الغابات التركية لأن أشجارها من حيث النوع أقرب إلى غابات اللاذقية من غابات طرطوس، ولعل الطيور أكثر فئة تأثرت بالحرائق كونها أكثر حساسية من غيرها.
وفق تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أتت الحرائق على 100 كيلومتر مربع من الغابات والأراضي الزراعية، ما يعادل ثلاثة في المئة من الغطاء الحراجي وأثرت في نحو 5 آلاف شخص في أكثر من 60 تجمعاً سكنياً.
ومن أجل استرجاع التنوع الحيواني طالب المتخصصون البيئيون بتطبيق قانون الصيد بصورة صارمة في هذه الفترة الحرجة، لضرورة الحفاظ على ما تبقى من الطيور والحيوانات، بخاصة أن البيئة السورية هشة، وأي طارئ يمكن أن تتأثر به.