ملخص
لقد أثبت الهلال، ومن ورائه المشروع الرياضي السعودي، أن المنافسة ممكنة، وأننا لا نستورد اللاعبين فقط، بل نصنع الفرق، ونبني المنظومات، ونفهم اللعبة بعمق واحتراف، ونعرف أن الغرب ليس منزعجاً من المال الذي نستثمره في هذا المشروع، بل من أننا أصبحنا نستثمره في المكان الصحيح.
كلما خطونا خطوة نحو المستقبل، وحاولنا ممارسة حقنا في منافسة العالم الأول، ضجت بعض الأصوات الغربية تردد عنصريتها المعتادة، تلك النظرة الدونية التي لا تزال تلاحق الشرق، وتصر على أن يبقى على "هامشها"، بلا طموحات ولا أحلام، في عقدة عجزت الحضارة الغربية عن التخلص منها حتى اليوم.
المشروع الرياضي السعودي يواجه هذه الأيام حملة شرسة من الإعلام الغربي والإنجليزي خصوصاً، لأنه فهم أخيراً كيف تدار اللعبة، وعندما قرر أن يلعبها بأدواتهم، طفحت صحفهم ومنصاتهم بكل ما في نفوسهم من تأطير عنصري للمال الخليجي، وبلغ بهم الحنق أن طالب بعضهم بإقصاء الفرق الخليجية من المنافسة، بحجة أنها تضخ أموالاً "كبيرة" في الرياضة، ولنا أن نتخيل أن من يرفع شعارات السوق الحرة، هو نفسه من يطرح هذا الطرح الإقصائي، وكأن بقية العالم يدير أنديته من تبرعات الجمعيات الخيرية.
وتناست هذه الأصوات أن أندية إنجلترا نفسها قائمة على الاستثمارات الأجنبية، وأن مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان وتشيلسي ليست مؤسسات حكومية بريطانية أو فرنسية، بل كيانات تجارية تديرها رؤوس أموال عالمية، لديها رؤية وطموحات ربما تفوق استيعابهم.
وكلنا نذكر أنه عندما امتلك الروسي رومان أبراموفيتش نادي تشيلسي لم يعترض أحد، حتى قررت لندن فجأة، ولأسباب سياسية، أن تتخلى عن مبادئها الرأسمالية، وتنهي عقداً تجارياً بالقوة، وتجمد أمواله، وتنتهك حقوقه من دون محاكمة، فقط لأنه خالف معسكرهم.
وحين ينجح مشروع رياضي سعودي طموح في إقناع نجم عالمي مثل كريستيانو رونالدو أو نيمار أو بنزيما، يختزل كل شيء في المال فقط، أما حين ينتقل ميسي ورفاقه إلى الدوري الأميركي، فلا أحد يسأل عن المشروع هناك، ولا عن تهديده للعدالة الرياضية التي يتحدثون عنها.
تفوق الهلال السعودي الأخير في كأس العالم للأندية لم يكن مجرد فوز على بطل أوروبا وتأهل مستحق، بل كان صفعة على وجه هذه العقلية الغربية المتعالية، صحيفة "التايمز" البريطانية ذاتها التي كثيراً ما تباهت بسطوة الدوري الإنجليزي، اعترفت في مقالة للكاتب مارتن صامويل أن ما حدث لم يكن مجرد "صدفة"، بل "نقطة تحول"، مضيفاً أن على الكرة الإنجليزية أن تستيقظ من غفلتها، لأن الدوري السعودي لم يعد مكاناً للنجوم المتقاعدين، بل مشروع حقيقي بدأ ينافس ويربك الحسابات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما انتقد الكاتب تصريحات بعض مسؤولي الدوري الإنجليزي الذين لا يزالون ينظرون إلى الدوري السعودي بتعال، مؤكداً أن هذا الغرور إن استمر، فسيدفعون ثمنه.
واعترفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، بأن فوز الهلال على مانشستر سيتي لم يكن مجرد مفاجأة عابرة، بل لحظة كاشفة لقوة المشروع السعودي، مشيرة إلى أن الانتصار تحقق على رغم غياب لاعبين أساسيين مثل السعودي سالم الدوسري والصربي ألكساندر ميتروفيتش، مما يثبت أن النادي السعودي لم يعد فريقاً يعتمد على الأسماء أو الصفقات، بل أصبح منظومة محترفة تعرف كيف تنافس وتكسب بثقة.
حتى الجمهور الغربي لم يعد كما كان، فبين الأصوات العنصرية التي تهاجم كل ما هو قادم من الشرق، بدأت تظهر أصوات أكثر إنصافاً تعترف بقوة المشروع السعودي وتبدي إعجابها به، وشاهدنا ذلك بوضوح في مدرجات مباريات نادي الهلال في كأس العالم، إذ امتلأت بالمشجعين من مختلف الجنسيات، وترددت الهتافات والتشجيع للفريق العربي.
اليوم، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل تحولت إلى صناعة تدر المليارات، وتعيد تشكيل الصورة الذهنية للشعوب، وهي القوة الناعمة الأبرز في هذا العصر، وميدان تنافسي مفتوح للجميع، ومن حق كل دولة أن تستثمر في الرياضة، وتطور أنديتها، وتبني ملاعبها، وتجذب أعظم النجوم إلى ساحاتها، لا فرق بين شرق وغرب، أو شمال وجنوب، فكما بنت إنجلترا سمعتها عبر "البريميرليغ"، فإن من حق الرياضة السعودية أن تفرض مكانتها بالمستوى وبالأدوات نفسها.
لقد أثبت الهلال، ومن ورائه المشروع الرياضي السعودي، أن المنافسة ممكنة، وأننا لا نستورد اللاعبين فقط، بل نصنع الفرق، ونبني المنظومات، ونفهم اللعبة بعمق واحتراف، ونعرف أن الغرب ليس منزعجاً من المال الذي نستثمره في هذا المشروع، بل من أننا أصبحنا نستثمره في المكان الصحيح، وأننا نعلم أن نادي الهلال السعودي عندما غادر بطولة كأس العالم للأندية، لم يهزم كروياً بقدر ما أقصي تحكيمياً، وأن الحكم يومها كان فعلاً جزءاً من "اللعبة".