Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شبح مفيد" التايلاندي يخرج عن المألوف بحفنة من الغبار

طرد الأرواح في فيلم عبثي يجمع بين الفكاهة السوداء والتأمل الاجتماعي

 الزوجة العائدة من الموت في فيلم "شبح مفيد" (ملف الفيلم) 

ملخص

كثير من الأعمال الآتية من بلدان آسيوية بعيدة لا تحظى بفرص عرض كافية في الصالات التجارية العربية، على رغم ما تحمله من قيمة فنية وجمالية. ومع ذلك، تخرق بعض هذه الأفلام هذا الواقع، لا سيما تلك التي تبرز في المهرجانات وتحصد جوائز مرموقة.

قد ينطبق هذا الوصف على فيلم "شبح مفيد" للمخرج التايلاندي راتشابوم بونبونشاشوك، الحائز على الجائزة الكبرى لقسم "أسبوع النقاد" في الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي. الفيلم عمل فائق الخصوصية، مشغول بحرفية فنية عالية، وفيه جرعة واضحة من الابتكار والتجديد. وعلى رغم أنه ليس فيلماً معقداً أو عصياً على الفهم، فإن خروجه الجريء عن المألوف قد يشكل حاجزاً لبعض المشاهدين، خصوصاً أولئك الذين يميلون إلى الواقعية التقليدية في السينما.

تجري الأحداث في تايلاند، حيث الهواء محمل بذرات خفية لا ترى بالعين: إنه الغبار. الفيلم لا يطرح قصة بقدر ما يقدم رؤية صوفية للحياة. هنا الغبار أكثر من مجرد تلوث بيئي، إنه الوجود الهش والإنسان المنسي. لا يختبئ المخرج في أول أعماله السينمائية خلف الحيل البصرية، يستخدمها بخفة شاعر لتوليد إحساس داخلي. غبار الهواء المتسلل إلى الرئتين، يوازي الغبار الذي يعلو الذاكرة، ذاك الذي يخنق الماضي ويجعل منه طيفاً.

يفتتح الفيلم بمشهد ساخر في بساطته: شاب يشتري مكنسة كهربائية، ولكن حين تبدأ هذه الأخيرة بالتحرك ليلاً من تلقاء نفسها، نفهم أننا انتقلنا إلى حقل رمزي لا يخضع لقوانين العقل. في قلب الحكاية، مصنع مهدد بالإغلاق، تحيط به عائلة تغلي بالتوترات. زوجة ابن صاحبة المصنع تعود بعد موتها، لكن لا بهيئتها السابقة، إنما متلبسة مكنسة كهربائية، فيما يظهر لاحقاً شبح عامل قديم قضى بسبب التعرض للغبار السام. تنطلق حينها عملية طرد جماعي للأشباح، بإيعاز من المالكة الكبرى التي تخشى أن تتحول الأرواح الضالة إلى عبء يغلق المصنع. لكنها تطلب من شبح زوجة ابنها أن تكون "شبحاً مفيداً"، أداة للتمييز بين ما يمكن قبوله وبين ما ينبغي محوه، وهكذا يولد فيلم غرائبي يحمل عنواناً لا يقل غرابة.

هذه الفكرة العبثية التي تجمع بين الفكاهة السوداء والتأمل الاجتماعي، تسائل معنى التقدم في بلد لا يتردد في سحق ذاكرته. "لا تطور بلا غبار"، تقول إحدى الشخصيات، في عبارة تحمل مفارقة مرة. الفيلم استخدام للغرائبي، كوسيلة لرؤية الواقع من زاوية مختلفة.

أشباح ومعتقدات

ثقافة الأشباح جزء من الحياة اليومية في تايلاند، إذ لا تزال الأرواح تلعب دوراً في المعتقدات، وتعامل ككائنات فاعلة. هذه الخلفية تمنح الفيلم صدقيته، وتبعده من التمرينات السينمائية الباردة. هنا، الأشباح امتداد لضحايا لا يجدون سبيلاً للعدالة. استناداً إلى أسطورة "ماي ناك"، واحدة من أشهر الحكايات التايلاندية التي تتناول قصة حب بين رجل حي وزوجته الشبح، يعيد المخرج بونبونشاشوك بناء العلاقة بين الموتى والأحياء، مدفوعاً بذلك الإيمان أن الموت ليس نهاية، بقدر ما هو انتقال إلى شكل آخر من الحضور.

الأشباح هنا ليست شريرة كما في أفلام الرعب التقليدية، تطالب بالاعتراف لا أكثر، في بلد طويت فيه ملفات كثيرة من دون تحقيق، إذ ما زال كثيرون يختفون من دون أثر، يصبح الفن ملاذاً للأرواح. وكما يقول المخرج: "نحن، كصانعي أفلام، نمنح الأشباح صوتاً، شكلاً، مكاناً. السينما هي اللغة التي يمكنهم الكلام بها".

أزمة التلوث في المدن التايلاندية نسيج عضوي في حكاية تعج بالهواجس، الأسباب التقنية معروفة: حرق المحاصيل، العوادم، الغابات التي تحرق عمداً، لكن المخرج يجرها إلى حقل الماورائي، إلى تلك المنطقة التي تقطنها الأرواح. فكما لا يمكن السيطرة على حركة الجسيمات الدقيقة، لا يمكن تقييد الأشباح، كلاهما يفرضان حضورهما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تأثر بونبونشاشوك بالسينما الأوروبية ليس محلاً للشك، هناك رنة كوريسماكية (نسبة للمخرج الفنلندي آكي كوريسماكي) على مستوى التهكم الجاف، وفي الانحراف السردي المتعمد، لكنه يذكر أيضاً المخرج الفرنسي جاك ريفيت والبرتغالي مانويل دو أوليفيرا كمرجعين، مما يشير إلى ميله للتأمل أكثر من العبث. يقول "مثل عدد من المخرجين، وضعت في أول أفلامي مختلف اهتماماتي. كثيراً ما كانت مقاربتي تقوم على المزج بين الكبير والصغير، الجاد والهزلي، التاريخ الجمعي والحميمية، مع مزيج من الدقة والبهجة في الإخراج. خلال مرحلة ما قبل الإنتاج، وبينما كنت أتحدث مع رؤساء الأقسام، كنت أستخدم دائماً التعبيرين نفسهما: ’أناقة منحرفة‘ و’انحراف أنيق‘، لوصف رؤيتي. كنت أرغب في شيء يبدو راقياً وأنيقاً من الخارج، لكنه يخفي طابعاً لعوباً ومشاغباً في أعماقه. ما يفاجئني ويثير فضولي هو غير المتوقع: تلك الأفلام التي تتناول مواضيع جادة بروح مرحة، أو تلك التي تتعامل مع مواضيع خفيفة بأسلوب عميق ومتأن".

يرى بونبونشاشوك فيلمه امتداداً لجيل المخرجين التايلانديين المستقلين الذين ظهروا في أوائل القرن الحالي، ويعتبره عملاً يتقاطع بين الميلودراما التايلاندية التقليدية، بما فيها من حوارات جياشة ومبالغ فيها، وتيار يشار إليه أحياناً بـ"الواقعية السحرية"

اقرأ المزيد

المزيد من سينما