ملخص
يحذر عدد من المحللين من أن النهج الأمني الذي تتبعه السلطات الإيرانية لن يعيد لها الهيبة المفقودة وحسب، بل قد يؤدي إلى تصاعد موجات العصيان المدني واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد، فالقمع الواسع الذي يمارس اليوم تحت ذريعة "مكافحة اختراق العدو"، قد يتحول في نهاية المطاف إلى العامل الأكبر في انهيار النظام الإيراني في المستقبل القريب.
استمراراً للسياسات القمعية التي ينتهجها النظام الإيراني، صادق البرلمان (مجلس الشورى الإسلامي) على مشروع قانون بعنوان "تشديد العقوبة على من يتعاون مع الدول المعادية"، وهو ما يسهل بصورة أكبر توجيه تهمة التجسس إلى المواطنين.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه هيكل السلطة في النظام الإيراني موجة من انعدام الثقة، إثر مقتل عشرات من كبار القادة العسكريين في الهجمات الإسرائيلية الأخيرة. وبلغ مستوى الشك داخل النظام حداً دفع بعض الشخصيات الرسمية إلى تبادل الاتهامات علناً في وسائل الإعلام، بتسريب معلومات سرية والتعاون مع إسرائيل.
المشروع الجديد، الذي أقر في أقل من أسبوع على اندلاع المواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل، قدم من مؤيدي النظام كأداة لمواجهة ما وصفوه بـ"اختراق العدو"، لكن محللين ومنظمات حقوقية يرون فيه منصة خطرة لتجريم الأنشطة المدنية والإعلامية والاجتماعية، مما يهدد بمزيد من القمع وتضييق الحريات في البلاد.
ووفقاً للتصريحات الرسمية، فإن هذا المشروع يتيح اعتبار إرسال صور أو مقاطع فيديو إلى وسائل إعلام خارجية، أو حتى إبداء الرأي عبر مواقع التواصل في شأن قضايا أمنية، من جرائم "الإفساد في الأرض"، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام في إيران.
وفي هذا السياق، أرسلت دائرة الشؤون الاجتماعية في السلطة القضائية رسائل نصية إلى المواطنين تحذرهم من أن متابعة الصفحات المرتبطة بالنظام الإسرائيلي على وسائل التواصل الاجتماعي تعد جريمة. وفي الوقت نفسه، اعتقل مئات الأشخاص في مناطق مختلفة من البلاد بتهم مثل التجسس، وإثارة الرأي العام، أو التعاون مع إسرائيل.
وأفادت وسائل إعلام تابعة للأجهزة الأمنية الإيرانية باعتقال أكثر من 700 شخص حتى نهاية يوم الـ25 من يونيو (حزيران) الجاري، فيما شهدت الساعات الـ48 الماضية وحدها عشرات حالات الاعتقال الجديدة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أعلنت السلطة القضائية في محافظة فارس يوم الأربعاء الموافق للـ25 من يونيو الجاري، فتح ملفات قضائية في حق 47 شخصاً بتهمة التعاون مع إسرائيل. كما أعلن الحرس الثوري أخيراً عن اعتقال 26 مواطناً في الأحواز بتهمة "اختراق أمني". وفي حادثة لافتة، اعتقل شخص في محطة مترو طهران بتهمة "تحركات مشبوهة وحيازته شريحة إلكترونية"، إذ زعمت الشرطة أنه استخدمها لإرسال معلومات عن مواقع حساسة، وكان "يتلقى أوامر باللغة العبرية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإلى جانب موجة الاعتقالات، أضافت الإعدامات المتسرعة بعداً أكثر إثارة للقلق على الوضع الراهن. ففي أقل من أسبوعين، جرى تنفيذ أحكام الإعدام في حق ما لا يقل عن ستة أشخاص بتهمة التعاون مع إسرائيل، ومن بين هؤلاء الذين جرى إعدامهم إسماعيل فكري ومجيد مسيبي ومحمد أمين مهدوي، الذين دينوا بتهم تتراوح بين التجسس والانتماء إلى شبكات إلكترونية ونقل معدات، وذلك من دون تمكينهم من حق التمثيل القانوني أو محاكمة علنية عادلة.
وحذر عدد من منظمات حقوق الإنسان في أكثر من مناسبة من طبيعة هذه المحاكمات، مشيرة إلى أن عدداً من أحكام الإعدام صدرت من دون توفر شروط المحاكمة العادلة، وفي جلسات مغلقة لم تدم سوى بضع دقائق. كما أعرب المقرر الخاص للأمم المتحدة عن قلقه الشديد إزاء الارتفاع المفرط في عدد الإعدامات، والوضع المتدهور للسجناء السياسيين في عموم إيران.
كما انتقدت منظمة العفو الدولية، في بيان صدر في الـ26 من يونيو الجاري، قيام السلطات الإيرانية بإعدام ستة أشخاص بتهمة التجسس واعتقال مئات الآخرين بالتهمة ذاتها، داعية إلى وقف موجة القمع المتصاعدة، وأكدت المنظمة أن السلطات في إيران تستخدم عقوبة الإعدام كأداة لنشر الخوف في المجتمع وفرض السيطرة السياسية في عموم البلاد.
ومن جهة أخرى، جرى تسجيل حالات اعتقال لعدد من الشخصيات الثقافية، إذ اعتقل الفنان ومصمم الغرافيك رضا دريا كناري في أحد مقاهي طهران، ونقل في البداية إلى سجن "إيفين"، لكنه بعد القصف الجوي الإسرائيلي على السجن، نقل إلى سجن "فشافويه" في طهران. كما اعتقل حميد بيش قدم، وهو مواطن يقيم في مدينة شهريار، خلال مداهمة نفذتها قوات الأمن، ونقل إلى مركز استخبارات الحرس الثوري في مدينة كرج، من دون أن تعلن السلطات اتهامات محددة ضده.
هذا، وبصورة عامة، ما يجري حالياً في إيران لا يقتصر على مواجهة تهديدات خارجية، بل يعكس محاولة واضحة من النظام لفرض سيطرة شاملة على المجتمع وقمع الأصوات المعارضة والهرب من أزمة شرعية متفاقمة. فإقرار قوانين مبهمة وواسعة النطاق، والاعتقالات الجماعية، والمحاكمات الصورية، والتنفيذ العاجل لأحكام الإعدام، كلها مؤشرات تدل على سعي النظام الإيراني إلى تطهير الشارع من أي صوت ناقد أو معارض لسياساته.
وفي ظل هذه الظروف، يحذر عدد من المحللين من أن النهج الأمني الذي تتبعه السلطات الإيرانية لن يعيد لها الهيبة المفقودة وحسب، بل قد يؤدي إلى تصاعد موجات العصيان المدني واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد، فالقمع الواسع الذي يمارس اليوم تحت ذريعة "مكافحة اختراق العدو"، قد يتحول في نهاية المطاف إلى العامل الأكبر في انهيار النظام الإيراني في المستقبل القريب.
وأصدر رئيس جهاز الموساد ديفيد برنياع مقطعاً مصوراً من خطاب ألقاه أمام عناصر الجهاز الذين شاركوا في عملية الـ13 من يونيو الجاري، ضد النظام الإيراني وما تلاها من تحركات، إذ استخدم برنياع نبرة ساخرة تجاه طهران قائلاً لعناصره إنه "سنكون هناك، كما كنا دائماً من قبل". وكانت بعض الشخصيات في النظام الإيراني حذرت في وقت سابق من اختراقات أمنية داخلية، إلا أن على ما يبدو كان حجم هذا الاختراق واسعاً لدرجة جعلت التصدي له أمراً غير ممكن أو أن الجهود لم تنجح في مواجهته بالصورة المطلوبة.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"