ملخص
روسيا تعيد رسم انتشارها العسكري في الساحل الأفريقي من خلال سحب عناصر المجموعة شبه العسكرية الخاصة (فاغنر) والدفع بـ "الفيلق الأفريقي" بدلاً منها، مما يثير التساؤلات حول ما إذا كانت الجماعات المسلحة ستستفيد من ذلك من خلال ملء الفراغ الذي ستتركه "فاغنر".
وسط مساعي روسيا إلى إعادة رسم انتشارها العسكري في الساحل الأفريقي من خلال سحب عناصر المجموعة شبه العسكرية الخاصة (فاغنر) والدفع بـ "الفيلق الأفريقي" بدلاً منها، تثار تساؤلات حول ما إذا كانت الجماعات المسلحة ستستفيد من ذلك عبر ملء الفراغ الذي ستتركه "فاغنر".
ورسمياً أعلنت "فاغنر" انسحابها من مالي وسط تكهنات بأن تسحب عناصرها أيضاً من بوركينا فاسو والنيجر وتسليم مهماتها إلى الفيلق الأفريقي - الروسي الذي سيواجه على الأرجح متاعب في منطقة تسير على رمال متحركة، في خضم انتشار كبير للجماعات المسلحة، سواء تلك التي تتبنى أفكاراً متشددة مثل جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بزعامة إياد آغ غالي في مالي وزعامة عثمان ديكو في بوركينا فاسو، أو "جبهة تحرير ماسينا" تحت قيادة أمادو كوفا، وكلاهما يدينان بالولاء لتنظيم "القاعدة"، أو جماعات متطرفة مثل الانفصاليين الطوارق الذين ينشطون في الشمال المالي، وكثيراً ما نفت "فاغنر" وروسيا أي دور في منطقة الساحل محاولة دحض التقارير الغربية التي تتهمها بقيادة عمليات جنباً إلى جنب مع جيوش مالي وبوركينا فاسو.
نصر معنوي
نجحت "فاغنر" في الاستفادة من تراكم غضب دول وشعوب الساحل الأفريقي لتتسلل إلى هذه المنطقة، حيث جرى استدعاؤها إثر انقلابات عسكرية أطاحت بأنظمة موالية للغرب الذي كان يملك قوات على الأرض، لكن "فاغنر" أبقت حضورها رهن السرية لأعوام، وكان الظهور العلني الأول لها في الساحل الأفريقي على هامش معركة مدينة كيدال الإستراتيجية التي خاضها الجيش المالي جنباً إلى جنب مع قوات "فاغنر"، فنجحا في بسط سيطرتهما على هذه المدينة واستعادتها من قبضة الانفصاليين، ورفع عناصر "فاغنر" راية مجموعتهم على قلعة المدينة في فبراير (شباط) عام 2024، ويعد ذلك انتصاراً نادراً لـ "فاغنر" في منطقة الساحل الأفريقي، لكنها تلقت إثره خسائر فادحة في يوليو (تموز) في مدينة تينزاوتين المالية.
الباحث السياسي المالي، علي كونتا، يرى أن "القوات الحكومية استطاعت بالتعاون مع 'فاغنر' السيطرة على مدينة كيدال التي دخلوها من دون معركة تذكر، وكان هذا نصراً معنوياً كبيراً جداً للقوات المسلحة المالية، وهو أيضاً ينطبق على عدد من القواعد العسكرية التي كانت بيد البعثة الأممية التي سيطرت عليها القوات المالية بمؤازرة من عناصر المجموعة شبه العسكرية الخاصة".
وفي تصريح إلى "اندبندنت عربية" قال كونتا إن "دور 'فاغنر' الحالي سيستمر في تدريب العناصر ومرافقتهم إلى ساحات المعارك في مالي أو دول الساحل الأخرى، لكن الشارع في مالي يترقب أمراً مهماً وهو دخول الجيش إلى مدينة تينزاوتين الحدودية المتاخمة للجزائر خلال الأيام المقبلة".
وشدد كونتا على أن "القوات الحكومية في مالي لا تزال في مرحلة تقوية عناصرها وبناء قدراتها من خلال التدريب والتجنيد، وكذلك الحصول على معدات عسكرية وحربية، فبعض المعدات والطائرات بحاجة إلى تدريب العناصر عليها إذ لم تستخدم منذ فترة"، وهي بالتالي بحاجة إلى من يدربها على تلك المعدات وهذا ما ستقوم به "فاغنر".
وفي اعتقاد المتحدث فإن "القوات المسلحة المالية تقوم بإعادة ترتيب الصفوف وهي منهكة بعد سقوط كثير من القيادات في معارك ميدانية مستمرة منذ نحو 10 أعوام، مما جعل الحكومة في باماكو تلجأ إلى عمليات تجنيد وشراء معدات عسكرية، فالجيش يفتقد الإمكانات البشرية والمادية واللوجستية التي تمكنه من السيطرة".
غموض الأرقام والمهمات
ولم تعلن روسيا أرقاماً رسمية حول عدد عناصر "فاغنر" الذين ينشطون في دول الساحل الأفريقي، لكن تقارير غربية تقدرهم بالآلاف، إذ استغلت موسكو تقاربها منذ أعوام مع جمهورية أفريقيا الوسطى لنقل قوات وعتاد عسكري لها إلى المنطقة، وعلى مستوى المهمات يلازم روسيا الصمت، لكن الثابت أن عناصر "فاغنر" شاركوا في جولات قتال في مالي حيث اشتبكوا مع الانفصاليين الطوارق وانتزعوا منهم السيطرة على كيدال، وواجهوا مقاومة شديدة في مناطق أخرى مثل تينزاوتين.
وفي النيجر تقول مصادر إن "فاغنر" لم تشارك ميدانياً في القتال لكنها أرسلت عشرات المدربين والمستشارين العسكريين لتدريب القوات الحكومية التي أنهكتها أعوام من القتال، أما في بوركينا فاسو فأرسلت عشرات المدربين والمستشارين الذين اقتصر دورهم على تطوير قدرات القوات الحكومية التي تواجه وضعاً ميدانياً معقداً، إذ يعد نصف البلاد خارج سيطرة الحكومة البوركينابية.
وتنفي روسيا بصورة قاطعة أي حضور لـ "فاغنر" في المنطقة، وهو أمر يتناقض مع بيانات تنشرها قنوات لها على "تيليغرام" ومنصات أخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فشل في المهمات
ويأتي دخول "فاغنر" إلى الساحل الأفريقي إثر فشل القوات الفرنسية في استعادة السلم والاستقرار على رغم إطلاقها كثيراً من العمليات العسكرية ومن أبرزها عملية "برخان" عام 2013، وشملت دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي عملية لم تنجح في الحد من هجمات الجماعات المسلحة.
وتبين الباحثة السياسية في الشؤون الأفريقية ميساء عبدالخالق أن "استبدال 'فاغنر' يأتي بعد فشلها في تحقيق هدفها الذي كان يشمل محاربة الإرهاب، فبعد أربعة أعوام من حضورها في مالي فشلت في تحقيق السلم خصوصاً بعد انفصال شمال البلاد عن الدولة المركزية"، مؤكدة في تصريح خاص أن "فاغنر" فشلت في مهماتها "لكن هذا الفشل لا يثني روسيا عن مواصلة اهتمامها بالوضع في الساحل الأفريقي ومالي للحفاظ على مصالحها في هذه المنطقة الغنية بالثروات، وأعتقد أن 'فاغنر' ستستمر في مغادرة دول الساحل الأفريقي وستستبدل بالفيلق الأفريقي ليقوم بالمهمات نفسها التي كانت تقوم بها"، وفسرت قائلة إن "هذا الاستبدال لن يكون ناجعاً لأن التغيير الذي يحدث بالاسم والواجهة فقط وليس بالعمليات أو المهمات".
زخم كبير
ويبدو أن الجماعات المسلحة التي تنشط في الساحل الأفريقي ستسعى إلى ملء الفراغ الذي ستتركه "فاغنر" إثر انسحابها، حيث سارع الانفصاليون إلى شن هجمات استهدفت الفيلق الأفريقي - الروسي شمال مالي مما أوقع قتلى وجرحى من الجانبين، وقال الباحث السياسي البوركينابي، إيساكا مونكايلا، إن "هجمات الجماعات المسلحة اكتسبت زخماً كبيراً في مالي وبوركينا فاسو، لذلك أعتقد أنه بمجرد انهيار حضور 'فاغنر' فستسعى هذه الجماعات إلى تحقيق مكاسب ميدانية جديدة"، مضيفاً أن "ما يحدث مجازفة خطرة، ومع الأسف لا المجالس العسكرية الحاكمة ولا المجتمع الدولي يعيان خطورة ما يحدث في الساحل الأفريقي، إذ بات الإرهاب والهجمات أمراً مألوفاً، وهو ما ستكون له عواقب وخيمة من حيث حركة النزوح والهجرة نحو الشمال، أو معاناة المدنيين الذين هم ضحايا الأطراف المتحاربة".
واستنتج مونكايلا أن "المعضلة تكمن في أن الجيوش المحلية لا قدرة لها على بسط سيطرتها بنفسها على كامل أراضي بوركينا فاسو أو مالي أو النيجر، فهي جيوش تكبدت خسائر كبيرة خلال الأعوام الماضية، ولم تقدر 'فاغنر' أيضاً على مساعدتها لأن تفكير عناصرها كان منصباً على كيفية السيطرة على المناطق التي تسبح فوق مناجم من الذهب وغيرها من الثروات، وليس دعم الأهداف التي رسمتها الحكومات المحلية، بل يمكن القول إن 'فاغنر' كانت تسعى إلى الاستفادة من استدامة الصراعات في المنطقة".