Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حديث الصباح والمساء" تأريخ روائي لمصر المحروسة

عندما دوَّن نجيب محفوظ حكاية بلده الحديثة بمجموعة من الشخصيات المتنافرة

جعل نجيب محفوظ من التاريخ علما إنسانيا يروى على ألسنة الناس البسيطة (أ ف ب)

ملخص

هذا العمل الإبداعي أوصل فيه محفوظ منهجه "الهندسي" في الكتابة إلى ذروة غير مسبوقة لديه فيما هو يدعي البراءة والتلقائية. فعم يتحدث هذا النص؟ باختصار عن تاريخ مصر، و"مصر المحروسة" هنا بالتحديد وذلك في صيغة قاموسية دقيقة الترتيب تقوم على اختيار عدد لا بأس به من شخصيات تجمع بين التركيب المحفوظي الخالص، والتاريخ الاجتماعي لمصر خلال 200 عام.

لم يكن نجيب محفوظ مغرماً بالحديث عن أعماله الروائية وغير الروائية، وربما كان نشاطه الرئيس يكمن في لقاءاته الأسبوعية بأصحابه المقربين، في تفادي أي فخ ينصبه له واحد منهم لجره إلى ذلك النوع من الحديث ومهما كان حجم الإغراءات. وكاتب هذه السطور اختبر هذا الأمر مرات ومرات، وفي كل مرة كان ينجح محفوظ، الماكر إلى درجة مدهشة، في تغيير دفة الحديث بضحكة مجلجلة أو ابتسامة خجولة أو حتى بصيغة مباشرة.

بالنسبة إليه كانت المعادلة بسيطة: فإما أن يقدم العمل نفسه بنفسه لقارئه بحيث لا يكون ثمة حاجة إلى أي مزيد، وإما لا يكون جديراً بالقراءة. وكانت تلك بالنسبة إلى أستاذنا قاعدة ذهبية على خلصائه اتباعها. فهل كان ثمة مكافآت على ذلك؟ بالتأكيد: ففي نهاية الأمر وبين كتبه العديدة والمتنوعة في مجالات الاهتمام، وضع الكاتب الكبير عدداً من كتب سيبدو بعد قراءتها أن وظيفتها الأساسية إنما هي أن تكون بديلة عن الحديث المحفوظي المطلوب: باختصار كانت كتباً تتولى الإجابة، مباشرة أحياناً، وبصورة مواربة في أحيان أخرى، عن التساؤلات المطروحة.

ولعلنا قادرون هنا على التوقف عند ما لا يقل عن أربعة منها وهي "المرايا" و"حكايات حارتنا" و"أصداء السيرة الذاتية" لكن بخاصة "حديث الصباح والمساء". ففي كل من هذه "المجموعات" ثمة استعادات مباشرة أو غير مباشرة، لشخصيات أو مواقف أو لحظات محفوظية ربما يعرفها، وقد يحدس بها قراء محفوظ الأكثر جدية أو الأكثر إدماناً. غير أنها تختلف على أية حال عن تلك الفقرات "الموسوعية" التي قد ترد في قاموس محفوظي علمي.

تفسيرات أم استطرادات؟

والحقيقة أن نجيب محفوظ، كان ومن دون أن يمعن في تفسير الأمور والدوافع هنا، يستشعر بتلقائيته حاجة قرائه لمعرفة المزيد وربما عن شخصيات قد تبدو في الرواية الأصلية ثانوية الأهمية أو عابرة بالنسبة إلى أحداث الرواية، لكن "الإنصاف" يقتضي منه العودة إليها. وهذا ما يفعله في تلك الفقرات القصيرة التي لا تتجاوز واحدتها الألف كلمة لكن بصورة ممتعة وغالباً ما يعبق بحنين ما.

وقد يحدث أحياناً ألا يجد القارئ في النصوص المحفوظية المنشورة، ما جابهه في "المرايا" أو في "حكايات حارتنا" مثلاً، فيتنبه هنا إلى واقع جديد وهو أن تلك الفقرات التي غالباً ما تحمل أسماء معينة، كانت في الأصل جزءاً من مشاريع روائية محفوظية مقبلة ثم نحاها الكاتب جانباً، أو إنها حين نشرت كانت إرهاصاً بأعمال فعلية هي قيد الكتابة بالفعل. وربما هذا كله ينطبق تحديداً على "حديث الصباح والمساء" لكن هذا العمل المحفوظي الذي يكاد يكون قصصياً بصورة أو بأخرى، يتسم في الحقيقة بما هو أكثر من ذلك بكثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل من شأننا هنا أن نصفه بأنه العمل الإبداعي الأكثر مكراً في مسيرة محفوظ، وكذلك بوصفه العمل الأكثر "علمية" أيضاً، حتى وإن كان هو نفسه قد أنكر هذا التوصيف حين فاتحناه به يوماً على متن "فرح بوت" ففي النهاية طبق الأستاذ علينا هنا مبدأه مجيباً بما لا يزيد على أربع أو خمس كلمات عن تساؤلات كنا صغناها خلال أشهر. لكن موضوعنا ليس هنا بالطبع.

تحت عباءة تاريخ ما

الموضوع يتعلق بهذا العمل الإبداعي نفسه، الذي أوصل فيه محفوظ منهجه "الهندسي" في الكتابة إلى ذروة غير مسبوقة لديه فيما هو يدعي البراءة والتلقائية. فعم يتحدث هذا النص؟ باختصار عن تاريخ مصر، و"مصر المحروسة" هنا بالتحديد، وذلك في صيغة قاموسية دقيقة الترتيب تقوم على اختيار عدد لا بأس به من شخصيات تجمع بين التركيب المحفوظي الخالص، والتاريخ الاجتماعي لمصر خلال 200 عام، أي تحديداً منذ الحملة البونابرتية عند بدايات القرن الـ19 وصولاً إلى الزمن الذي كتب فيه "حديث الصباح والمساء".

وهنا قد يمكن القول إن اختيار مداخل القاموس المبني على الأسماء العلم لدزينات الشخصيات التي تمر أمام القارئ متوغلة به في التاريخ المصري كما يعرفه خلال ذينك القرنين، يبدو اختياراً عشوائياً وضع كيفما اتفق. لكن هذا ليس سوى انطباع خطأ، وآية ذلك أن الكاتب وقد بدأ قاموسه، المرتب أبجدياً، بشخصية إبراهيم ليختمه بشخصية يزيد، ليس سوى جزء من ترتيب بادي المكر. ففي النهاية ليس إبراهيم سوى أحدث شخصيات المجموعة ولادة، بمعنى أنه يختم السياق التاريخي لكنه يحتل المكان البدئي في المجموعة كلها لمجرد أن اسمه يبدأ بحرفي الأبجدية الأولين (الألف والباء).

 

أما يزيد الذي ولد وعاش في خضم الحملة الفرنسية التي يفتتح بها تاريخ المحروسة الحديث، فلئن كان مفتتح ذلك التاريخ، فإن سيرته لن تكون سوى خاتمة الكتاب لمجرد أن اسمه يبدأ بآخر حروف الأبجدية (الياء). وكالعادة لدى محفوظ لم يكن الاختيار عشوائياً بل مقصوداً ضمن لعبة بالغة الطرافة لكنها تحمل أبعاداً لا غموض فيها. لا سيما بالنسبة إلى كاتب دائماً ما جعل الهندسة جزءاً من عمله الكتابي. ونعرف طبعاً أن اختيار الأسماء وترتيبها يلعب لدى محفوظ على الدوام دوراً مرسوماً بدقة، فما بالك هنا وقد اختار الكاتب منهجاً قاموسياً واضحاً ومتطلباً؟

التاريخ بعد الفلسفة وعلم النفس

في الحقيقة أن الترتيب القاموسي مكن الكاتب هنا من أن يخلط الوقائع التاريخية المتعددة والمتمددة على 200 عام، لترسم تاريخاً لمصر يقف خارج الكرونولوجيا (تنظيم الأحداث التاريخية بترتيب زمني معين) المعتمدة عادة في النصوص التاريخية. لئن كان محفوظ قد تعمد هذا، فما فعله إنما هو تعبير عن تشابك التاريخ المصري خلال ذلك الحيز الزمني المتواكب مع خروج مصر من العصور المظلمة إلى الحداثة وليبراليتها، من دون أن يبدو عليه أنه يفعل ذلك.

 

وهو لئن كان هنا قد استعاد شغفاً قديماً له بالتاريخ كان قد حكم على أية حال، بداياته الروائية من خلال نشره رواياته "الفرعونية" الثلاث ("عبث الأقدار" و"رادوبيس" و"كفاح طيبة") قبل شروعه في تأكيد واقعيته في سلسلته الروائية التالية التي ظهرت على مدى عقود لن تنتهي إلا مع توقفه عن الكتابة في نهاية المطاف واصلة إلى ذروتها في "الثلاثية" ثم في "أولاد حارتنا"، وأخيراً في "ملحمة الحرافيش"، لئن كان قد فعل ذلك، فإنه فعله هنا، في "حديث الصباح والمساء"، لغايات تحمل قدراً ما من الاختلاف. فلربما كان يريد هذه المرة أن يدنو، ودائماً على طريقته الفريدة، من صنف من العلوم الإنسانية هو التاريخ، بعدما كان سبق له أن دنا خلال عقود متتالية سابقة، من علم الاجتماع وربما في التركيب الكلي لمعظم رواياته وهو ما سمي الواقعية الاجتماعية، ويحلو لكاتب هذه السطور دائماً أن يحرف التوصيف إلى "الواقعية المحفوظية"، ومن التحليل النفسي كما في "السراب"، وكذلك من الفلسفة وغالباً متضافرة مع الدين... ولنراجع هنا على سبيل المثال "قلب الليل" وحفنة من قصص محفوظ القصيرة ومسرحياته الأقصر أيضاً.

مدارس تاريخية

ترى حين جعل نجيب محفوظ للتاريخ، ليس كسرد فقط وإنما كعلم بالمعنى التقني الخالص للكلمة وتحديداً بوصفه علماً إنسانياً لا يروى من طريق حكايات السياسات الكبيرة والأحداث المفصلية ولكن من خلال حكايات بسيطة وربما عادية عن أناس عاديين، أفلا تراه تعمد الدخول في معمعان التاريخ دخولاً يتماشى مع تلك المدارس التاريخية الكبيرة التي ظهرت في القرن الـ20، من أرنولد توينبي إلى أريك هابسباون وصولاً بالطبع إلى مدرسة الحوليات الفرنسية التي كان من أبرز سماتها جعل التاريخ تاريخاً إنسانياً يطاول المدى الطويل، ومعتبراً أن الفعل التاريخي الحقيقي ليس التقلبات السياسية والحربية الكبرى، بل تاريخ التغيرات البطيئة من اجتماعية واقتصادية وثقافية وفي الذهنيات؟ إننا نعرف طبعاً أن محفوظ لم يدرس تقنيات تلك المدارس التاريخية، ومع ذلك سنبقى على حيرتنا دائماً أمام دنوه من تاريخ مصر في مجمل رواياته والأضواء الكاشفة على تاريخ هذا البلد وأكثر من ذلك كله في هذا الكتاب الفذ "حديث الصباح والمساء" الذي يمكننا القول إنه من منطلق ما، يبدو وكأنه تطبيق إبداعي بالتأكيد، للمفاهيم التاريخية الأكثر حداثة فيعلم التاريخ.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة