Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأردني يحيى القيسي دخل عالم الرواية من "باب الحيرة"

سعى في رواياته الأولى للتواصل مع التراث الإسلامي ثم تطرق إلى إشكالية اغتراب الإنسان العربي.

الروائي الأردني يحيى القيسي (خدمة مؤتمر الرواية)

ملخص

اختير الروائي الأردني يحيى القيسي الشخصية المكرمة في مؤتمر الرواية خلال دورته الـ11، وهو مؤتمر أكاديمي تعقده جامعة اليرموك، ويشارك فيه نقاد أكاديميون وروائيون. من هو يحيى القيسي؟ وكيف يقرأ مساره السردي؟

بدأ الروائي الأردني يحيى القيسي، من مواليد حرثا شمال الأردن عام 1963، تجربته الروائية خلال عام 2006، إذ نشر روايته "باب الحيرة" التي لفتت أنظار النقاد لأسباب فكرية وفنية عديدة، أهمها الحفر الروائي المبكر في البنية الثقافية. فقد قامت الرواية بمحاكاة التراث من غير إعادة إنتاجه، فعملت على الكشف عن المرجعية المغيبة في الثقافة العربية الإسلامية باستعادة الخطاب العرفاني، الذي ظل مهمشاً لأكثر من 10 قرون. وجعله جزءاً من المتن الروائي، مقدماً إياه بديلاً عن الأيديولوجيات المستوردة من منظومات معرفية غربية، فشلت في بناء هوية عربية متماسكة، واستطاع عبره تفكيك التابوهات الدينية والسياسية والاجتماعية.

أما في روايته "الفردوس المحرم" التي صدرت خلال عام 2015، فقد انتقل إلى فضاء سردي جديد، إلى المغرب العربي، حيث نمت الفلسفة بعيداً من قبضة السلطة، في مقابل المشرق المرتهن للديكتاتورية، وطرح قضايا تحفز المتلقي على اختبار وعي مختلف، وعرضه لتجربة سردية تتجاوز الواقع نحو الماورائيات، في إطار من الواقعية السحرية التي تمزج بين العلم والدين والتأمل الفلسفي، مستعملاً تقنيات من مثل استعادة الحلم والمكان والهوية، في محاولة لتعويض اضمحلال كينونة الذات العربية.

وتسعى الرواية إلى فضح التضليل المعرفي الذي يواجه البشر من قوى ظلامية، وتقديم معرفة بديلة عن تلك التي يقدمها الخطاب الرسمي أو الخطاب القادم من عالم تحت أرضي، الذي أنتج ملف كوفيد فيما بعد، وفكرة المليار الذهبي ومجلس إدارة العالم. يتقاطع هذا الطرح مع نقد الخطابات الكبرى التي تميز الأدب ما بعد الحداثي، ويعكس رغبة في استعادة المعرفة الصافية، ويتيح للمتلقي الانفتاح على مستويات متعددة من التأويل، ويعزز عمق التجربة الروائية.

رواية ما بعد الحداثة

 يتابع يحيى القيسي في مشروعه، في التواصل مع المرجعية الثقافية والانفصال عنها، ليبلور مشروعه المعرفي عبر فن الرواية الذي يقوم أصلاً على التعدد، ويمكنه من خلق حالة من الدرامية تقدم في خطاب روائي يطرح أسئلة الراهن ويحافظ على الإشكالية الروائية التي تتبناها الحكاية أو مجموعة الحكايات، وتتطابق الإشكالية تماماً مع إشكالية الإنسان العربي في عالم الميتا حداثة، والتي باتت أوضح منذ العقد الثاني من القرن الـ21، مع تفكك مشروع الدولة الوطنية في أكثر من مكان على الخريطة العربية، ومع تكوين كيانات متطرفة أو جهادية أو إرهابية أو انفصالية، تتحكم بالدول وترهبها أو تصير جزءاً منها بسبب نجاح ما يسميه تودوروف (آلية النبوءة المصدقة لذاتها) أو المحققة لذاتها.

يعمل الخطاب في روايتي "بعد الحياة بخطوة" 2018 و"حيوات سحيقة" 2020 على تفكيك الخطابات التقليدية، وإزالة الحدود بين العقل الذي يشكل جوهر الحداثة والخيال الذي يعد واحداً من مرجعيات ما بعد الحداثة، إذ يصير الخيال المتطرف واحداً من أهم البدائل الحرة لمركزية الحداثة. سنجده، إذاً، يتخذ خطوات أبعد في كل من هاتين الروايتين، فكلما اتضحت ملامح عنف ما بعد الحداثة في الجغرافيا العربية، تطور مشروع القيسي في تقويضه المرجعيات الثقافية وبحثه عن مرجعيات جديدة في عالم ما وراء الثقافة بتعبير بيليسي، أو في عالم ما وراء العقل وما وراء الجغرافيا.

وإذا كان قد حاول في رواياته الأولى التواصل مع التراث الإسلامي بحثاً عن خلاص أو عن حلول لإشكالية اغتراب الإنسان العربي، فهو في "حيوات سحيقة" يهجر ذلك التراث ويذهب أبعد إلى ما قبله، إلى الإنسان المؤابي داخل كهوف غير مكتشفة في البتراء، حيث جرار العسل المختمر التي تعود إلى آلاف الأعوام، ضارباً صفحاً عن التاريخ الإسلامي الذي اضطهد علماءه ومتصوفيه ومفكريه الذين اختلفوا في خطابهم عن خطاب السلطة، وذلك عبر شخصية صالح، الصحافي، الذي سيتواصل مع الماضي نتيجة غيبوبة، بعدما يقع داخل كهف في البتراء وهو يرافق بعثة تلفزيونية بريطانية، والذي سيعمل في ما بعد في مركز دراسات يتقصى تاريخ الفرق أو الحركات الجهادية أو الدينية المتطرفة في التاريخ الإسلامي.

وسنتعرف خلال السرد إلى شخصية أخيه حسن، لتتضح لنا علاقته بالنمس أو أبي حذيفة كما سيسمى لاحقاً بوصفه أميراً لجماعة متطرفة، يتنقل بين الزرقاء وسوريا والعراق، ليحاكي شخصيات كانت لاعبة أساس في الحراك العالمي للقرن الـ21. وستجعل هذه العلاقة صالح يعاين زيف هذه الحركات ودورها السياسي المرسوم وهشاشة جذورها الدينية وخطرها في المنطقة، واستعمالها للمتن الديني وتحويله إلى حالة من التوحش. سيكون ذلك الاكتشاف سبيله للانقطاع عن الماضي، ولبراءته من الهوية التي يشكل ذلك التاريخ جزءاً منها، والبحث عن مرجعية أقدم، ولا يكون ذلك التواصل مع مرجعية أخرى إلا عبر الغيبوبة، وهو ما سنلاحظه في "بعد الحياة بخطوة" أيضاً، وهذه الغيبوبة تمثيل لتغييب العقل، أي لجوهر الحداثة، والانتقال إلى ما بعد الحداثة حيث حرية الفرد في التواصل مع مرجعية مختارة، ليست بالضرورة مرجعية العائلة أو السلطة، وليس بالضرورة مرجعية الآخر الأوروبي أو الغربي، فالغرب فيه كفايته من دموية التاريخ والمرجعيات أيضاً.

يمثل النص حالة تخلٍ عن الماضي وتبرؤ من الهوية، يفضي إلى ثقل في الروح يؤدي إلى السقوط في الغياب، لكن لا بد منه ليصحو الفرد من وهم سطوة القطيع، ويواجه القبيح مثلما يواجه الجماعات الجهادية المتطرفة. يغيب البطل في نوبات عدة بعد سقوطه في الكهف في البتراء، وينتقل إلى حقب أخرى: "أدرك أنه يعيش في عهود غابرة بمدينة واسط في العراق، وأنه أحد مريدي الحسين بن منصور الحلاج. سمع بعض الحراس ينادون المريدين هازئين: يا قرامطة وأحياناً يصفونهم بالزنادقة. تسللت إلى أعماقه قطعان الظلم الهائل لهذه التهم التي دبرت بليل... جاء السياف، وقد غطى وجهه بعمامة حمراء، لم يظهر منها غير عينين جامدتين، كأي وحش بشري لا رأفة في قلبه... نظر المعلم المصلوب إلى من حوله وابتسم. سمعه يقول بصوته الواهن لمن حوله: اقتلوني يا ثقاتي...إن في قتلي حياتي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يفضل صالح العودة إلى الكهف ذاته الذي ذاق فيه عسل التواصل مع الماضي، ليموت هناك ويترك دفتر ملاحظاته، كأنه فضل الموت على العيش في عالم ينتهي به المرء إلى ما انتهى إليه في تاريخ القتل وصراع الخطابات بين السلطة ومعارضيها حيث سفكت دماء الأبرياء فقط لاختلافهم في الرأي.

حرية اختيار المرجعية

أما في روايته "بعد الحياة بخطوة"، فتحمل الغيبوبة الراوي البطل إلى عالم الموتى، ليس هيديس، أو عالم أوديسيوس السفلي الذي ينزل إليه، بل عالم ينتقل إليه بما يشبه المعراج نحو الأعالي، وهذه الرحلة تحاكي فعلاً حكايات المعراج كما وردت في الفتوحات المكية، وأحياناً نجد فيها روح رسالة الغفران والكوميديا الإلهية، بنزعة التهكم في تصنيف الناس والحكم عليهم بين الممر والمستقر والحضيض أو ما وراء المستقر، كما يشير في حديثه عن أم كلثوم والغناء مثلاً.  

وهكذا يمتلك البطل حرية التواصل مع المرجع وحرية مواجهة الفكر السلفي بالخيال العقدي، وليس بالفكر الصوفي هذه المرة كما اعتدنا من يحيى القيسي، فالمرجعيات كلها مشكوك فيها بدءاً من العقل الحداثي وانتهاء بالسلف مهما كان صالحاً، وهذا ما يمثل جوهر ما بعد الحداثة. وإذا كانت رواية نجيب محفوظ "أولاد حارتنا" تمثل في أحد تأويلاتها جبروت الربوبية ومساعدات النبوات وتفعيل عقل إنسان الحداثة أمام تلك القوى وتركه بلا مساعد، فستكون هذه الرواية تمثيلاً لحالة ما بعد الحداثة حيث يبحث الفرد عن مرجعية خاصة به ومختارة من قبله، فيها الحنو والعطف والراحة من الشقاء الدنيوي، إذ يتصل مع أصل يختاره ويسميه بالحبيب.

تعيده غيبوبته من لحظته الراهنة إلى رحم أمه، على طريقة فيلم: (The Curious Case of Benjamin Button)، فيرى صوراً سريعة لحياته خلال شهرين من غيبوبة ما بعد الجلطة التي أصيب بها، ثم تغيير شبكات في قلبه وخطأ طبي في كمية التخدير، عرج بعده إلى ما وراء الحياة وتعرف إلى عوالم فوقية، وهناك "جاءه خاطر عن بني البشر الذين تركهم هناك يسفكون الدماء على أقل سبب ويهتكون القيم، ويدمرون الطبيعة"، وتلك كلها اهتمامات ما بعد حداثية.

تطل الروح في معراجها على المدينة في مشهد يحاكي مشهداً بديعاً من فيلم (City of Angels) إذ لا عوالم تفصل بين الملائكة والبشر: "شاهد سطح المستشفى بكامل تفاصيله، وما يزدحم فوقه من ألواح السخانات الشمسية وهي تلصف في مواجهة الضوء، وخزانات المياه، والسلالم، وكلما ارتفع أعلى بدت له المدينة بشوارعها المتشابكة وساحاتها، مثل جسد ضخم يتمطى، وتعبر فيه الشرايين النابضة بدفق الحياة من كل اتجاه".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة