ملخص
"فرنسا قامت على الأرجح بمراجعات أصبحت من خلالها ترى أن الفرصة التي منحت لجماعات الإسلام السياسي في تونس وشمال أفريقيا بصورة عامة أعطت نتائج سلبية، وترى باريس أن التجربة التونسية بعد أحداث 2011 ترجمة لفشل الإسلام السياسي في إدارة الحكم".
في وقت كانت تسعى فيه إلى الحصول على دعم دولي في مواجهة انحسار نفوذها ودورها السياسي، واجهت حركة النهضة، الذراع السياسية لتنظيم الإخوان في تونس، انتكاسة جديدة بعد إعلان فرنسا تحركها ضد ممثلي الجماعة في البلد الأوروبي.
وأصدرت السلطات الفرنسية تقريراً يُحذر من تغلغل جماعة الإخوان في مفاصل الدولة الفرنسية منبهة من خطورة وتداعيات ذلك على النمط المجتمعي في البلاد. وذكر التقرير أن "تراجع نفوذ التنظيمات السياسية المرتبطة بالإخوان في شمال أفريقيا، والقيود المفروضة عليها في دول المشرق، وتصنيفها كتنظيمات إرهابية في بعض البلدان، دفعها إلى تركيز جهودها على عدد من الدول الأوروبية".
مراجعات فرنسية
ويأتي هذا التطور بعدما نقلت صحيفة "لوفيغارو" عن وزير الداخلية الفرنسي، برونو ريتايو، قوله إن "الأجهزة الاستخباراتية والأمنية ستكون في طليعة المواجهة ضد تغلغل الإخوان".
وعدّ الباحث السياسي التونسي، مراد علالة، أن "مصالح الدول أرقى وأعلى من مصالح أية مجموعات سياسية لذلك فالديمقراطيات الغربية تجد اليوم أن التواصل مع نظام الحكم في تونس لا يقلقها بقطع النظر عما إذا كان ديمقراطياً أو استبدادياً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأردف علالة في حديث خاص إلى "اندبندنت عربية" أنه "طالما مصالح هذه الديمقراطيات مضمونة، فإن فرنسا تتعامل مع منظومة الحكم الحالية وتتجاهل حركة النهضة، التي لم تنجح في نزع واجهة الإخوان عن نفسها ولم تفكر في تونس نفسها بل بقيت مرتبطة بالفكر الإخواني، وحتى المناورة بالذهاب إلى المحاكم الدولية وطلب دعم دولي أصبحت غير مجدية".
وشدد على أن "حركة النهضة الآن باتت في عزلة وتفتقر لأدوات العمل السياسي والمعارض، وشعبيتها تآكلت مع استمرار المحاكمات مع قياداتها وهي الآن أيضاً تفقد تقريباً آخر ورقة وهي الدعم الدولي من خلال هذا القرار الفرنسي".
ولفت المتحدث إلى أن "فرنسا قامت على الأرجح بمراجعات أصبحت من خلالها ترى أن الفرصة التي منحت لجماعات الإسلام السياسي في تونس وشمال أفريقيا بصورة عامة أعطت نتائج سلبية، وترى باريس أن التجربة التونسية بعد أحداث 2011 ترجمة لفشل الإسلام السياسي في إدارة الحكم".
ليست ضمن اهتماماتها
تجدر الإشارة إلى أن حركة النهضة أدارت الحكم في تونس منذ أحداث الـ14 من يناير (كانون الأول) 2011، التي أطاحت الرئيس زين العابدين بن علي بعد 23 عاماً قضاها في الحكم.
وانتُزع الحكم منها في الـ25 من يوليو (تموز) 2021 عندما فعّل الرئيس قيس سعيّد الفصل 80 من الدستور الذي جمّد بموجبه وحلّ الحكومة والبرلمان المنتخبين ديمقراطياً.
واعتبر الباحث السياسي المقيم في فرنسا، نزار الجليدي، أن "حركة النهضة لا تدخل ضمن اهتمامات فرنسا في الوقت الحالي".
وتابع الجليدي في تصريح خاص أن "التقرير الفرنسي وقع إنجازه منذ مدة لكن صدوره للعموم وانعقاد مجلس الأمن القومي الفرنسي للتداول حوله هو ما حصل أخيراً بقرار سياسي له داعيان أو بالأحرى سببان مركبان، الداعي الأول داخلي ويكمن في الأزمة المتفاقمة للسلطة في فرنسا والاستهداف الممنهج لرئيس السلطة رئيس الجمهورية".
وبيّن أن "داخلياً أيضاً المزايدة بين جميع القوى السياسية اليمينية والوسطية على الموقف من الإسلام والمسلمين التي أصبحت وسيلة مباشرة للمزايدة السياسية في الانتخابات المقبلة الرئاسية أو التشريعية أو حتى المحلية على حد سواء".
وأشار الجليدي إلى أنه "داخلياً أيضاً هناك تهيئة للرأي العام لكثير من المضايقات المزمع اتخاذها ضد الممارسة الدينية عامة وخصوصاً تلك التي تتخذ أحياناً أشكال التظاهر والمبالغة، وأيضاً هناك جانب من الحقيقة في التقرير من حيث خطورة الإسلام السياسي لكن دون أن يرقى إلى أن يكون داعياً إلى إعلام الفرنسيين وجعله مشغلهم الأساس ورفعه إلى مقام تهديد الأمن القومي والحال أنه ملف أمني يعالج من قبل مصالح الاختصاص".
لا مواجهة مباشرة
وعلى رغم أن كُثراً اعتبروا التقرير الفرنسي تمهيداً لمواجهة مباشرة بين الإخوان والأجهزة الفرنسية إلا أن الجليدي يرى أنه "لا يمكن أن تصل هذه الحال الراهنة إلى حد المواجهة المباشرة مع رموز الإسلام السياسي الموجودين في أوروبا أو ترحيل قيادات الإخوان وهذا بسبب ما جاء في جانب الحقيقة في التقرير وهو أهمية العلاقات التي أنشأها الإخوان في أوروبا عامة بما في ذلك في فرنسا".
واستنتج أنه "بالنسبة إلى حركة النهضة التونسية فإن انكسارها كان بإرادة شعبية بعد رفض المجتمع لها وعدم نجاح اللوبيات التي خدمتها في فرضها على التونسيين والتونسيات ولذلك نلاحظ أن الحشد الدولي التي حاولت تحصيله لا يجد استجابة مؤثرة".