Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجسور سيرة العبور... حين تتحول الطرق إلى ميادين حرب

منشأة بالغة الأهمية والدلالة... تتحول أحياناً من وعد بالوصل إلى هدف عسكري

استهداف جسر القاسمية في جنوب لبنان (مواقع التواصل)

ملخص

الجسر واحد من أكثر الاختراعات البشرية بلاغة، فهو يُبنى كي يوصل، ويُقصف حين تريد الحرب أن تمنع الوصول. في السلم هو وعد بالعبور، وفي الحرب يصبح هدفاً يختصر الجغرافيا والسيادة والإمداد والذاكرة. لهذا لا تُفهم الجسور بوصفها خرسانة فقط، وإنما كعصب مدني وعسكري وثقافي يختبر معنى الاتصال نفسه. ومن ريماغن إلى الليطاني، ومن موستار إلى إيران والخليج، يتكرر المشهد نفسه، فما يبنيه الناس للحياة، قد تختاره الجيوش للنار.

"الجسر ليس طريقاً فقط، إنه امتحان دائم لمعنى الوصل في السلم والحرب".

وأنا أكتب هذا المقال تدور في رأسي أغاني الجسور، من "جسر لندن" London Bridge is Fallin down الذي يحمل رمزيات وقصصاً كثيرة ويغنيه الأطفال مع لعبة مسلية لهم، حتى إنه استُخدم أخيراً، ككلمة سر للإبلاغ عن وفاة الملكة إليزابيث الثانية. وتستحضرني رائعة الشاعر اللبناني خليل حاوي، التي غنى الفنان مارسيل خليفة مقطعاً منها، "يعبرون الجسر في الصبح خفافاً، أضلعي امتدت لهم جسراً وطيد" في دعوة للعبور إلى الشرق الجديد، وبالطبع لم يكن الشرق الأوسط الجديد بالنسخة الأميركية الإسرائيلية. وانتقل إلى جسور فيروز من مسرحية "جسر القمر" إلى جسور أخرى مثل "جسر اللوزية" والجسر الخشبي الملون بفرح الماء والعطر وصولاً إلى "جسر العودة" في عام 1968 حيث يوظف الرحابنة الجسر بوعد العودة للفلسطينيين حيث "النازح يرجع، المنتظرون يعودون، وشريد الخيمة يرجع"، لأصل أخيراً إلى تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الطازج بضرب محطات الطاقة والجسور الإيرانية. وأفكر ملياً في عبارتَي "مد الجسور" بمعناها الأدبي والإنساني والرمزي، و"حرق الجسور" بكل ما تحمل من رائحة الانقطاع والعزل والحرب.

فبين مد الجسور وحرقها يمتد تاريخ كامل من العلاقات البشرية، من محاولات الاقتراب الحذِر إلى قرارات القطيعة النهائية. فالجسر في اللغة كما في الواقع يتفوق عن كونه معبراً، ليصبح إعلان نية، إما أن نصل، أو أن نختار البقاء على ضفاف متقابلة. عبره تتشكل المصالح وتُختبر الثقة، وتبنى إمكانات اللقاء. وعندما يُحرق الجسر لا ينتهي الطريق فقط، إنما تُغلق احتمالات العودة، ويُعاد تعريف المسافة على أنها هوة لا تُردم بسهولة.

أما قصفها، فتلك قصة أخرى. لحظة ينتقل فيها الجسر من كونه فكرة عن الوصل إلى هدف في مرمى النار، حيث لا يُستهدف الحجر وحده، إنما المعنى نفسه، معنى أن يكون بين ضفتي طريق.

 

بين الوصل والقطع

ليس الجسر في المخيلة العربية مجرد خرسانة وأوتاداً وطريقاً فوق ماء. إنه وعد بالعبور، وبلاغة معمارية تقول إن الضفتين ليستا قدرين منفصلين. فالجسر قادر أن يربطهما ويوصل عالمهما. في الأدب كما في الهندسة هو ضد العزلة. يُبنى الجسر كي تُختصر المسافة وتلتقي الأوصال وكي لا يبقى النهر وأحياناً البحر وأحياناً أخرى الجبال ذريعة للانقسام.

لكن الحرب، تلك المهارة البشرية الكئيبة في تحويل المعنى إلى نقيضه، ترى في الجسر شيئاً آخر، عقدة لوجيستية وشرياناً ومفتاحاً ميدانياً يجب أن يُقطع. ويصبح ما يُبنى للعبور يُقصف لمنع العبور، وما يشيَّد لتسريع الحياة يُدمَّر لإبطاء الجيوش أو العتاد، أو لخنق المدن ومعاقبة السكان باسم الضرورة العسكرية.

من حيث التكوين، الجسر هو عمل دقيق من التوازنات. أساسات تغوص في الأعماق لتثبيت الفكرة، ودعامات تحمل الوزن، وهياكل فولاذية أو خرسانية تتوزع فيها القوى بدقة رياضية، وأنظمة شد في الجسور المعلقة تجعل التوتر نفسه جزءاً من الاستقرار. كل شيء محسوب ليصمد لعقود، وربما لقرون. ومع ذلك، كل هذه الحسابات يمكن أن تنهار في لحظة واحدة حين تتحول الجسور إلى أهداف عسكرية. كأن الهندسة، بكل تعقيدها، تُختصر أمام قرار سياسي واحد.

لماذا تبنى الجسور أصلاً؟

تُبنى الجسور عادة لأن الجغرافيا رغم جمالها، مزعجة أحياناً، فالأنهار والأودية والمضائق والسكك وخطوط الانحدار كلها حواجز طبيعية أو اصطناعية تجعل الحركة أبطأ، والتجارة أغلى والإدارة أصعب والتماسك السياسي أضعف. لذلك كانت الجسور عبر التاريخ أدوات دولة بقدر ما هي أدوات عمران. تربط الأسواق بالمرافئ، والأرياف بالعواصم، والجيوش بعمقها الخلفي، والناس بمصالحهم اليومية. وفي المنطق العسكري نفسه، تعد الجسور من الأرض الحاسمة أو  key terrain، لأن السيطرة عليها تمنح أفضلية هجومية أو دفاعية، ولأن عمليات عبور الأنهار تُعد من أكثر العمليات هشاشة وتعقيداً في القتال الحديث. لهذا بالذات تصبح الجسور هدفاً مغرياً، فمَن يملكها يمر، ومَن يدمرها يؤخر ويعزل ويربك خصمه.

لماذا تهدم إذاً؟

حين تُقصف الجسور في الحروب، فالذريعة المعتادة تكاد تكون محفوظة عن ظهر قلب، وهي لقطع خطوط الإمداد وتعطيل نقل القوات والسلاح ومنع الانسحاب أو التعزيز، أو إجبار الخصم على استخدام معابر أبطأ وأسهل للاستهداف ربما. فتتحول إلى هدف عسكري إذا أسهمت بشكل فعال في العمل العسكري ويحقق تدميرها ميزة عسكرية أكيدة. ولكن الجسر الذي قد يمر فوقه مقاتل يمر فوقه أيضاً طفل وسيارة إسعاف وشاحنة خبز وباص يقل الطلاب وموظف عائد إلى بيته. ولهذا يشدد القانون الدولي على التمييز بين الأماكن المدنية والأهداف العسكرية، وعلى حظر الهجمات غير المتناسبة. وتحذر اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن الحرب على البنية التحتية الأساسية هي عملياً حرب على المدنيين أيضاً.

 

ما الذي تقوله الحروب عن الجسور؟

تعترف الحروب بقيمة الجسور وأهميتها كلما وضعتها في مرمى النيران والاستهداف. فالجسر هدف ثمين لأنه اختصار للمسافة والزمن والجهد والسيادة. ولأن مَن يبنيه يقول شيئاً عن المستقبل، فيما مَن يهدمه يقول شيئاً عن موازين القوة في الحاضر. وبين المعنيين تقع مأساة البشر، الناس يبنون الجسر كي يصلوا، والجيوش تهدمه كي لا يصل أحد.

ربما لهذا يبدو الجسر، أكثر من غيره من البنى التحتية، كائناً سياسياً بامتياز. فهو ليس مجرد طريق معلق فقط، إنه اختبار للفكرة التي قامت عليها المدينة نفسها. في السلم، الجسر وعد بأن الضفة الأخرى ليست عدواً. وفي الحرب يصبح إعلاناً معاكساً بحيث الضفة الأخرى يجب أن تبقى بعيدة وجائعة ومعزولة، أو تحت النار. ومن هذه المفارقة السوداء ولِدت حكاية الجسور كلها. نبنيها لأننا نحتاج بعضنا، ونهدمها حين نقرر أن البشر أقل أهمية من الخرائط أحياناً.

ليس صدفة أن تُبنى الجسور بأعلى درجات الدقة، وأن تُقصف بأعلى درجات القصد. في لحظة السلم، تبدو الجسور وكأنها اعتذار متأخر من الإنسان للطبيعة، محاولة لتجاوز عناد الجغرافيا وإقناع النهر بأن الفصل ليس قدراً. لكن ما إن تبدأ الحرب حتى يتغير المعنى تماماً. الجسر الذي كان اختصاراً للمسافة يصبح اختصاراً للهدف. وما كان يشاد لربط الناس، يُهدم ليمنعهم من الوصول إلى بعضهم. ورغم أنه من الصعب رصد حالات الجسور كلها في موضوع واحد، لكننا سنمر على بعض الجسور التي تركت بصمتها في تاريخ الحروب.

من ريماغن إلى موستار

جسر واحد قد يتحول إلى حدث مفصلي في مسار حرب كاملة، ففي الحرب العالمية الثانية، كان "جسر ريماغن" فوق نهر الراين واحداً من آخر المعابر التي بقيت صالحة للعبور نحو قلب ألمانيا، ولذلك حين سيطرت عليه القوات الأميركية في مارس (آذار) 1945 كان الأمر بمثابة اختراق استراتيجي حاسم. فبعد أشهر من القصف المكثف الذي استهدف الجسور على طول الراين لعزل القوات الألمانية، جاء سقوط هذا الجسر ليمنح الحلفاء ممراً مباشراً وسريعاً إلى الداخل الألماني، مسرعاً الانهيار العسكري وممهداً فعلياً لنهاية الحرب في أوروبا.

أما في البوسنة، فأخذ التدمير معنى آخر وأكثر رمزية ومرارة. فالجسر القديم في موستار، وهو تحفة عثمانية من القرن الـ16، دُمّر بقصف مدفعي في عام 1993 خلال الحرب البوسنية. هنا امتزج تعطيل عبور عسكري بتحطيم ذاكرة مدينة وصورتها عن نفسها. وحين أُعيد بناؤه بدعم من "اليونيسكو" والبنك الدولي، وُصف كرمز للمصالحة. وأصبح الجسر صيغة للعيش المشترك، ولذا كان تحطيمه فعلاً ثقافياً بقدر ما هو عسكري.

جسور لبنان 2006

في حرب يوليو (تموز) 2006، لم يكن استهداف الجسور في لبنان حادثاً جانبياً، فلقد كان جزءاً من نمط أوسع شمل المطار، والطرق الرئيسة والمرافئ ومحطات الكهرباء والطرق الواصلة إلى سوريا. إذ شنت إسرائيل هجمات واسعة على البنية التحتية المدنية، بما فيها الطرق الرئيسة، إضافة إلى تدمير عشرات الجسور في جميع المناطق بدءاً بالجنوب وقصف الطرق الحيوية التي تربط لبنان بسوريا وبمناطقه الداخلية. ووثقت "هيومن رايتس ووتش" هجمات على طرق وجسور في شمال لبنان وفي البقاع، ورأت أن جزءاً من هذا الاستهداف تجاوز منطق الضرورة العسكرية إلى الإضرار الواسع بحياة المدنيين. إذ بلغ عدد الجسور المدمرة في تلك الحرب نحو 145 جسراً، وأبرزها في الجنوب جسر القاسمية وطيرفليسه وقعقعية الجسر والخردلي. إضافة إلى جسر النملية الذي يربط شتورا بضهر البيدر، وجسر المديرج القديم والجديد، وكليهما على طريق بيروت – دمشق. واستهدفت جسور في منطقة كسروان وجبيل، وشمال لبنان مثل جسر الحيصة الذي وثقت عنه "هيومن رايتس ووتش" مقتل 11 مدنياً في هجوم استهدف جسراً وطرقاً في سياق محاولة قطع الطريق بين سوريا ولبنان. هنا تظهر الحقيقة التي تحب الجيوش تجاهلها، أن الجسور مكان يتركز فيه المرور المدني أيضاً. وحين تقصفه، فأنت تضع المدنيين داخل حسابات النار، ولا تعطل الحركة العسكرية وحسب.

 

الليطاني خط ناري 2026

عادت الجسور في جنوب لبنان إلى الواجهة هدفاً صريحاً ومعلناً. ففي 13 مارس (آذار) الماضي استهدف الجيش الإسرائيلي جسر زرارية فوق نهر الليطاني، مدعياً أنه يُستخدم من قبل "حزب الله" للتنقل، من دون أن يقدم دليلاً علنياً على ذلك، بخاصة أنه من المعروف أن الطرقات الرئيسة والجسور لا تُعد مكاناً آمناً لأي تحرك عسكري لـ"حزب الله" في ظل وجود طائرات MK التي تمسح البلاد طولاً وعرضاً وليلاً ونهاراً، وطنينها لا يبارح آذان اللبنانيين منذ حرب عام 2024. وفي 18 مارس الماضي، دمرت إسرائيل جسرين فوق نهر الليطاني يربطان جنوب لبنان ببقية البلاد. ثم في 22 مارس الجاري استهدفت الجسر الرئيس في القاسمية، بالتوازي مع تصريح من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأنه أمر بتدمير الجسور فوق الليطاني المستخدمة في ما سماه "نشاطاً إرهابياً"، قبل أن يصرح لاحقاً بأن إسرائيل تعتزم التحكم بالمنطقة حتى النهر، بما في ذلك الجسور فوق الليطاني.

اللافت هنا أن الجسر استُهدف بوصفه أداة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية نفسها، حيث يفصل جنوب النهر عن شماله، ويتحول الليطاني من نهر إلى خط ضبط، ثم إلى حدّ شبه عسكري. ولم يعد الحديث عن معبر محدد تمر عليه الأسلحة والعتاد وأصبح عن شبكة العبور كلها ما يمنع عودة الناس أيضاً. وهكذا ينتقل القصف من تكتيك ميداني إلى هندسة قسرية للمكان.

حرب الجسور بين روسيا وأوكرانيا

ما لا يقل عن 10 جسور تحولت في الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى أهداف مباشرة، كأنها بنود يومية في دفتر العمليات. فمنذ مايو (أيار) 2022، حين قصفت روسيا الجسر الاستراتيجي فوق مصب دنيستر في أوديسا، وهو معبر حيوي للسكك والطرق، مروراً بتفجير الجسر الذي يربط سيفيرودونيتسك بضفتها المقابلة في يونيو (حزيران) من العام نفسه، ما قطع أحد آخر مسارات الإجلاء وحوّل المدينة إلى مساحة شبه محاصرة، وصولاً إلى الاستهداف المتكرر لجسر "بيلهورود- دنيستروفسكي" (Bilhorod-Dnistrovskyi)  حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2024، بدا واضحاً أن موسكو تضرب قدرة المدن على التنفس، وعلى البقاء متصلة بما حولها. في المقابل، استهدفت كييف جسر أنتونيفسكي في خيرسون في يوليو (تموز) 2022، وهو معبر حاسم فوق نهر دنيبرو تعتمد عليه القوات الروسية، ثم جسر داريفسكي بعد أيام على نهر إنغوليتس، في ضربات هدفت إلى شل الإمداد وإبطاء الحركة العسكرية، قبل أن تمتد إلى جسر تشونهار، إحدى بوابات القرم، في يونيو (حزيران) 2023، ثم إلى جسر القرم نفسه بانفجار أكتوبر (تشرين الأول) 2022، واعتراف رسمي في يوليو (تموز) 2023، وهجوم جديد في يونيو (حزيران) 2025 باستخدام متفجرات تحت الماء، وصولاً إلى جسور نهر سيم في كورسك في أغسطس (آب) 2024، حيث نُقلت المعركة إلى عمق الإمداد الروسي.

لكن ما بين هذه الضربات المتبادلة دفع المدنيون ثمن هذه الحرب على الجسور، سواء أولئك الذين علقوا في مدن مقطوعة بلا طرق آمنة، أو الذين سقطوا ضحايا أثناء القصف أو بالقرب من هذه المعابر الحيوية. فالجسر في زمن الحرب طريق نجاة ومسار إمداد إنساني وخيط اتصال بالحياة خارج جحيم الحرب أحياناً. وعندما يُضرب تُقطع أيضاً طرق الإسعاف وإيصال الغذاء وإجلاء الجرحى، وتتحول المدن إلى جزر معزولة تُستنزف ببطء. ولم تكن حرب الجسور مجرد فصل تقني في هذه الحرب، لقد كانت قلبها الخفي، فإذا أردت إنهاك جيش ابدأ بمفاصله، وإذا أردت إنهاك شعب فاقطع طرقه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجسر الإيراني "ب1" رسالة سياسية

في التصعيد الجاري في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، خرج الجسر من تعريفه الهندسي إلى وظيفة أكثر كثافة في لغة الحرب. جسر "ب 1" (B1) الرابط بين طهران وكرج، والممتد فوق واحد من أكثر المحاور المرورية ازدحاماً في البلاد، يشكل جزءاً من شبكة طرق سريعة حديثة توسعت خلال العقدين الأخيرين لتخفيف الضغط عن العاصمة وربطها بالمراكز الصناعية في كرج ومحيطها، حيث تتحرك يومياً كثافة بشرية واقتصادية عالية عبر هذا المسار. وكانت قد ضربت أربعة جسور سابقاً.

في الثالث من أبريل (نيسان) 2026، ومع تصاعد التهديدات بضرب البنية التحتية، تحوّل هذا الجسر إلى هدف مباشر. غارتان جويتان أصابتا هيكله وألحقتا به أضراراً كبيرة، وتحدثت تقديرات ميدانية عن دمار واسع وسقوط قتلى وجرحى، في مشهد نقل الجسر من كونه عقدة مرور إلى علامة مكثفة على ما يمكن أن تطاله الضربة. لم يكن الاستهداف موجهاً لتعطيل حركة العبور فقط، وإنما لضرب فكرة الربط نفسها، الربط بين العاصمة ومحيطها، وبين القرار السياسي ومراكزه الاقتصادية، وبين الداخل الإيراني وقدرته على الحركة.

الجسر هنا لم يُقصف كمنشأة فحسب، فإصابة هذا النوع من البنى تعني أكثر من تعطيل السير، تمتد لتعني التشكيك في القدرة على الحفاظ على تماسك الجغرافيا، وعلى إبقاء المسافات قابلة للوصل. في لحظة القصف، يتحول الجسر إلى رسالة بصرية واضحة، حيث ما يبدو متصلاً يمكن تفكيكه، وما يبدو ثابتاً يمكن كسره بضربة مركزة.

بين الهندسة والوظيفة

الجسر في جوهره بنية هندسية بفكرة سياسية كاملة. هو إعلان أن الضفتين تنتميان إلى قصة واحدة، وأن الاقتصاد يمكن أن يتدفق كما يتدفق الماء، وأن المدن يجب ألا تعيش في عزلة. لهذا استثمرت الدول عبر التاريخ في بناء الجسور بوصفها مشاريع سيادية بامتياز، لا تقل أهمية عن الموانئ والمطارات. كل جسر هو قرار، أن نربط هذه النقطة بتلك، أن نختصر الزمن، أن نعيد رسم الخريطة بطريقة أكثر انسياباً. وفي هذا المعنى، الجسر هو أداة وحدة قبل أن يكون أداة عبور.

وبناء الجسر عملية معقدة ومكلفة إلى حد يشي بجدية النية. فالجسور الكبرى، تلك المشاريع الهندسية الضخمة والباهظة، هي رهانات اقتصادية طويلة الأمد. فجسر مثل جسر "أكاشي كايكيو" في اليابان المعروف أيضاً بـ"جسر اللؤلؤة"، يمتد على مسافة هائلة فوق البحر بطول 3911 متراً ويربط بين جزيرتين، كلف نحو 4.3 مليار دولار في عام 1998، وصُمِّم ليقاوم الزلازل التي تصل قوتها إلى ثماني درجات بمقياس ريختر والأعاصير التي تصل سرعتها حتى 290 كيلومتراً في الساعة.

أما جسر هونغ كونغ-تشوهاي-ماكاو، فهو أطول ممر بحري في العالم بطول 55 كيلومتراً، وهو منظومة معقدة من الجسور والأنفاق، صُممت عام 2018 لتربط ثلاث مدن وتعيد تشكيل اقتصاد منطقة كاملة. هذه المشاريع التي تُبنى لتسهيل العبور ولإعادة تعريفه، إذ قلص زمن السفر بين هونغ كونغ وتشوهاي وماكاو من أربع ساعات إلى 45 دقيقة. وبلغت كلفته 20 مليار دولار أميركي.

 

أقدمها… أجملها… أضخمها… أعلاها

ولم تعد الجسور تربط مدناً فقط، وباتت تربط دولاً وقارات. فجسر "أوريسند" بين الدنمارك والسويد إضافة إلى كونه مشروع نقل، هو إعلان عن اندماج اقتصادي وثقافي. مشاريع أخرى، مثل فكرة ربط آسيا بأميركا عبر مضيق بيرينغ، تبدو أقرب إلى الخيال، لكنها تكشف طموحاً بشرياً دائماً في تحويل الكوكب إلى شبكة متصلة.

في تركيا، تبدو الجسور الممتدة فوق بحر مرمرة سردية كاملة عن دولة تعيد تعريف موقعها بين قارتين. وعند مضيق البوسفور تقف جسور مثل جسر البوسفور وجسر السلطان محمد الفاتح وجسر السلطان سليم الأول كأنها خطوط مرسومة فوق الماء لربط آسيا بأوروبا في حركة يومية لا تتوقف. ومع كل جسر جديد، كانت الدولة تعيد كتابة علاقتها بالمكان، من مدينة تنقسم بين قارتين إلى مدينة تُدار كجسم واحد متصل وتتدفق فيه الحركة بين الشرق والغرب كما لو أن البحر لم يعد فاصلاً.

وبين الحاجة الأولى للعبور والرغبة اللاحقة في الإبهار، تقف الجسور واحدة من أكثر الاختراعات البشرية تعبيراً عن علاقتنا بالمكان. أقدمها يقودنا إلى جسر "أركاديكو" في اليونان، الذي يعود إلى نحو 1300 قبل الميلاد، حيث لا يزال قائماً بحجارته الميسينية كدليل على أن الإنسان فكّر بالعبور قبل أن يفكر بالجمال. ثم تأخذنا الجسور إلى ذروة الحضور البصري مع جسر "البوابة الذهبية" في الولايات المتحدة، الذي تحول إلى أيقونة لمدينة سان فرانسيسكو، حيث يلتقي اللون والضباب والماء في مشهد يكاد يكون أكثر شهرة من المدينة نفسها. وفي أقصى الشرق، يمتد جسر "دانيانغ–كونشان الكبير" في الصين كأطول جسر في العالم، بطول يتجاوز 160 كيلومتراً، كأنه شريط إسمنتي يختصر المسافات ويعيد تعريف معنى الطريق. أما أعلاها، فيرتفع جسر "بيبانجيانغ" فوق أحد الوديان العميقة في الصين أيضاً، معلقاً على ارتفاع 565 متراً يجعل المرور عليه تجربة بين الأرض والفراغ. فمن حجر بسيط صمد آلاف السنين إلى منشآت تلامس الغيوم، تحكي الجسور قصة الإنسان الذي يصر على أن يحول العبور إلى معنى.

السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية لماذا نستمر في بنائها رغم معرفتنا أنها قد تُقصف؟ لماذا نستثمر مليارات في مشاريع نعرف أنها قد تتحول إلى أهداف في أول حرب؟ ربما لأن الجسر، رغم كل شيء، يمثل ما نريده من العالم لا ما هو عليه. في السلم، هو وعد بالوصول. في الحرب، هو اعتراف بأن هذا الوعد هش.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات