Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سانت بطرسبورغ كما "لم يرها" ألكسندر دوما

"معلم السلاح" رواية عن ثورة الديسمبريين تسببت في منع القيصر صاحبها من دخول بلاده 20 عاماً

سانت بطرسبورغ خلال النصف الأول من القرن الـ19 (موسوعة التاريخ الروسي)

ملخص

رواية "معلم السلاح" التي تعد عادة من الأقل شهرة في مسيرة ألكسندر دوما تحمل على أية حال أهمية خاصة، من حيث علاقتها التاريخية والجغرافية ولو الكأداء في الحالتين، بمدينة سانت بطرسبورغ عاصمة الإمبراطورية الروسية خلال القرن الـ19

ما من كتاب يضم مجموعة نصوص، روائية وغير روائية، تتناول مدينة سانت بطرسبورغ إلا ويفرد مكانة خاصة لرواية الفرنسي ألكسندر دوما (الأب طبعاً) المعنونة "معلم السلاح"، حتى وإن كانت الرواية تبدو في نظر النقاد والمؤرخين الروس غير جديرة بذلك.

ولعل افتقارها إلى الجدارة ينبع من معرفة الجميع بأن الكاتب قد تحدث فيها عن مدينة سانت بطرسبورغ، التي كانت عاصمة الإمبراطورية الروسية في زمنه، دون أن يزورها كما تناول هندستها العمرانية بصورة تنم عن جهل مطبق.

والأدهى من ذلك أنه أسهب في الرواية في الحديث عن ثورة الديسمبريين التي عاشتها المدينة خلال عام 1825، بصورة كشفت عن جهله التام بما حدث خلال تلك الثورة. لاحقاً، سيقول دوما إن كل هذا نتج من منع القيصر له من دخول بلاده، بيد أن مناوئيه ردوا عليه بكل بساطة بأن المنع أتى بعد صدور الرواية، لا قبل ذلك. بالتالي فإن نواقص روايته لم تنتج من المنع، بل إن المنع نتج من تلك النواقص(!).

ومهما يكن من أمر فإن الكاتب لن يعدم حججاً يدافع بها عن روايته وفي مقدمها أنه إنما كتب الرواية استناداً إلى مخطوط مكتوب بصيغة الراوي، الذي هو في الأصل "معلم السلاح" الذي يروي في المخطوط حكايته كما تراءت له وحكاية الثورة والمدينة كما عاشها بنفسه، مما يفيد بوجود "أحداث حقيقية" اكتفى الكاتب بدبجها نقلاً عن صاحب العلاقة لا أكثر ولا أقل. "أما القيصر الذي منعني من دخول روسيا فإنه إنما فعل ذلك لأن الرواية لم تعجبه". وإذا كان القيصر لم يستسغ الرواية فإن أحداً غيره لم يستسغها بالتالي.

من القيصر إلى عاصمته

ومن هنا ظلت "معلم السلاح" على هامش المتن الأدبي للكاتب الكبير وتعد من أقل رواياته شأناً، إلا حين تدمج في سياق ما كتبه كثر عن المدينة لا أكثر ولا أقل.

ومهما يكن من الأمر، إذا كان دوما قد عاد بعد المنع بنحو 20 سنة وزار بطرسبورغ خلال عام 1858 وكتب عنها، فإن كتابته تلك لم تصلح الأمور.

ولكن ماذا عن الرواية كعمل أدبي؟

هذه الرواية التي تعد عادة من الأقل شهرة في مسيرة ألكسندر دوما تحمل على أية حال أهمية خاصة، من حيث علاقتها التاريخية والجغرافية ولو الكأداء في الحالتين، بمدينة سانت بطرسبورغ عاصمة الإمبراطورية الروسية خلال القرن الـ19. وكتبها دوما خلال عام 1840 مستنداً إلى شخصية حقيقية هي المبارز الفرنسي أوغستين غريزييه، الذي عمل بالفعل أستاذاً لتلك الرياضة في البلاط الروسي.

وتدور الرواية في إطار مذكرات يرويها معلم السلاح بنفسه، إذ يخبرنا عن تجربته في روسيا وتحديداً داخل العاصمة، المدينة التي كانت في زمن أحداث حكايته مركزاً للسلطة القيصرية ومسرحاً للتوترات السياسية والاجتماعية، والاستلهامات الإبداعية.

ومن خلال هذه الشهادة السردية، لم يكتف دوما بتقديم مغامرات فردية، بل ينسج صورة بانورامية عن المجتمع الروسي مُركزاً على التناقضات بين الأرستقراطية المتألقة والمزدهرة والواقع القمعي الذي تعيشه البلاد. وتكتسب سانت بطرسبورغ في الرواية طابعاً أقرب إلى الطابع الأسطوري، إذ إنها ليست مجرد خلفية للأحداث بل تكاد تكون شخصية قائمة في ذاتها، فيصفها دوما كمدينة جميلة ومهيبة.

انتفاضة نبلاء

لكن سانت بطرسبورغ تبدو هنا وتحت قلم دوما مدينة "باردة وقاسية تعكس طبيعة النظام السياسي الذي يحكمها"، حيث "الشوارع واسعة والقصور فخمة والنهر متجمد معظم الوقت...". وكل هذه عناصر يستخدمها الكاتب لإبراز التوتر بين الجمال الخارجي للمكان وجموده الداخلي. وبهذا المعنى تصبح المدينة "رمزاً للسطة القيصرية التي تبدو في ظاهرها صلبة مزدهرة، لكنها تخفي في جوهرها هشاشة عميقة".

بيد أن الأهمية الأساس للرواية تكمن في أنها تتناول ولو بصورة غير مباشرة أحداث الثورة الديسمبرية، كما أسلفنا، وهي طبعاً تلك الاستفادة التي كثيراً ما كتب عنها أبناء روسيا وفي مقدمهم ليون تولستوي في عمله الشهير "الديسمبريون"، وهي كما نعرف الثورة التي اندلعت خلال عام 1825 إنما منظوراً إليها من وجهة نظر ملهم المبارزة الذي يجد نفسه في خضمها، ليخبرنا أن اسمها "ثورة الديسمبريين" إنما أتى من كونها اندلعت في شهر ديسمبر، إذ إن عدداً من الضباط انتهزوا الحدث الكبير المتمثل في موت القيصر ألكسندر الأول لينضموا إلى عدد من كبار النبلاء، في حراك يسعى إلى التصدي لوصول ولي العهد الرجعي الدوق الأكبر نيقولا إلى العرش، مما سيجعل البلاد تحت تسلط عاهل ديكتاتور وجاهل، فانتفضوا محاولين فرض أخيه المتنور والليبرالي الحكيم قسطنطين مكانه، وهكذا تجمعوا في ساحة مجلس الشيوخ رافضين تقديم قسم البيعة لنيقولا الذي ما كان منه إلا أن أمر سلاح المدفعية بإمطارهم بقذائفه، فانتهت الانتفاضة دامية ناهيك بأن اعتقال بقية المنتفضين أسفر عن إعدام خمسة منهم في باحة قلعة بول وبيار، فيما أرسل الباقون منفيين إلى سيبيريا.

الحب في ذلك كله

تلكم هي إذاً الأحداث الكبرى التي يحاول النص أن يؤرخها. لكن الواضح أن ما يهم ألكسندر دوما أكثر من ذلك كله، بمعنى أن هذه الأحداث تمر شبه عابرة مرور الكرام، ما يهمه أكثر من أي شيء آخر هنا إنما هو حكاية الحب التي يوجزها بعد حدوثها بربع قرن، مشكلاً منها موضوع الرواية الجذاب بين الصبية الفرنسية الآنسة بولين كزافييه التي كانت تعيش أولاً في كنف الكونت الروسي أننكوف خلال سنوات منفاه في فرنسا ثم تدهورت أوضاعها حين عادت معه إلى وطنه، مما اضطرها لأن تبيع كل ما تملك واجدة نفسها في نهاية الأمر صاحبة ما تبقى من ثروة محدودة غير آملة في الحصول على مزيد حتى التقت غريزييه، معلم المبارزة بعدما سرقت منها ثروتها.

وهكذا تصبح عشيقة لمواطنها المنفي مثلها، بل إنها حين تتلقى عوناً من القيصر لا يزيد على 3000 روبل، تترك العاصمة لتلتحق بغريزييه في منفاه داخل سيبيريا... وبذلك تتحول الرواية إلى سرد لمعاناة عاشقين فرنسيين في روسيا، وانطلاقاً من ذلك إلى رسم صورة بالغة الجمال للعلاقات الثقافية والاجتماعية بين بلدين يقع أحدهما في أقصى الشرق من أوروبا والثاني في أقصى غربها، وهو ما يتيح لدوما أن يسهب في التعبير عن خالص رضاه عن تلك العلاقات، ولو بلسان بطل روايته وراويها.

ومن ذلك ما لفت نظر قرائه إلى أن النخبة الروسية كانت في تلك الأزمنة "تتبنى اللغة والثقافة الفرنسيتين طواعية حتى أضحت لغة تُستخدم في الأحاديث اليومية والحفلات الأرستقراطية"، على رغم "أن البلدين يعيشان في ظل نظامين سياسيين مختلفين جذرياً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تفاصيل واقعية

يبقى أن نشير إلى أن أسلوب دوما في هذه الرواية يميل إلى السرد التوثيقي، وذلك في رأي النقاد الذين يقارنون بين هذه الرواية ونصوصه الأخرى الحافلة بالمغامرات مثل "الفرسان الثلاثة". فهم يرون أنه "يعتمد على تفاصيل واقعية ويقدم وصفاً دقيقاً إلى حد ما للعادات والتقاليد الروسية، مما يمنح النص قيمة تاريخية تأتي كنوع من التعويض على بعض تهافت أدبي وتاريخي يهيمن عليه. ومع ذلك لا يغيب في "معلم السلاح" عنصر التشويق، إذ تبقى المبارزات والمؤامرات والحكايات العاطفية حاضرة بقوة.

ومع ذلك يمكننا القول إن "معلم السلاح" ليست مجرد رواية مغامرات، بل نافذة نطل منها على سانت بطرسبورغ في لحظة تاريخية مفصلية. من خلالها يكشف الكاتب الفرنسي الكبير عن مدينة تعيش على حافة تغيرات كبرى، ويقدم في طريقه رؤية نقدية لنظام سياسي مغلق، مستخدماً سرده الأدبي كوسيلة لفهم التاريخ.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة