ملخص
استضافت العاصمة اللبنانية بيروت اليوم الثلاثاء مؤتمراً حول التحول الرقمي بعنوان "الحكومة الذكية: خبرات اغترابية من أجل لبنان"، نظمه "مجلس التنفيذيين اللبنانيين"، برعاية وحضور رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام وبالتعاون مع مؤسسات تربوية وجمعيات مختصة.
نظم "مجلس التنفيذيين اللبنانيين" مؤتمراً في بيروت اليوم الثلاثاء 3 يونيو (حزيران)، بعنوان "الحكومة الذكية: خبرات اغترابية من أجل لبنان"، برعاية وحضور رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام، وبالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)، غرفة تجارة بيروت، مجلس الأعمال اللبناني في الكويت، مجلس العمل اللبناني في أبو ظبي، غرفة التجارة والصناعة الأسترالية- النيوزيلندية- اللبنانية، تجمع رجال الأعمال اللبنانيين في فرنسا.
وحضر المؤتمر نائب رئيس الحكومة طارق متري والوزراء كمال شحادة (المهجرين ووزير دولة لشؤون التكنولوجيا)، فادي مكي (التنمية الإدارية)، جو عيسى الخوري (الصناعة)، عامر البساط (الاقتصاد والتجارة)، بول مرقص (الإعلام)، وفايز رسامني (الأشغال العامة)، وعدد من النواب والسفراء العرب والأجانب والمعنيين والخبراء بالمعلوماتية وقادة الأجهزة الأمنية.
من الورق إلى الجهاز اللوحي
وفي لفتة طريفة منه ولكن في الوقت نفسه تحمل لفتةً كبيرة، أشار رئيس الجمهورية قبل بداية كلمته الافتتاحية إلى أن الدليل الأكبر إلى حاجة الدولة الماسة للتطور والرقمنة هي واقع أنه يلقي كلمته المكتوبة على ورق بينما قرأ منظمو الحفل نصوصهم الترحيبية عبر جهاز لوحي Tablet، ما أثار اهتمام الحضور وشد انتباههم. وأكد الرئيس عون في كلمته التي ألقاها بحضور السفير السعودي في بيروت وليد بخاري، على أن لبنان يمتلك كل المقومات البشرية والفنية والخبرات المطلوبة لبناء حكومة ذكية، لكنه يفتقر إلى القرار السياسي الجريء لتنفيذ هذا التحول.
واستهل عون خطابه باستذكار ما قاله الراحل سليم الحص "الرقم في لبنان وجهة نظر"، معتبراً أن هذه المقولة لا تزال تعبر عن الواقع، داعياً إلى تجاوزها بالقول "جئت لأطلب منكم أمراً واحداً: أن نعمل معاً وفوراً، كي لا يكون الرقم عندنا وجهة نظر، ولتصبح الرقمنة في لبنان بُعد نظر، ولخير كل البشر."
وأشار الرئيس اللبناني إلى أن عنوان المؤتمر يعكس بوضوح التحدي والحل في آنٍ معاً، قائلاً إنها "مبادرة من خبراء الاغتراب لبناء الحكومة الذكية في لبنان"، وشدد على أنه آن الأوان للبنان أن يدخل عصر الحداثة والرقمنة وقال "لدينا مبادرات، ولدينا خبراء، ولدينا حكومات على مدى عقود، ولدينا ذكاء يشهد العالم كله له، كل ما ينقصنا هو قرار. وها أنا هنا لأقول لكم: لقد اتخذنا قرارنا، لم يعد مقبولاً أن نظل خارج العصر، ولا على قارعة الحداثة، ولا غرباء عن اقتصاد الرقمنة، فيما نحن نصدّر خبراتنا وخبراءنا إلى أنحاء العالم... لبنانيين في أعلى مراتب الشركات العالمية المشاركة في المؤتمر.
عون: المشكلة عند الفاسدين
وفي تشخيصه للمشكلة، قال الرئيس عون بوضوح "كلنا نعرف أين تكمن المشكلة، ولتكن لدينا الجرأة لنقولها: الحكومة الذكية مؤجّلة دوماً حتى تبقى معاملات المواطن خاضعة لمزاجية بعض الفاسدين."
واعتبر أن عرقلة التحول الرقمي تُبقي الإدارات مقفلة بوجه المواطنين، "إلا في حالتين: إما الرشوة، أو وساطة الزعيم". وأضاف، "هاتان الظاهرتان تؤسسان لنظام الزبائنية، الذي أسهم في تدمير لبنان لعقود طويلة ونريد من الحكومة الذكية خدمة كل مواطن ونريد للبنان أن ينفتح على الشراكات الإقليمية والدولية وأن يكون مؤهلاً لاستثمارات خارجية".
سلام: الهدف واضح
من جهته، ألقى رئيس الحكومة نواف سلام، كلمة في الجلسة الختامية للمؤتمر أكد فيها "لقد اجتمعنا حول هدف واضح: إطلاق مسار التحول الرقمي في الدولة اللبنانية، بما يعزز الثقة، يرفع كفاءة الخدمات، ويواكب تطلعات اللبنانيين. قبل كل شيء، أود أن أتوجه بالشكر والامتنان إلى أبناء وبنات الاغتراب الذين شاركونا من مواقعهم، بخبراتهم، وأفكارهم، والتزامهم الصادق". ورأى سلام أن "لبنان يمتلك الطاقات والكفاءات، في الداخل والانتشار، التي تؤهله للسير على طريق التحول الرقمي الشامل". وأضاف أن "الأولويات التي طُرحت تنوعت وتركزت على المتطلبات التقنية والإدارية لبناء حكومة ذكية، من البنية التحتية، إلى دور الشراكة مع القطاع الخاص في تحفيز النمو الاقتصادي وتحسين الكفاءة، إضافة إلى أهمية الهوية الرقمية وحماية البيانات كمدخل أساس للإصلاح الإداري".
واستطرد سلام، "التحول الرقمي بالنسبة للبنان ليس ترفاً، بل ضرورة. هو إصلاح يخدم المواطنين مباشرة، يختصر الوقت، يقلل الفساد، ويحسن نوعية الخدمات. وهو أيضاً شرط للنمو الاقتصادي. من دون إدارة رقمية، لا استثمار على قدر طموحاتنا، من دون شفافية، لا ثقة، ومن دون تحديث، لا فرص تلاقي ما يستحق شبابنا ليبنوا مستقبلهم في بلدهم. ولكي ننجح، لا بد من تنسيق كامل بين الوزارات والإدارات. ولبنان لا يمكن أن يبقى خارج العالم الرقمي. نحن مصممون على أن نكون جزءاً من الاقتصاد الرقمي الإقليمي والعالمي، وأن نعيد ربط لبنان بسلاسل المعرفة والإنتاج في القرن الحادي والعشرين".
لبنان والانضمام إلى "منظمة التعاون الرقمي"
وتابع سلام "اسمحوا لي أن أشارككم بصورة ملموسة ما نعمل عليه في المرحلة المقبلة: ينوي لبنان الانضمام إلى ’منظمة التعاون الرقمي‘، وقد بدأ باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لذلك، تأكيداً على التزامه بالاندماج الفعلي في الاقتصاد الرقمي الإقليمي والدولي. وفي المستقبل القريب، نهدف إلى إطلاق مشاريع رقمية تتميز بالجدوى المالية والاستدامة الذاتية. كذلك نسعى إلى بناء بنية تحتية رقمية حكومية موحدة ومركزية، تضمن التنسيق بين مختلف الإدارات وتعزز الكفاءة والحوكمة الرشيدة".
وختم سلام قائلاً "التحول الرقمي هو مدخل لإصلاح إدارات الدولة واستعادة ثقة المواطن بها... لدينا الكثير من العمل، لكننا نملك أيضاً الأدوات والشركاء. فلنبدأ الآن".
هاجر الحداوي: منظمة التعاون الرقمي تستكشف فرص التعاون مع لبنان
في السياق كانت المديرة العامة لمنظمة التعاون الرقمي الدكتورة هاجر الحداوي إحدى أبرز المشاركات في المؤتمر ببيروت، إذ قالت في تعريفها عن المنظمة إنها "أنشأت في عام 2020 خلال قمة العشرين برئاسة السعودية، وتهدف لتحقيق التعاون الرقمي ما بين دولها الأعضاء. واليوم تضم منظمة التعاون 16 دولة وتمثل أكثر من 800 مليون نسمة، وكذلك ناتج عالمي بقيمة 3.5 تريليون دولار". ولفتت الحداوي إلى أن "الدول التي تضمها المنظمة موجودة بثلاث قارات هي أفريقيا، وأوروبا، وآسيا، وكل دولة تعمل معها المنظمة لها تحدياتها وفرصها، ولكن من خلال ’مقياس الاقتصاد الرقمي‘ للدول يمكن أن نحدد أين هي الفجوة وكيفية العمل على سدها"، مضيفة "عملنا يكون من خلال القطاعين العام والخاص".
وصرحت الحداوي لـ "اندبندنت عربية"، أنه "بالنسبة للبنان، الجيد أن هناك مشاريع موجودة الآن وهناك التزام من قبل الحكومة، ونحن اليوم نناقش هذه المواضيع ونعمل على استكشاف الوضع، ونهدف لأن نكون ذوي قيمة للبنان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مكي: نريد أن نضع الأمور على سكة التنفيذ
من جهته، قال وزير التنمية الإدارية فادي مكي الذي شارك في جلستين حواريتين خلال المؤتمر، إن وزارته "تعنى بثلاثة مواضيع مترابطة، أولاً التنمية الإدارية والتحديث الإداري، ثانياً التحول الرقمي في القطاع العام وثالثاً مكافحة الفساد، وهذه المواضيع الثلاثة لا يمكن العمل عليها بشكل منفصل بل هي مترابطة. ونحن نشارك اليوم في هذا المؤتمر لنتكلم عن هذا الترابط ونخبر الناس عن العمل الذي نقوم به وحتى نعطي الناس أملاً، بخاصة أنها تتوقع الكثير من هذه الحكومة، فهناك الكثير من الأهداف التي وضعناها بعضها سيتحقق قبل نهاية العام والبعض الآخر يحتاج المزيد من الوقت يمتد سنوات، والعمل لا بد أن يتم تباعاً". وأعطى مثالاً على ذلك "الـ 150 مليون دولار التي ستصل إلى الحكومة اللبنانية من البنك الدولي ضمن مشروع سيتم تطبيقه على مدى سنوات عدة، وما نحاول أن نقوم به هو ألا تعود الأمور إلى الوراء وأن نضع الأمور على سكة التنفيذ".
وأعطى الوزير مكي أمثلة عن المشاريع التي تعمل عليها وزارته لا سيما "إلغاء استخدام الطوابع في المعاملات الرسمية والدفع الإلكتروني والتوقيع الالكتروني، وهذه أمور نتوقع أن تحدث فرقاً كبيراً، إضافة إلى الورش التشريعية والتنظيمية والمراسيم، وهي أمور قد لا يلمسها مباشرة المواطن، ولكنها مهمة جداً".
وأكد أنه "في عهد هذه الحكومة وقبل الانتخابات النيابية المقبلة سنرى فرقاً كبيراً والأمر سنلمسه قبل نهاية السنة الراهنة، ونحن بالفعل بدأنا نلمس فروقات ولا بد أن نكون منصفين بحق هذه الحكومة، فهناك خطة واضحة وفريق عمل متجانس".
شحادة: مشاريع اولية أُطلقت
في سياق متصل، قال وزير المهجرين، وزير دولة لشؤون الذكاء الاصطناعي، كمال شحادة، الذي شارك أيضاً كمتحدث في جلستين حواريتين خلال المؤتمر، في تصريح لـ "اندبندنت عربية" إنه "في ظل كل العوامل المحيطة التي يمكن ألا تيسّر عمل الحكومة في مجال الرقمنة، ما يمكن أن نحققه من اليوم وحتى الانتخابات النيابية المقبلة (منتصف عام 2026) وتشكيل حكومة جديدة، سيكون الجزء الأكبر من مشاريع القوانين قد تم العمل عليه بالفعل وذهبت إلى مجلس النواب، إضافة إلى المراسيم التطبيقية والسياسات المتعلقة ستكون قد وضِعت بالفعل. أما في ما يتعلق بمشاريع الرقمنة فهناك مشاريع أولية ستكون قد أطلقت بالفعل وستظهر للعالم أهمية هذا الموضوع وكيف يمكننا أن نقدم خدمة أفضل إن استثمرنا بهذه التقنيات لتسهيل أمور الناس. والأهم بناء شراكات مع الجامعات والشركات اللبنانية والعالمية، مثل مايكروسوفت التي تركت لبنان". وأضاف "أحد أهدافنا هو أن نحسن بيئة العمل حتى تعود تلك الشركات ويعود لبنان منصة لهم ولغيرهم وليس فقط الشركات الكبيرة. ما يهمنا أن تكون كل الشركات التي تعمل في المجال الرقمي مرتاحة للعمل في لبنان، ويكون لديها البنى التحتية اللازمة".
أما في ما يتعلق بالأمور المعني بها المواطن العادية، قال الوزير شحادة "هناك تطبيقات اليوم تظهر أهمية الذكاء الاصطناعي يتم العمل عليها مع وزارات معنية حتى نسير بها".
شرط توافر الإرادة السياسية
المستشار في أمن وتكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي رولان أبي نجم وفي معرض تعليقه على موضوع المؤتمر رأى أن "لا حكومة رقمية أو ذكية في لبنان إن لم تكن هناك إرادة سياسية، ولتنفيذ هذه الإرادة السياسية لا بد من محاربة الفساد. ما نراه في لبنان هو مساعٍ ومحاولات، ولكنها ليست للتحول الرقمي بشكل عام، بل هناك مساعٍ فردية من قبل كل وزير أو كل وزارة، للقول إننا نقوم بتحول رقمي. فيما تبين في كثير من الحالات أن مساعي التحول إلى الرقمي هي لغايات شخصية من قبل بعض الأشخاص لتوقيع عقود مع شركات تتضمن صفقات مشبوهة".
وأضاف أبي نجم "أُطلقت استراتيجيات عدة في لبنان للتحول الرقمي في الفترة والسنوات الماضية ولكن جميعها بقيت من دون تطبيق بسبب غياب الإرادة السياسية وكان لا بد أن يرافق هذه الاستراتيجيات ’جهة الحوكمة‘ governance entity التي تدير كل التحول الرقمي وتنسق كل الأمور بين جميع الجهات الحكومية، إنما للأسف بسبب الصراعات السياسية هذه الجهة التي يفترض أن تكون تابعة مباشرة لرئاسة مجلس الوزراء، حدث صراع حولها وحول من ستتبع ولأية طائفة، وبقي الموضوع من دون تطبيق. لذلك إن لم تكن هناك إرادة سياسية وجهة حوكمة تتسلم الملف وتدير التحول الرقمي في كل الوزارات، لن نصل إلى مكان".
كذلك تطرق أبي نجم إلى "ملف الاختراقات السيبرانية في لبنان المتكرر والمرتبط بشكل مباشر بغياب الاستراتيجيات ووجود بنى تحتية خاصة بالاتصالات متهالكة وتعود لعقود مضت، فيما استراتيجية الأمن السيبراني موضوعة في الجوارير منذ سنوات، ناهيك عن وجود داتا البيانات المكشوفة أمام الجميع، وأيضاً هناك شبكة اتصالات خاصة بـ ’حزب الله‘، والإنترنت غير الشرعي، فهذا كله كارثة في موضوع الاختراقات السيبرانية، التي تعرقل بشكل أو بآخر قيام الحكومة الذكية أو الرقمية".
وختم بالقول إن "مساعي إقامة حكومة رقمية جميلة بالشكل وممتازة، ولكن بالتطبيق ومن دون إرادة سياسية لن يتم الأمر، ومن دون محاربة فساد لن تسير الأمور، ومن دون القضاء على شبكات الإنترنت غير الشرعي وشبكات الاتصال المتعددة، الأمور لن تتم".
الأمين: تأثرنا بتجربة دول الخليج
كذلك شرح رئيس مجلس التنفيذيين اللبنانيين ربيع الأمين لـ "اندبندنت عربية" دوافع تنظيم المؤتمر فقال "نحن نقوم بهذا الجهد كمغتربين لبنانيين نعيش في الخارج وتحديداً في دول الخليج العربي، حيث نتنعم بما نسميه ’خدمات الحكومات الذكية‘ التي هي خدمات المعاملات الحكومية والإجراءات التي يمكن أن نقوم بها من المنزل ومن خلال الهاتف النقال أو الحاسوب. في المقابل عندما نأتي إلى لبنان نرى كيف أن الوضع يتراجع من سيئ إلى أسوأ، ونسأل لماذا لا نشارك خبرات المغتربين المختصين بهذا المجال الذين حققوا نجاحات في الخارج مع لبنان؟ أما بالنسبة للتوقيت فالوقت اليوم مناسب جداً، لدينا رئيس جمهورية جديد ملتزم بهذا الموضوع وكذلك رئيس الحكومة، ولدينا وزراء مختصين، فارتأينا أن نعرض المساعدة في هذا التوقيت بالذات، وبعد التواصل مع الاغتراب وجدنا أن اللبنانيين في الخارج لديهم نية كبيرة للمساعدة فيما عبرت الحكومة عن حاجتها لهذه المساعدة، فجمعنا الطرفين وكذلك أعضاء من البرلمان اللبناني في هذا المؤتمر. العمل اليوم هو عمل جماعي من قبل الكل، على مستوى الحكومة والرئاسة، ودورنا أن نأتي ونساعد".