Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تناقضات إيران: انفصام سياسي أم "خداع استراتيجي" مدروس؟

عدوان طهران على الخليج أوقعها في مأزق دولي جعلها مكشوفة الظهر في وقت أحوج ما تكون فيها للحلفاء

رجل يحمل صورة للمرشد الإيراني الجديد آية الله مجتبى خامنئي، يتسلم فيها العلم الإيراني من والده الراحل علي خامنئي (أ ف ب)

ملخص

 التناقض المتسلسل عبر العصور يفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل تعيش طهران حالة صراع داخلي بين أجنحتها، أم إنها تدير بوعي استراتيجية مزدوجة توظف فيها الخطاب لتضليل الخصوم، والفعل لفرض وقائع ميدانية؟

منذ اعتلاء نظام "ولاية الفقيه" سدة الحكم في عام 1979، قامت العقيدة السياسية الإيرانية على ثنائية متناقضة تتبنى خطاباً "ثورياً" يدعي نصرة المستضعفين ومناهضة الاستعمار، بينما يكشف سلوكها الفعلي عن أجندة توسعية تعتمد على تقويض سيادة الدول الوطنية.

 ففي الوقت الذي ينص الدستور الإيراني في مادته (154) على "دعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين"، نجد أن النظام الإيراني قد حول هذا الشعار إلى ذريعة لإنشاء وتدريب الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مما أدى إلى نشر الفوضى الطائفية وتمزيق النسيج الاجتماعي لهذه الدول، وهو ما يتناقض جذرياً مع مبادئ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" التي تدعي طهران احترامها في المحافل الدولية.

أما على صعيد القضية الفلسطينية التي كانت لافتة النظام الأبرز للتدخل في المنطقة العربية، فيبرز التناقض الصارخ بين الخطاب التعبوي المشحون والممارسة الميدانية؛ فبينما تملأ شعارات "تحرير القدس" وفيلق القدس الأثير العام، أثبتت المحطات المفصلية أن إيران تستخدم القضية الفلسطينية مجرد "ورقة ضغط" لتحسين شروط تفاوضها مع الغرب بشأن ملفها النووي أو نفوذها الإقليمي. هذا السلوك تجلى بوضوح في "صفقة إيران كنترا" تاريخياً، ويستمر إلى عهد قريب من خلال دعم فصائل فلسطينية لتعزيز مكانتها الإقليمية، من دون الدخول في أي مواجهة مباشرة وحقيقية تخدم الحق الفلسطيني، بل على العكس أسهمت سياساتها في شق الصف الفلسطيني وإضعاف الموقف العربي الموحد تجاه حل الدولتين.

وفي ما يخص التهديدات الأمنية الموجهة لدول الخليج العربية، وتحديداً استهداف المنشآت الحيوية والمدنية في السعودية وجاراتها، تحاول طهران تبرير هذه الاعتداءات تحت لافتة "الدفاع عن النفس". إلا أن الواقع الاستراتيجي يثبت أن استهداف الجوار الخليجي بالصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية يهدف بالدرجة الأولى إلى زعزعة استقرار "النموذج التنموي" الخليجي الناجح، ومحاولة ابتزاز العواصم العربية لفك ارتباطها بالتحالفات الدولية.

 

فرص المراجعة الضائعة

 إيران تدعي الحرص على "أمن الخليج" عبر مبادرات دبلوماسية شكلية، في حين أن حرسها الثوري يزود الميليشيات بالتقنيات العسكرية المتطورة التي تستهدف استقرار الملاحة الدولية في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مما يجعل سلوكها الفعلي أكبر مهدد للأمن الذي تدعي حمايته. وإذ تدعو الإقليم إلى طرد القوات الأجنبية، لا تتوقف عن السياسات المهددة لاستقرار المنطقة، مما أحوجهم إلى استقدام تلك القوات، والاتفاق مع إسرائيل في بعض الأحيان.

وفي هذا الصدد يلاحظ منتدى الشرق الأوسط مفارقة أن "الجمهورية الإسلامية في الأيام المقبلة ستكتشف أنها حققت إنجازاً لافتاً، فقد وحدت دول الخليج العربي والولايات المتحدة وإسرائيل في قضية مشتركة، ليس عن طريق الدبلوماسية، بل عن طريق صواريخها"، من حيث أرادت إبعادهم.

لكن طهران بعد عقود من اللعب على "حافة الهاوية" واستخدام الأذرع الصاروخية والميليشيات لترهيب الجوار وابتزاز العالم، ارتدت هذه الاستراتيجية عكسياً لتُحاصر صانعها، لكن ذلك بدلاً من أن يجعلها تراجع سياساتها التي أوردتها ذلك المنقلب، مضت في سلوك "الخداع الاستراتيجي" السابق نفسه، وجعلت تبرر عدوانها على جيرانها بمختلف الذرائع المتداعية على ألسنة تصريحات زعماء البلاد قبل غيرهم، فما يدلي به زعيم في الصباح ينقضه آخر في المساء بفعل على الأرض أو تصريح مغاير، مما جعل الدولة الكبيرة تقف وحيدة في مواجهة الهاوية التي حفرتها لغيرها، بينما تظل العواصم التي استهدفتها أكثر تماسكاً وقدرة على حماية مكتسباتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

هذا التناقض المتسلسل عبر العصور يفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل تعيش طهران حالة صراع داخلي بين أجنحتها، أم إنها تدير بوعي استراتيجية مزدوجة توظف فيها الخطاب لتضليل الخصوم، والفعل لفرض وقائع ميدانية؟

الخداع كأداة لإدارة الوقت

يرى الباحث كريم سجادبور من مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" أن طهران تتقن استخدام الدبلوماسية كأداة تكتيكية لكسب الوقت، لا كمسار حقيقي للتسوية، فهي كما يقول "أتقنت فن البقاء من خلال إظهار المرونة تحت الضغط، لكن هذه المرونة هي انحناء أمام العاصفة وليست تغييراً في الاتجاه"، وتستخدم المفاوضات "كدخان ساتر لمواصلة طموحاتها النووية والإقليمية".
من جهتها، تشير صنم وكيل من تشاتام هاوس إلى أن إيران تعتمد سياسة مزدوجة تجمع بين خطاب رسمي يحترم السيادة، وتحركات ميدانية عبر وكلاء مسلحين، معتمدة على "استراتيجية الإنكار المعقول؛ فهي تدعي احترام الجوار، بينما تدعم شبكات غير دولية لزعزعة خصومها"، معتبرة في أحد تعليقاتها أن هذا التناقض "ليس عشوائياً بل وسيلة لتجنب المسؤولية المباشرة".

وأثارت مزاعم مسؤولين إيرانيين استهجاناً خليجياً وعالمياً على نطاق واسع، حين ادعى أخيراً مسؤولون في النظام أن المسيرات التي تستهدف المواقع المدنية في المدن الخليجية ليست إيرانية وإنما نسخ مزورة منها، أطلقها الأميركيون للإيقاع بين الجيران في المنطقة!

 

وتصف الباحثة المتخصصة في شؤون البيت الأبيض مرح البقاعي، هذا النهج من طهران بأنه "غدر وخداع، يظهر جانباً من وجه النظام الذي جعله يكسب الأعداء حول العالم أكثر من الأنصار".

 وتؤكد البقاعي أن الموقف الأخلاقي الذي التزمته دول الخليج، والقائم على احترام القانون الدولي والحفاظ على الأمن الإقليمي رغم تعرضها لضربات يومية، لم يُقابل من إيران بالمثل، بل قوبل بسلوك عدائي يتجاهل اعتبارات الجوار والاستقرار. وتشير إلى أن هذه الدول لم تكتفِ بضبط النفس، بل سعت أيضاً إلى التوسط لدى الولايات المتحدة لتجنب استهداف طهران، "لكنها فوجئت باستمرار الهجمات من دون مراعاة لأي من هذه الجهود"، معتبرة أن ما جرى "اتسم بالغدر والطعن في الظهر". وتضيف أن هذا المسار قد يكون أفقد إيران الخليج إلى الأبد أو أعوام ستكون طويلة، ولهذا تعتبر "الوقت ربما حان لأن تتبنى دول الخليج موقفاً موحداً أكثر حزماً، يصل إلى حد الانخراط مع الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة لوقف هذا التصعيد".

لكن تحليلات مجموعة الأزمات الدولية تذهب أن ما يبدو انفصاماً هو في الواقع براغماتية حادة تخدم بقاء النظام. وجاء في أحد تقاريرها أن "النظام الإيراني يوزع الأدوار بدقة؛ دبلوماسيون يتحدثون بلغة القانون الدولي، مقابل تحركات ميدانية للحرس الثوري لتقويض هذا القانون"، في محاولة لخلق ضبابية تعيق أي رد دولي موحد، إلا أنه فشل في ذلك حين تمكنت الدبلوماسية الخليجية من تمرير قرار في مجلس الأمن يدين هجمات طهران على الخليج، من دون اعتراض روسي أو صيني.

ويؤكد باتريك كلاوسون من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن هذا التناقض يعكس أزمة بنيوية أعمق، بوصف "إيران تروج لنفسها كقوة أخلاقية، لكن أفعالها تعكس سعياً للهيمنة"، وهو ما أدى إلى تآكل مصداقيتها خارجياً وداخلياً.

 

مزاج خليجي متقلب

وقد يكون هذا الذي أوصل أطراف في الخليج كانت تدافع عن إيران، وتحذر من الهجوم عليها أول الأمر، إلى النقمة عليها لاحقاً، حتى تبدلت المواقف الشعبية والرسمية ضدها رأساً على عقب.

ويشير في هذا الصدد مركز "الخليج للأبحاث" إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل عندما شنا حملتهما العسكرية ضد إيران، "سادت في دول مجلس التعاون حالة من الغضب والاستياء، مع تعاطف ملحوظ مع إيران وشعبها، كما هي الحال في العالم العربي والإسلامي، حيث نُظر إلى الحرب بوصفها عدواناً غير مبرر يستهدف إضعاف إيران، وربما تفكيكها، وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بما يصب في مصلحة إسرائيل".

 لكنه وثق أن هذا المزاج تغير سريعاً وبحدة مع الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي أطلقها الحرس الثوري باتجاه مدن ومنشآت في دول مجلس التعاون، تحت ذريعة استهداف قواعد أمريكية " فقد أظهرت أنماط هذه الهجمات أنها تستهدف دول الخليج بشكل مباشر، بعدما طالت منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية، بما في ذلك المطارات ومنشآت الطاقة والمياه والمرافق السياحية، بل وحتى الأحياء السكنية في بعض الدول مثل البحرين".

 

ورجح أن يؤثر هذا التحول في المزاج العام على السياسات الخليجية تجاه إيران في المرحلة المقبلة، إذ سيكون من الصعب على الحكومات "تجاهل رأي عام بات ينظر إلى إيران باعتبارها عدواً"، كما أن استمرار استهداف دول الخليج يعكس نقصاً في التقدير الاستراتيجي لدى من يتخذون القرار في إيران اليوم، في ضوء حقيقة أن إيران ستحتاج إلى جيرانها بعد انتهاء الحرب.

المأزق الذي أوقع فيه التناقض إيران، جعل أمين المجلس القومي فيها علي لاريجاني قبل ساعات من مقتله يشكو إلى العالم الإسلامي حالة العزلة التي تعيشها بلاده والانكشاف، قائلاً "تعلمون أنه، باستثناء حالات نادرة وفي حدود المواقف السياسية فقط، لم تقف أي دولة إسلامية إلى جانب الشعب الإيراني"، قبل أن يتساءل "فالمواجهة اليوم بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران المسلمة وقوى المقاومة من جهة أخرى. فإلى أي جانب تقفون"؟

في غضون ذلك لم تجد أطراف دولية خارج الإقليم من فهم الموقف الذي وجدت إيران فيه نفسها، إذ يرى منتدى الشرق الأوسط في أحد تحليلاته أن الرد الإيراني غير المدروس على أميركا وإسرائيل باستهداف مدن الخليج، لم يزد على أن "وحد العالم العربي ضد المحور الشيعي".

وأضاف، "أمضت الجمهورية الإسلامية أربعة عقود في بناء سردية "محور المقاومة" لتصوير نفسها كبطلة العالم الإسلامي في مواجهة القوى الغربية والإسرائيلية. وفي صباح واحد، دمرت الصواريخ الباليستية الإيرانية تلك السردية تدميراً كاملاً يفوق قدرة أي قنبلة أمريكية أو إسرائيلية على تدميرها".

في غضون ساعات من الضربات الإيرانية الانتقامية على دول الخليج، أصدرت السعودية والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة بيانات إدانة رسمية، ليس للحملة الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وهي مواقف لم تكن مجرد تعبيرات دبلوماسية مترددة عن القلق، بل كانت بمثابة إعلانات نعي لأعوام التهدئة والاستقرار وحسن الجوار التي استثمرت فيها دول الإقليم مع إيران.

مع بروز هذه الأزمة لم يسعَ بعض شخصيات النظام نكرانها، في مثل الرئيس مسعود بزشكيان الذي دفعه هذا المشهد إلى الاعتذار لدول الخليج، في خطوة أثارت جدلاً كبيراً بين الصقور في طهران وأحوجته إلى التصحيح مجدداً. لكن سفير الجمهورية لدى الرياض علي رضا عنايتي، قال بصراحة إن "العلاقة القائمة بين إيران ودول الخليج تحتاج إلى وقفة جادة ومراجعة".

الخطابات المتناقضة عوض الصواريخ

ويعتقد المحلل السياسي السعودي صالح الخثلان أن الدعاية الخطابية بين عناصر النظام والمحللين المحسوبين على محورهم تشكل جانباً من التعويض عن تناقص الزخم العسكري، "وكأن المشهد يسير بعكس الاتجاه؛ فكلما خفت وتيرة القصف، تضاعفت وتيرة التحليل والشحن الخطابي، حتى باتت الشاشات ومنصات التواصل تضج بخبراء إيران أكثر مما تضج سماء الخليج بمسيراتها".


في ضوء التصعيد الإقليمي، يبدو أن مساحة "الخداع الاستراتيجي" التي اعتمدت عليها طهران بدأت تضيق، مع تزايد القدرة على رصد تحركاتها ومحاسبتها. وفي ذات الوقت، يهدد استمرار هذا النهج بتآكل الثقة داخلياً، مما يضع النظام أمام معادلة صعبة: إما التكيف مع واقع جديد أقل غموضاً، أو مواجهة ضغوط خارجية وداخلية قد تتقاطع في لحظة واحدة.

خاتمة لاريجاني

إذا أردت أكثر المواقف تناقضاً فليس أقرب من "خاتمة لاريجاني" التي أدرك فيها متأخراً فداحة انقلاب موقف مزاج العالم الإسلامي ضده، وهو الذي لم يراعِ وحكومته أبسط أبجديات "وحدة المسلمين" ورموزهم.

فبينما يستشهد بالنصوص النبوية حول نصرة المسلمين، يتناسى أن صواريخ نظام "ولاية الفقيه" ومسيراته الانتحارية لم تراعِ حرمة الزمان ولا المكان؛ إذ وُجهت تهديداتها مباشرة نحو السعودية، قلب العالم الإسلامي وقبلة المسلمين، وفي أقدس الأوقات حيث تحتضن المملكة في موسم رمضان الحالي عشرات الملايين من المعتمرين والزوار، بمن فيهم آلاف الإيرانيين، الذين انقطعت بهم السبل لولا تسهيلات القيادة السعودية.

الاستدعاء المتأخر لمفهوم "وحدة الأمة" يكشف عجزاً استراتيجياً وانفصاماً صارخاً؛ فطهران التي تدعي اليوم "النصح" هي ذاتها التي حاولت مئات المرات استهداف المنشآت الحيوية في الدولة التي تسهر على رعاية الحرمين الشريفين وتقديم الخدمات اللوجيستية الضخمة لضيوف الرحمن.

وبدلاً من احترام دور المملكة القيادي في خدمة الإسلام، اختار النظام الإيراني توزيع التهديدات على جنبات "حصن الدبلوماسية" ومنصات الاستقرار، ليجد نفسه في نهاية المطاف واقعاً في "الفخ" الذي نصبه، ومنكشفاً أمام الشعوب الإسلامية التي تدرك جيداً الفرق بين من يبني ويحمي الحرمين، ومن يروع قاصديهما تحت مبررات زائفة.

اقرأ المزيد

المزيد من