ملخص
تحول ميناء داروين الأسترالي إلى ساحة صراع جيوسياسي محتدم بين الصين وأستراليا، وسط محاولات كانبيرا لإنهاء عقد إيجار صيني مثير للجدل، وتنافس أميركي متجدد على استثماره، مما يعكس تصاعد التوتر في المحيطين الهندي والهادئ وتنامي الشكوك حول النفوذ الصيني.
تتواجه الصين وأستراليا في صراع للسيطرة على ميناء أسترالي، وسط تزايد القلق في شأن النفوذ المتنامي لبكين بصورة متسارعة داخل منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتعارض الصين بشدة خطة وضعتها أستراليا لإنهاء عقد الإيجار المثير للجدل والذي يمتد لعقود، لميناء مدينة داروين الواقعة شمال البلاد.
وتفاقم الخلاف بين الطرفين هذا الأسبوع بعد ورود تقارير تشير إلى أن شركة استثمار أميركية خاصة اسمها "سيربيروس" Cerberus أبدت اهتماماً باستئجار الميناء.
وكان كل من حزب العمال الحاكم في أستراليا والائتلاف الليبرالي-الوطني [المعارض] تعهدا خلال الحملة الانتخابية الأخيرة بإلغاء عقد إيجار "لاندبريدج" للميناء. و"لاندبريدج" هي مجموعة شركات خاصة متعددة الجنسيات تعمل في مجال الموانئ والخدمات اللوجيستية، تتخذ من الصين مقراً رئيساً لها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأعلن رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي خلال الشهر الماضي أن الميناء يجب أن يكون "بأيد أسترالية"، وتعهد باستعادة السيطرة على "الأصول الاستراتيجية". وبحسب التقارير فقد مضى حتى إلى حد القول إنه مستعد لتأميم الميناء في حال تعذر العثور على مشتر جديد له.
ويعد ميناء داروين ذو الموقع الاستراتيجي قبالة قاعدة داروين الدفاعية إحدى بوابات التجارة الحيوية لأستراليا، إذ إنه يربط البلاد بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وتفيد تقارير بأن الميناء العميق سجل مرور نحو 4.5 مليون شحنة، وهو مركز إمداد أساس لمشاريع النفط والغاز الأسترالية.
وكانت حكومة ولاية الإقليم الشمالي منحت عقد استثمار الميناء لمدة 99 عاماً لشركة "لاندبريدج" مقابل 374 مليون جنيه استرليني (نحو 504 مليون دولار) عام 2015، وهي خطوة انتقدها آنذاك الرئيس الأميركي باراك أوباما. ويجري نحو 2000 جندي من مشاة البحرية الأميركية تدريبات لمدة ستة أشهر من العام في داروين، كما تُوسع القواعد الجوية في المنطقة لاستضافة قاذفات أميركية.
وحصلت شركة "لاندبريدج" على العقد بعد بضعة أعوام من نشر الولايات المتحدة أول مجموعة من مشاة البحرية المتناوبة في داروين.
وبدأت أستراليا أخيراً بناء قواعدها العسكرية الشمالية بعد توقيع اتفاق شراكة أمنية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وأصرت الشركة الصينية المستأجرة على رفضها التخلي عن السيطرة على الميناء، ووصفت بكين محاولة الاستحواذ الأميركية بأنها "مشبوهة أخلاقياً".
وحث سفير الصين لدى أستراليا شياو تشيان، كانبيرا على الوفاء [بالتزاماتها بموجب] عقدها مع لاندبريدج، لافتاً إلى أن الشركة استثمرت "بصورة كبيرة" في المنشأة.
وقال السفير في بيان أصدره يوم الأحد الماضي "إن مثل هذا المشروع يستحق التشجيع لا العقاب". وأضاف "وما يثير تساؤلات أخلاقية هو تأجيره حين لم يكن مربحاً، ثم السعي لاستعادته بعد أن أصبح يدر الربح".
وبات ميناء داروين أحدث نقطة خلاف في العلاقات بين أستراليا والصين، والتي شهدت تحسناً كبيراً خلال الأعوام الثلاثة الماضية منذ انتخاب السيد ألبانيزي في مايو (أيار) 2022.
ولا يزال البلدان على خلاف في شأن سعي الصين لفرض هيمنتها على المياه الواقعة بينهما، ولا سيما بسبب المناورات التي أجرتها بكين بالذخيرة الحية خلال وقت سابق من هذا العام مقابل الساحل الشرقي الأسترالي، الذي يغص بالسكان.
وصرحت وزارة الخارجية الصينية هذا الأسبوع بأن شركة "لاندبريدج" حصلت على عقد الإيجار من السوق المفتوحة، بالتالي من الضروري أن تتمتع حقوقها ومصالحها المشروعة بالحماية الكاملة.
وحذرت صحيفة "غلوبال تايمز" Global Times، الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، في افتتاحية لها من أن سحب أستراليا عقد الإيجار من "لاندبريدج" بالقوة سيؤدي إلى "مشكلات كبيرة ومستمرة للبلاد".
وزعمت الصحيفة أن " لاندبريدج" استثمرت نحو 40 مليون جنيه استرليني (نحو 54 مليون دولار) في تطوير مرافق الميناء، مما أدى إلى زيادة بنسبة 95.7 في المئة في إجمال الحمولة الكلية للسفن المقبلة.
في غضون ذلك [أفيد بأن] شركة "سيربيروس كابيتال مانجمنت" Cerberus Capital Management، التي أسسها المستثمر الملياردير ستيفن فاينبرغ والذي عين نائباً لوزير الدفاع الأميركي في مارس (آذار)، تقوم بإعداد عرض رسمي لشراء الميناء، طبقاً لصحيفة "ذا أستراليان" The Australian.
وبحسب صحيفة "ذا أستراليان فاينانشال ريفيو" The Australian Financial Review، فإن "سيربيروس" دخلت في شراكة مع شركة الشحن الأسترالية "تول" Toll من أجل تهدئة المخاوف في شأن الملكية الأجنبية للميناء الاستراتيجي.
وإذا نجحت "سبيروس" في تأمين عقد إيجار الميناء، فسيكون ذلك بمثابة انتصار استراتيجي كبير لإدارة دونالد ترمب في خضم الحرب التجارية الدائرة مع الصين حول الرسوم الجمركية المرتفعة.
من جانبها، صرحت حكومة ألبانيزي بأنها تقوم خلال الوقت الحالي بعملية منفصلة، بغية التعرف على المشترين والمستثمرين المحليين المحتملين للميناء.
وقال النائب الفيدرالي لوك غوسلينغ المبعوث الخاص لشؤون الدفاع وشمال أستراليا لوكالة "رويترز"، "لقد عقد عدداً من الاجتماعات مع أطراف محتملة لميناء داروين، وسنعمل على هذه العملية بصورة منهجية".
وأبلغ أمين صندوق الإقليم الشمالي بيل يان البرلمان خلال الأسبوع الماضي بأن الميناء يجب أن يكون مستعداً لاستقبال "لوجيستيات دفاعية أثقل، ولزيادة في صادرات المعادن الأساس ولشحنات الغاز الطبيعي المسال المتزايدة"، وأن يعمل بما يخدم "المصالح الأسترالية".
وعدَّ مدير برامج الأمن القومي في المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية Australian Strategic Policy Institute جون كوين أن موافقة "لاندبريدج" على بيع عقد الإيجار مع هامش ربح، تشكل طريقة [لمعالجة الأمر] أسهل بالنسبة إلى حكومة ألبانيزي من الاضطرار إلى التدخل وفسخ عقد الإيجار لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وهو ما قد يثير رد فعل عنيف من جانب الصين.
وقال كوين "لن تسر بكين بتصفية أصل كهذا". وأضاف أن ذلك قد يضعف حماسة الاستثمارات الأجنبية الأخرى في أستراليا.
من جهتها، أصرت شركة "لاندبريدج" على أنها لا تنوي إنهاء عقد الإيجار. وقال المدير غير التنفيذي للشركة تيري أكونور "لم تتلق لاندبريدج حتى الآن أية عروض، ولم يجر التواصل معها على أي مستوى حكومي".
وتابع "يسير العمل كالمعتاد في ميناء داروين، ونواصل التركيز على نمو عملياتنا".
ويعد داروين ثاني ميناء رئيس يقع في فخ الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وتحاول الأخيرة أن تمنع تكتل "سي كي هاتشينسون" CK Hutchison الذي يتخذ من هونغ كونغ مقراً له، من بيع موانئها القائمة على قناة بنما لشركة الاستثمار الأميركية "بلاك روك" BlackRock مقابل 14 مليار جنيه استرليني (نحو 19 مليار دولار).
وأفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" الشهر الماضي نقلاً عن أشخاص مطلعين على الأمر، بأن شركة "أم أس سي" MSC للشحن، وهي جزء من مجموعة "بلاك روك"، أجرت مناقشات في شأن المضي قدماً في تنفيذ الجزء الأكبر من الصفقة، ريثما تُحل النزاعات حول الميناءين.
وأعلن قطب الأعمال لي كا شينغ خلال مارس (آذار) الماضي أن تكتل "سي كي" "سيبيع حصته البالغة 80 في المئة في إدارة الموانئ التي تغطي 43 ميناء داخل 23 دولة.
© The Independent