Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشنقة الضفة... "الكونتينر" أبعد من حاجز عسكري

يخسر الفلسطينيون بسبب الحواجز نحو 70 مليون ساعة عمل سنوياً بأكثر من 200 مليون دولار

هذا الواقع يفرض على الفلسطينيين العيش في انعدام يقين مستمر يصعّب عليهم الحياة، فضلاً عن الإهانة (أ ف ب)

ملخص

مع مرور الوقت تطور الحاجز شيئاً فشيئاً، ليصبح اليوم من أهم وأبرز الحواجز العسكرية المجهزة تكنولوجياً بمعدات مراقبة عالية وبوابات إلكترونية وإشارات مرور وكاميرات بيومترية وأنظمة إغلاق أرضية وغيرها. وبمجرد إغلاقه يعزل نحو مليون و100 ألف فلسطيني يعيشون في محافظتي الخليل وبيت لحم، بحسب تقديرات جهاز الإحصاء الفلسطيني، عن وسط الضفة الغربية وشمالها بصورة كلية.

في السادسة صباحاً، خرج أحمد خضر (30 سنة) من مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية لإجراء مقابلة عمل مهمة في رام لله، وكان يفترض أن يستغرق وصوله إليها 45 دقيقة فقط، ولكنه وصل بعد أربع ساعات وقد فاته الموعد، وهو ما ترك في نفسه إحساساً بالقهر والخيبة من واقع مرير لا يقوى على تغيره.

فحاجز "الكونتينر" الإسرائيلي المقام على قمة أحد جبال "وادي النار" في بلدة السواحرة الشرقية جنوب الضفة، والمعزز بالجنود والمعوقات والمسامير الأرضية والإشارات الضوئية، لم يعد مجرد حاجز عسكري تتحكم إسرائيل من خلاله في حركة وتنقل الفلسطينيين هنا وهناك، بل أصبح نقطة مركزية لإسرائيل تفصل بين شمال الضفة الغربية ووسطها عن جنوبها خلال دقائق معدودة، ومن دون حاجة سوى إلى الحد الأدنى من الجنود.

ومع اشتداد أحداث الانتفاضة الأولى عام 2000، وشن الجيش الإسرائيلي عملية "السور الواقي" على مدن الضفة الغربية عام 2002، بدأت إسرائيل فرض سيطرتها على الطريق التي شقها الفلسطينيون بالأساس وسط الوادي كبديل عن الطريق الرئيس الذي كان يصل بين جنوب الضفة وشمالها عبر مدينة القدس، ولا يحتاج إلى أكثر من 20 دقيقة.

 

تدريجاً تحول المكان من مجرد حاجز إسرائيلي طيار (مفاجئ) بجانب حاوية بضائع "كونتينر" استخدمها الفلسطينيون آنذاك كاستراحة، إلى نقطة ثابتة للجيش ومنع السيارات من العبور منها، ولم يسمح للفلسطينيين باجتياز الحاجز الجديد حينها إلا مشياً على الأقدام بعد التفتيش وتدقيق الهويات، لكن مع مرور الوقت تطور الحاجز شيئاً فشيئاً ليصبح اليوم من أهم وأبرز الحواجز العسكرية المجهزة تكنولوجياً بمعدات مراقبة عالية وبوابات إلكترونية وإشارات مرور وكاميرات بيومترية وأنظمة إغلاق أرضية وغيرها. وبمجرد إغلاقه يعزل نحو مليون و100 ألف فلسطيني يعيشون في محافظتي الخليل وبيت لحم، بحسب تقديرات جهاز الإحصاء الفلسطيني، عن وسط الضفة الغربية وشمالها بصورة كلية.

إلى جانب حاجز "الكونتينر" شرق القدس، الذي يفصل جنوب الضفة عن وسطها، هناك حواجز أساسية تقسم شمال الضفة عن وسطها، كحاجز "زعترة" بين نابلس ورام لله، وحاجز "الحمرا" الذي يقيد دخول الفلسطينيين إلى منطقة الأغوار. ووفقاً لتقرير البنك الدولي، فإن القيود المفروضة على الفلسطينيين أمام الحواجز الإسرائيلية تتسبب في غياب القدرة على وضع جداول زمنية يمكن الالتزام بها لوصول البضائع والمواد الخام بين مدن الضفة الغربية، وهو أحد العوامل الأساسية التي تمنع الاستقرار الاقتصادي والتنمية الجدية في أراضي الضفة.

طرق وعرة

خلال الأعياد اليهودية تفرض إسرائيل إغلاقاً كاملاً على الفلسطينيين في الضفة الغربية، في ما بات يعرف بالعبرية باسم "سيغر"، وهو إجراء عسكري يستند إلى مسوغات "قانونية" و"إدارية" و"إجرائية" تفرضه البنية العسكرية الإسرائيلية خلال الأعياد، أو في ظل الكوارث الطبيعية، أو مع تصاعد العمليات الفلسطينية عند الحواجز ونقاط التفتيش، لكن فلسطينيين يمرون يومياً من حاجز "الكونتينر" يؤكدون أن تبديل الورديات بين الجنود كفيل بإغلاق الحاجز تماماً لساعات حتى تنتهي الإجراءات، مما يشكل زحاماً كبيراً يمتد بين المركبات على طول الطريق في الاتجاهين، إذ لا يزيد عرضها في بعض الأماكن على خمسة أمتار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينت دراسة إحصائية أجرتها بلدية العبيدية شرق بيت لحم في وقت سابق أن نحو 22 ألف مركبة تقطع الطريق يومياً من جنوب الضفة إلى وسطها وبالعكس، وعلى رغم أن الطريق صعب وخطر يصل بين قمتي جبلين، حاول الفلسطينيون ابتكار طرق بديلة أكثر خطراً كمهرب من الحاجز الذي أصبح بحسب تعبيرهم "محطة للتنكيل والإذلال"، لكن خطر التزحلق وانقلاب المركبات أو إطلاق النار من الدوريات المتحركة أحياناً حالت دون ذلك، وهو ما ضاعف المعاناة بالنسبة إلى أولئك الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو مشكلات صحية ويحتاجون إلى الوصول بأسرع ما يكون لمستشفيات في وسط الضفة الغربية وشمالها.

وبحسب من يعايشون المرور من الحاجز منذ عقدين وأكثر بصورة شبه يومية، فإن إجراءات الجنود على حاجز "الكونتينر" والاختناق المروري الناتج منها أعاقا وصول حالات طارئة عدة في الوقت المناسب وفارقوا الحياة. وسبق أن حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من أن الوصول إلى الرعاية الصحية في الضفة الغربية يتدهور بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على حرية الحركة والتنقل، فضلاً عن إعاقة وصول الفلسطينيين إلى الخدمات الأساسية. في حين أكدت منظمة "أطباء بلا حدود" أن القيود المفروضة على الحركة في حالات الطوارئ الطبية قد تؤدي إلى تداعيات مهلكة، مشيرة إلى إعاقة حركة سيارات الإسعاف واستهدافها. وبحسب سلسلة تقاريرها المدرجة على موقعها الإلكتروني، ازدادت القيود التي تفرضها القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية بصورة كبيرة منذ بدء الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، موضحة أنها كثيراً ما تواجه انقطاعاً في خدمات عياداتها المتنقلة، إذ تمنع من دخول مناطق معينة أو تواجه قيوداً على الحركة في العطل الرسمية الإسرائيلية.

خسائر مضاعفة

إغلاق حاجز "الكونتينر" عشرات المرات بصورة كلية أمام المواطنين ولساعات طويلة لأسباب غير معلومة، والتسبب بطوابير طويلة من المركبات جراء التفتيش الدقيق في هويات الركاب والسائقين، خصوصاً بعد أحداث السابع من أكتوبر، انعكس سلباً على قطاع المواصلات، وإلى جانب انخفاض عدد الركاب الذين باتوا يتجنبون التنقل من جنوب الضفة للوسط أو الشمال، لما يمثله الحاجز من معاناة مريرة يومياً، زادت كلف النقل والوقود المستهلك في الوقوف الموقت الطويل. كما قيدت السلطات الإسرائيلية الدخول عبر بعض الحواجز بساعات محددة، ولم تعد تعمل كما كانت سابقاً على مدار 24 ساعة، وهو ما أجبر سائقي المركبات العمومية على سلوك طرق وعرة وضيقة وبعيدة داخل القرى الفلسطينية تحتاج إلى الالتفاف لمسافات طويلة.

 

ويقدر رئيس نقابة أصاحب شركات الحافلات في الضفة الغربية عبدالله الحلو تراجع التنقل داخل الضفة الغربية بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المئة، وبينت دراسة سابقة لمعهد الأبحاث التطبيقية (أريج) أن استهلاك الفلسطينيين لوقود إضافي بنحو 80 مليون لتر في السنة نتيجة تقييد الحركة تقدر كلفه بـ135 مليون دولار، يؤدي إلى زيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 196 ألف طن سنوياً.

وبحسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسليم)، فإن فرض القيود على حركة الفلسطينيين سكان الأراضي المحتلة وتنقلهم هو "أحد الأدوات المركزية التي تستخدمها إسرائيل لغرض تطبيق نظام السيطرة على السكان الفلسطينيين، في مقابل تسهيلات لا محدودة للمستوطنين". ووفق المنظمة، فإن هذا الواقع "يفرض على الفلسطينيين العيش في انعدام يقين مستمر يصعب عليهم تنفيذ أبسط المهمات، فضلاً عن ساعات انتظار طويلة على الحواجز يرافقها إعاقات وإهانة على يد الجنود".

وقالت حركة "محسوم ووتش" الإسرائيلية، التي تضم مئات النساء اليهوديات المتطوعات بالتناوب يومياً على مراقبة الحواجز العسكرية من شمال الضفة الغربية وحتى جنوبها، في تقرير "إن التعليمات الصادرة للجنود في شأن كيفية التعامل مع الفلسطينيين هي في حال تقلب وتغير دائم، ويغلب عليها مزاج وسياسة الجنود الموجودين على الحاجز".

أرقام ودراسات

وفقاً لتوثيق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن أكثر من 146 بوابة حديدية أقامتها إسرائيل في أنحاء الضفة الغربية منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر 2023، منها 17 منذ بداية العام الحالي. وبحسب الأرقام الرسمية الفلسطينية، فإن مجموع كل الحواجز اليوم في الضفة الغربية يصل إلى 900، منها حواجز عسكرية مأهولة بالجنود، وأخرى طيارة (مفاجئة)، وحواجز ملموسة ثابتة قد تكون أسمنتية أو ترابية أو بوابات حديدية أو خنادق. وأكدت أن غالب مداخل القرى والبلدات والمدن والمخيمات باتت مغلقة ببوابات حديدية مقفلة أغلب الوقت، لذلك يضطر السكان إلى التنقل بين جانبي البوابات سيراً على الأقدام، بينما تفصل الحواجز العسكرية غالباً بين المحافظات.

 

وأظهرت دراسة بحثية نشرها معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) في مارس (آذار) الماضي، أن عدد ساعات العمل الضائعة يومياً على الفلسطينيين بسبب سياسة الحواجز الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية ووسطها تقدر بنحو 191146 ساعة، وتكلف الاقتصاد الفلسطيني شهرياً ما يعادل 62.2 مليون شيكل (16.8 مليون دولار). كما أوضحت الدراسة أن المسافات الإضافية التي يقطعها السائقون لتجنب الحواجز تؤدي إلى استهلاك وقود إضافي يقدر سنوياً بنحو 22 مليون شيكل (6 ملايين دولار). وتظهر البيانات التي جمعت من مكاتب سيارات الأجرة، أن حركة النقل بين المدن الفلسطينية انخفضت بنسبة 51.7 في المئة بعد بدء الحرب على غزة.

ووجدت الدراسة أن الحواجز الإسرائيلية وقيود الحركة في الضفة الغربية "هي جزء من استراتيجية إسرائيلية لتطبيق نظام الفصل العنصري على الفلسطينيين"، إذ تعمل على عزل المناطق الفلسطينية عن بعضها بعضاً، وتعرقل حركة الفلسطينيين. وأكدت النتائج أن القيود على الحركة تؤثر بصورة كبيرة في الاقتصاد الفلسطيني، وتسهم في ارتفاع نسبة البطالة وتدني الأجور بسبب صعوبة وصول العمال إلى أماكن عملهم، كما تؤدي الحواجز إلى تعطيل حركة البضائع، مما يزيد من كلف النقل ويتسبب في تلف بعض المنتجات نتيجة الانتظار الطويل على الحواجز.  

بالنسبة إلى وزارة الخارجية الفلسطينية، فإن السلطات الإسرائيلية تقسم الضفة الغربية مكانياً وزمانياً بمئات الحواجز العسكرية في "ضم معلن" للأراضي الفلسطينية و"تقويض لحل الدولتين"، لكن بالنسبة إلى خضر الذي خسر وظائف عدة بسبب الحواجز فإن مهمة "الكونتينر" ومئات الحواجز الأخرى المنتشرة في الضفة الغربية منذ عام 2000 وحتى اليوم، لم ولن تقتصر فقط على عزل الفلسطينيين أو إيقاف حركتهم، وإنما إخضاعهم وضبط سلوكهم ومستوى معيشتهم الاقتصادي، إلى جانب تأمين عبور آمن للمستوطنين الذين يحظون بشوارع خاصة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير