Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين "بي بي سي" وقصر باكينغهام عداوة كامنة وود سافر

وثائقيات مغضوب عليها ومقابلات كارثية ورطت أفراد العائلة الملكية مقابل تغطيات تاريخية وصفت بالبوق الدعائي للملوك والأمراء

الأمير هاري متحدثا إلى "بي بي سي" في لقاء وصف بالحصري (رويترز)

ملخص

تاريخ من المناوشات بين هيئة الإذاعة البريطانية والعائلة الملكية، آخر فصوله مقابلة الأمير هاري الأخيرة، التي بحسب المراقبين بمثابة القشة الأخيرة في علاقته بأبيه وشقيقه.

"كنا ثلاثة في هذا الزواج"... عبارة لا يمكن أن ينساها المتابعون لشؤون العائلة الملكية البريطانية، حين أطلقتها أميرة ويلز الراحلة ديانا سبنسر عندما أطلت مع الصحافي مارتن بشير على "بي بي سي"، في المقابلة التي بثت في نوفمبر (تشرين الثاني) 1995. مقابلة مدوية كان لها أثر بالغ شديد السوء في كل الأطراف المرتبطين بديانا في ذلك الوقت، فيما الأميرة الهادئة كانت هي المتضرر الأكبر، وربما جملتها التي صاغتها في شأن زواجها "المزدحم" في إشارة إلى خيانة الأمير تشارلز وقتها لها مع كاميلا باركر، أسهمت في رسم صورة ذهنية سلبية استمرت أعواماً تجاه الملكة القرينة الحالية، مع ذلك لم تتوقف تعاونات هيئة الإذاعة البريطانية والعائلة الملكية، وفي أغلب الأوقات كان الشد والجذب حاضراً.

وعلى رغم السمعة التي بنتها "بي بي سي" على مدى أكثر من قرن في ما يتعلق بالمعايير العالية في خدمتها الإعلامية، فإنها كانت سبباً مباشراً في إثارة تساؤلات حول سبب كل هذه الأزمات التي تثيرها تغطياتها أخبار وتصريحات وحياة التاج البريطاني، من مقابلة الأميرة ديانا والأمير أندرو، مروراً بعدد من الوثائقيات التي أثارت أكثر من زوبعة، ووصولاً لمقابلة الأمير هاري الأخيرة التي اعتبرها كثر سبباً إضافياً لتكريس الانقسام العائلي، إذ صاحبها شرخ جديد في العلاقة بين الأمير المتمرد وذويه في قصر باكنغهام، واللافت أن المؤسسة العريقة اعترفت بنفسها بأن هناك تقصيراً وخللاً من جانبها في ما يتعلق بتعاطيها مع هذه المادة التي حظيت بتغطية وتدقيق من قبل مؤسسات عدة.

الأمير الغاضب يعود

كان من المثير للدهشة أن يختار الأمير هاري "بي بي سي" ليجري معها مقابلة خاصة وحصرية، وتحديداً وهو نفسه الذي كان قد علق بشكل غير مباشر على المعايير "غير الأخلاقية" التي تتبعها الهيئة في ممارسة عملها، متهماً إياها بشكل غير مباشر بأنها السبب في خسارة والدته حياتها، وقد بُث اللقاء الأخير في مطلع مايو (أيار) الجاري من كاليفورنيا بالولايات المتحدة، إثر خسارته الدعوى التي أقامها مطالباً فيها الجهات المسؤولة في المملكة المتحدة برفع مستوى تأمينه وعائلته بعدما خُفض تصنيفه عقب تنحيه عن مهامه الملكية قبل نحو خمسة أعوام.

ولم يعد مهدداً من وجهة نظر المؤسسة الأمنية، ولذا تقرر تقليل الحراسة إلى مستويات دنيا، وبدا هاري في اللقاء متأثراً بسبب خسارة الاستئناف، ولكنه أيضاً أكد أنه سيتوقف عن النضال مدداً في هذا الشأن، على رغم مما قال إنه يعانيه وزوجته وطفلاه بسبب هذا القرار، مؤكداً أنه لا يمكن أن يغامر بالتعرض للأخطار والسفر إلى وطنه بصحبتهم في ظل هذا المستوى المتدني من التأمين، على رغم مدى شوقه إلى أن يتعرف ليليبت "أربع سنوات" وآرتشي "ست سنوات" إلى مسقط رأسيهما.

 

 

لكن الأمر الذي أثار الانزعاج من قبل أطراف عدة أن هاري أرجع سبب إصرار الجهاز الأمني على موقفه، إلى مؤامرة كيدية من المؤسسة الملكية، وهو تعبير صادم، في الأقل لأن الأمير عبر في المقابلة نفسها عن رغبته في المصالحة مع العائلة المالكة، مشيراً إلى أن الحياة ثمينة، وأنه لا يعلم كم تبقى لوالده على قيد الحياة بعد إصابته بمرض السرطان، فيما أدلت مصادر مقربة من الأمير تشارلز بتصريحات عقب هذه المقابلة المثيرة للجدل، أكدت أن ما قاله هاري عمّق الفجوة تماماً بين أسرته الصغيرة وقصر باكنغهام، وجعل المصالحة أصعب من أي وقت مضى، على عكس ما كان يتمنى هاري، كما وصفه بعض مساعدي الملك الذين رفضوا الإفصاح عن هويتهم بأنه فقد الاتصال بالواقع تماماً ولم يفهم رسائل والده أبداً.

هذه الأزمة الطازجة لها جانب آخر متعلق بالمعايير التي اتبعتها "بي بي سي" خلال عرض قضية الأمير هاري، الذي ظل يكرر تشكيكه في قرارات الحكومة والجهات الأمنية، وعبر موقعها الرسمي قالت "بي بي سي" إنها فشلت في الرد على حجته، إذ كان ينبغي للمؤسسة أن تضمن في برنامج "توداي" الذي ظهر به هاري وجهات نظر وزارة الداخلية وقصر باكنغهام، وألا تكتفي بتكرار مزاعم انتقاد هاري مستويات تقييم الأخطار التي اتبعتها الجهات المعنية من دون أن يكون هناك مجال لعرض وجهة نظر الطرف الآخر.

مقابلة تاريخية ومأسوية

أعادت هذه المقابلة الذاكرة للحوار الذي امتد قرابة الساعة للأميرة ديانا عبر الشاشة نفسها قبل نحو 30 عاماً، حين كان لظهورها آثار مدمرة، وقد خلص تحقيق قبل أربعة أعوام إلى أن الصحافي مارتن بشير الذي أجرى المقابلة قد خدع ديانا، وأوهمها عن طريق وثائق مزورة تتضمن كشوفاً مصرفية بأن أجهزة الأمن كانت تدفع لأشخاص مقابل التجسس عليها في أدق خصوصياتها، وعلى أثر هذه المعلومات المضللة وغيرها وافقت على الظهور حزينة ومنكسرة، ومن جهته عبر هاري عن حزنه العميق لما بدر من المؤسسة الإعلامية العريقة، ومع ذلك أعاد هو الكرة من جديد.

فيما كان شقيقه الأكبر الأمير وليام قد أصدر بعد ظهور نتائج هذا التحقيق المستقل بياناً شديد اللهجة، ومن بين ما جاء فيه أن المقابلة كانت قد أسهمت بصورة كبيرة في تدهور علاقة والديه، وأنه يلوم على الهيئة عدم اتخاذها الشكاوى التي انطلقت عقب بث اللقاء بجدية، مما كان سيجعل والدته حينها قادرة على التأكد من تعرضها للخداع، وألقى اللوم بصورة مباشرة على رؤساء كبار في "بي بي سي"، لافتاً إلى أن إدارة كواليس ما قبل اللقاء أّرت بشدة في نوعية التصريحات التي أدلت بها الأميرة على الملأ وتابعها عشرات الملايين، بل وأثرت أيضاً في حياة شخصيات متعددة، وليست أسرته الصغيرة فحسب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن جهته غادر الصحافي مارتن بشير عمله على أثر هذا التحقيق، بعد أعوام من الترقي الوظيفي الذي حققه له سبق ديانا الشهير، ولكنه اكتفى بالاعتذار، رافضاً أن يجري تحميله أية مسؤولية فردية عما لحق بالأميرة، كذلك قدمت "بي بي سي" اعتذاراً للأميرين وليام وهاري، ولولي العهد وقتها، وكذلك إيرل سبنسر الشقيق الأصغر لديانا.

وجاءت مقابلة ديانا النارية بعد نحو ثلاثة أعوام من الإعلان عن انفصالها عن الأمير تشارلز، وقبل أشهر قليلة من الطلاق الرسمي. الأميرة الحزينة حققت نصراً وسبقاً لهيئة الإذاعة البريطانية ورفعت اسم محاورها أضعافاً ومنحته مجداً كبيراً، ولكنها أضعفت صدقيتهما وعاش كلاهما مأزقاً مهنياً جعل الضغوط التي تطالب بتحسين سمعة المؤسسة الإعلامية البارزة وإصلاح طريقة عملها تتزايد، فما خلفته مقابلة ديانا على الصعد المهنية والشخصية والرسمية والملكية، لا يمكن تجاهله حتى بعد مرور ثلاثة عقود، فالمقابلة التي شاهدها نحو 40 في المئة من جمهور المملكة المتحدة لحظة بثها فقط، سببت صدعاً كبيراً في العلاقات بين أفراد الأسرة واعتبرها ذووها من الدوافع التي زادت من حزن وعزلة وارتباك الأميرة المحبوبة الراحلة.

فضيحة ملكية على الشاشة

كانت مقابلة ثالثة قد كلفت أحد أعضاء العائلة الملكية البارزين، موقعه وصدقيته وسمعته، وهو الأمير أندرو الابن الثالث للملكة إليزابيث الثانية، حين نُحي عن مهامه الملكية في الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 بعد نحو أربعة أيام فقط من بث مقابلته على قناة "بي بي سي" الثانية التي أشرفت عليها المذيعة المخضرمة إميلي ميتليس والتي جسدت قصة محاولات إقناعها لدوق يورك ـ وقتها ـ بالظهور في فيلم سينمائي عام 2024 بعنوان "سكوب"، استعرض تحضير فريق البرنامج ما يشبه الشرك الإعلامي لإرباك الأمير حول علاقته بجيفري إبستين، الممول الأميركي الشهير الذي دين بجرائم جنسية واتجار بالبشر، انتحر بعدها في محبسه خلال صيف العام نفسه الذي أُجريت به المقابلة.

ووصفت مقابلة الأمير بأنها فضيحة ملكية جديدة وكارثة في مجال العلاقات العامة لا يمكن تجاهلها، ففي محاولة بدت واثقة لإنقاذ سمعته ظهر الدوق مرتبكاً، بل وفي بعض الأوقات متبجحاً وفق آراء المتابعين، حين قلل من ناحية من عدد مرات لقائه إبستين المدان باستغلال فتيات دون الـ15 سنة، وفي الوقت نفسه أبدى عدم ندمه على صداقتهما، معتبراً نفسه قد استفاد من الفرص التي فُتحت أمامه جراء معرفته بإبستين، مشيراً إلى أنه لم يلحظ أي شيء مثير للريبة في سلوكه، كذلك نفى في المقابلة نفسها اتهامه بإقامة علاقة مع فرجينيا روبرتس بالإجبار وهي دون الـ18، وساق حينها ادعاءات كان من السهل دحضها إعلامياً من قبل أطراف عدة.

 

 

كذلك سعت العائلة الملكية قبل نحو ثلاثة أعوام فقط إلى إسكات فرجينيا روبرتس، التي باتت تعرف بفيرجينيا جوفري، عبر تسوية مالية ضخمة، فيما فارقت المرأة التي تحمل الجنسيتين الأسترالية والأميركية وتنشط في مجال الدفاع عن ضحايا الاستغلال، الحياة قبل أسابيع قليلة جراء ما وصف أنه انتحار بعد معاناة طويلة من الاعتداءات والاتجار بالجنس.

ميكروفون دعائي أم خطاب عدائي؟

العلاقة بين العائلة الملكية البريطانية والمؤسسة الإعلامية الإنجليزية الأشهر والأكثر انتشاراً، التي بنت سمعتها على الموضوعية والحياد والصدقية ـ في ما مضى ـ تعتبر تاريخية ومعقدة أيضاً، إذ تُتهم هيئة الإذاعة البريطانية في بعض الأوقات بأنها بمثابة ميكروفون شبه رسمي للقصر، يعرض صوتهم ويسرف في الدعاية لهم، وفي أوقات أخرى تُوصف تغطيتها بأنها منحازة ضدهم وتبالغ في تعاطيها مع بعض الأزمات التي يتعرضون لها، وهي في كل الأحوال نافذة مهمة لا يمكن للأسرة الاستغناء عنها نظراً إلى شعبيتها وحضورها الجماهيري على مستوى العالم، وتمتعها باستقلالية تحريرية إلى حد كبير وفق الأغراض التي أُنشئت لأجلها، إذ كانت المنبر الذي أطلت منه الملكة إليزابيث في أول حفل تتويج يعرض على الشاشات وذلك عام 1953، إضافة إلى حفلات تتويج أخرى، وجنائز وأعراس ملكية، والخطابات الكبرى مثل خطابات أعياد الميلاد، لكن هذا لم يمنع أن يوجه القصر الملكي البريطاني كثيراً من الملاحظات الغاضبة على أداء هيئة الإذاعة البريطانية.

ففي تصرف نادر عام 2021 أصدرت القصور الثلاثة: باكنغهام وكينسينغتون وكلارنس هاوس بياناً مشتركاً رداً على الوثائقي الذي عرضته "بي بي سي" على جزأين بعنوان "الأمراء والصحافة"، ومما جاء في البيان، "في أغلب الأحيان تُتداول ادعاءات باطلة ومبالغ فيها تقدمها مصادر مجهولة، بوصفها حقائق، ومن المؤسف أن يعزز أي شخص، بما في ذلك ’بي بي سي‘، صدقية تلك الادعاءات".

هذا العمل الذي استقبلت بسببه الشبكة أكثر من 1000 شكوى تتهمها بالتحيز ضد الأسرة، أدى إلى توتر كبير في العلاقة بين الجانبين، ومن تداعياته أن تم نقل بث حفل ترانيم عيد الميلاد الذي نظمته كيت ميدلتون وقتها من "بي بي سي" إلى "أي تي في"، إذ ادعى الوثائقي أن أفراد الأسرة الملكية دأبوا على تسريب أخبار وشائعات للصحافة ضد بعضهم بعضاً، مما أظهرهم بصورة سلبية سببت لهم انزعاجاً طويل الأمد، وهدد القصر وقتها بمقاطعة "بي بي سي"، في المقابل اتهمت المؤسسة بالتحيز لصالح الأسرة الملكية والترويج لها بعد بث وثائقي عام 2012 احتفالاً بمرور 60 عاماً على جلوس الملكة إليزابيث الثانية على العرش، وهي الاتهامات نفسها التي لاحقت أيضاً العمل الذي أنتج عام 2023 لمناسبة مرور عام واحد على حكم الملك تشارلز الثالث.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات