ملخص
اللاذقية بقيت عصية على النعرات الطائفية، إلا أن ما حدث ألقى بظلاله وثقله على الجميع وأوقف عجلة الحياة وأربك سكان هذه المدينة الهادئة، لذلك احتاجت وتحتاج إلى وقت للتشافي، وعلى رغم أن طرق العلاج الحكومية لا تزال قاصرة عن الإحاطة بكامل ما حصل وإعادة الحق إلى أصحابه، فإن أهلها فقدوا الثقة بها ويحاولون شق طريقهم بأنفسهم.
لا تزال أصداء مجزرة الساحل السوري في حق العلويين يتردد صداها في عواصم العالم دعماً وتأييداً ودعوة لحماية هذه المنطقة دولياً، فكيف بالساحل السوري، فعلى طول الشريط الساحلي من اللاذقية إلى طرطوس مروراً بجبلة وبانياس وقراها لا تزال الواقعة ماثلة في الذاكرة القريبة المدى لتداعياتها الراهنة وحفرت لنفسها مكاناً في تلك البعيدة المدى في ذاكرة الشعوب كمثال مضاف إلى قائمة الإبادات الجماعية تاريخياً.
لكن أهل الساحل وبخاصة مدينة اللاذقية وقراها يحاولون العودة إلى حياتهم شبه الطبيعية كاظمين غيظهم وعافين عن كثير، في خطوة تدعو إلى التساؤل عن هذا الهدوء هل هو جمر تحت الرماد؟ أم محاولة للتكيف مع الواقع الحالي ريثما يحدث شيء ما يغير المعادلة؟
المال يهدئ النفوس
ساد اللاذقية بعد مجازر الساحل حال من الصمت في الشارع، فاعتكف الناس في بيوتهم أياماً متتالية ومنهم أسابيع يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي عبر هواتفهم التي امتلأت بالصفحات الحديثة الظهور مواكبة للحدث ومستغلة له لجمع أكبر عدد من المتابعين، فانزلق الشارع بعضه خلف بعض مدفوعاً بالغرائز الدينية التي كانت على أشدها، وانقسم الشارع افتراضياً مما انعكس على الواقع صمتاً وتجنباً للتواصل.
لكن اللاذقية بقيت عصية على النعرات الطائفية، إلا أن ما حدث ألقى بظلاله وثقله على الجميع وأوقف عجلة الحياة وأربك سكان هذه المدينة الهادئة، لذلك احتاجت وتحتاج إلى وقت للتشافي، وعلى رغم أن طرق العلاج الحكومية لا تزال قاصرة عن الإحاطة بكامل ما حصل وإعادة الحق إلى أصحابه، فإن أهلها فقدوا الثقة بها ويحاولون شق طريقهم بأنفسهم، إلا أن قراراتها التعسفية تمس بهم وتضر بمصالحهم بما فيها المالية، وعن هذا يقول راشد العلي وهو محاسب لإحدى شركات الإعلانات والإنترنت "إن الوضع كان سيئاً جداً، فحتى الخطاب بين الناس تغير في الأيام والأسابيع التي أعقبت المجزرة، لكن مع عودة الحياة للمدينة وانتباه الناس لحاجتهم إلى العمل بدأت وتيرة الأحاديث المماثلة تخفت وتتراجع وعادت الشكوى من الوضع الاقتصادي لتتصدر المشهد".
ويرى راشد من خلال عمله وتعامله مع عدد كبير من الناس وبخاصة أولئك الذين كان لديهم رؤوس أموال أودعوها في البنوك السورية أن حبس الحكومة السورية أموال المواطنين في البنوك كطريقة لدعم الليرة أضر بهؤلاء الذين يستثمرون أموالهم في مشاريع قد تبدو صغيرة لكن تأثيرها في سوق العمل كبير، فيقول "لو أن المال متوافر بين أيدي بعض الأشخاص الذين أودعوه قبل السقوط في البنوك لما تهاوى الوضع لهذا السوء، فالناس تنشغل بأعمالها مبتعدة عن القيل والقال في ما يخص السياسة وحتى الوضع الأمني".
تجارات تهاوت
هذا ما أكده الكاتب الصحافي والمراقب للوضع السوري وبخاصة الساحلي علاء محمد خلال حديثه مع "اندبندنت عربية" بقوله، "المال وتوافر السيولة يهدئ النفوس، لكن هذه الحكومة تكذب ولم تكن صريحة وتقول إنه لا يوجد أموال وإنها ليست قادرة على منح الموظفين الرواتب، كذلك فإن إخراجها الناس من وظائفهم وبخاصة العلويون منهم بنسبة وصلت حد الـ80 في المئة قد أجج الحديث الطائفي بين أهل الساحل".
ومن الأعمال التي تردت أوضاعها بعض التجارات كتجارة العقارات بما فيها المنازل والأراضي، ولكن أهمها تجارة السيارات، فبعدما كانت سوقها رائجة خفتت وتكاد تنطفئ لصالح مدينة إدلب التي تستحوذ اليوم على هذه التجارة، إذ لا تمر سيارة حديثة في المدينة إلا وعليها لوحة باسم إدلب، وهذا ما دفع بعض التجار الكبار إلى السفر أو الانكفاء عن العمل في ظل هذا الوضع الاحتكاري للتجارة، إضافة إلى انكفاء الناس عن الشراء خوفاً من وضع أمني غير مستقر ومعرض في أية لحظة للانزلاق للقتال.
ويتابع فارس وهو تاجر سيارات ولكن ليس لديه معرض، "إن الطلب على السيارات تضاءل جداً على رغم أن هناك بعض العروض الخجولة أيضاً، إذ إن الناس مترددة في الشراء والبيع، كذلك فإن المعارض المفتوحة في إدلب مع خفض التعريفة الجمركية دفع من لديه مال للذهاب إلى هناك والشراء منها".
ماذا عن القوت اليومي؟
كل هذا يقود إلى التساؤل عن كيفية تأمين أهل هذه المنطقة قوتهم اليومي في ظل توقف عدد كبير منهم عن العمل، وخسارة كثر مصادر رزقهم في أعمال صغيرة أو كبيرة وآخرون فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، فالوضع الأمني السيئ والخوف دفعا بعض العلويين للجوء إلى لبنان وآخرين نزحوا إلى الشمال الشرقي حيث قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، أما من بقي في بيته فقد فضل عدم الإتيان بأية خطوة للأمام ومنهم المزارعون الذين يملكون أراضي في قرى أو مناطق يعتبر الوصول إليها خطراً، فقد امتنع كثر عن تفقد أراضيهم خوفاً من بعض الفصائل المنتشرة هنا وهناك، وبعضهم يخاف حتى من فكرة الأمن العام، فقد مكث مازن شهراً في مدينة اللاذقية ولم يتفقد أراضيه في إحدى قراها بعد المجزرة خوفاً من أن يعترض أحدهم طريقه إليها، وعندما أخذ القرار لتفقدها طالعته الحواجز على الطرقات.
واستطرد فارس قوله، "يوقفوننا ليسألونا عن تفاصيل بهدف معرفة هويتنا الطائفية، وأحياناً يفتشون الأغراض بدقة، وأحياناً أخرى نكتفي بإلقاء السلام عليهم والمرور"، لكن هذا الوضع المربك يجعل كثراً يترددون في الذهاب إلى أراضيهم وريها، مما أدى إلى موت بعض المحاصيل وتلف أخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي سياق محاولة الناس تأمين قوتهم اليومي تحدث محمد فقال، "القوت اليومي للناس هو شيء مأسوي ومبك، فحتى المساعدات التي دخلت بعد المجزرة بقيت في الحدود الدنيا ولم تصل لأية قرية واقتصرت على بعض المتعاطفين أو شخصيات عامة داعمة من خارج البلد من جميع الطوائف، لكن هذه المساعدات بقيت في نطاق ضيق ومقتصر على أرقام لا تستطيع أن تؤمن خبزاً لربع قرية أياماً عدة، لذلك فالناس اليوم يعتمدون في قوت يومهم على الأرض كمأكل وتجارة وبخاصة التحطيب، وأُبيدت مساحات خضراء عن بكرة أبيها في سبيل خلق فرصة عمل لكسب المال".
في انتظار الحماية
وفي ظل وضع مترد يسوده الهدوء الحذر، يرى علاء محمد من خلال متابعته "أن عنصر الخوف ذهب وخرج أهل اللاذقية من تحت وطأة الصدمة وبقي الأمر الواقع الذي يعيشه الناس ويتعاملون معه بمرونة ليس بمنطق قبول الأمر الواقع، بل بقبول المرحلة كما هي، والسبب أن سكان هذه المنطقة أصبح لديهم علم أن هناك تغييراً قادماً على صعيد الإقليم"، إذ خرجت أصوات بعد المجزرة تطالب بالحماية الدولية لإقليم الساحل السوري، وبدأت الأخبار تنتشر بداية عن حماية روسية ومن ثم تم الحديث عن حماية أميركية لسوريا الغربية وهو ما ذكره وليد فارس في إحدى تغريداته بحكم قربه من أماكن صنع القرار في البيت الأبيض، واليوم وبعد زيارة أحمد الشرع إلى فرنسا فقد أصبح الحديث عن اتفاق روسي - فرنسي بالتنازل لفرنسا عن إقليم الساحل السوري مقابل إعطائها مكاسب في شمال أفريقيا بما فيها في ليبيا.
ويبدو أن أهل الساحل السوري مرحبون بهذه الفكرة، فقد قال الصحافي محمد، "المجتمع في اللاذقية والساحل عموماً فقد أية ثقة بحكومة دمشق وأية مقدرة وطريقة للتعامل معها، فالعلويون تحديداً لا يريدون المشاركة السياسية ولا المشاركة في كتابة الدستور، إذ عُينت الحكومة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد ولا يوجد فيها أي علوي ولم ينبس أحد ببنت شفة، ومن ثم شكلت حكومة جديدة وكان فيها وزير واحد علوي ولم يلق احتفالاً أو ترحيباً من العلويين، لذا فإن أي إجراء حكومي لا يعني العلويين إطلاقاً مهما كانت المغريات لأن الثقة معدومة والناس تنتظر التغيير والتغيير بات وشيكاً أكثر من أي وقت مضى".
تهدئة أم قتال؟
ووقعت أول من أمس السبت مجزرة راح ضحيتها أربعة أشخاص بينهم طفل بعمر 14 سنة في قرى مدينة جبلة التابعة لمحافظة اللاذقية، وفي التفاصيل بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد "فتح مسلحون مجهولون النار بسيارات مجهولة تحمل لوحة إدلب على مواطنين بالقرب من لواء 107 في قرية زاما بريف اللاذقية، مما أدى إلى مقتل أربعة مواطنين من الطائفة العلوية بينهم طفل وقد أعدموا ميدانياً، وبعدها انطلقوا إلى جبلة فاتحين النار بشكل عشوائي وسط حال من الذعر بين المدنيين"، وهناك معلومات تتحدث عن أن حصيلة القتلى ارتفعت لتصل إلى تسعة قتلى.
وعلى رغم وقوع هذه الحادثة فإن هناك أصواتاً خرجت لتهدئة الوضع في عدد من المناطق في الساحل، وقد علّق علاء محمد على هذه الحادثة بالقول، "لقد لعبنا دوراً للتهدئة من بعد المجازر فقد طفنا أكثر من 20 قرية مهمة بالقرداحة وجبلة ودعونا الناس إلى الهدوء والصبر وعدم الانجرار والانجراف وراء دعوات للانتقام أو وراء حمل السلاح، ومن قتل أول من أمس في زاما وعين الشرقية ضحايا حرب وجريمة حرب، ولكننا ندعو كذلك إلى الهدوء ريثما يتبلور الوضع".
وتابع قائلاً، "لم نتفاجأ بما جرى بجبلة، ونحن نعرف أن حكومة أحمد الشرع تريد الهدوء والسكينة ليس حباً في الناس، ولكن لكي تحكم ولا تستطيع أن تحكم إلا من خلال جو هادئ وتفاهم وانسجام، ولكن هناك فصائل لن تخرج بالكيف إنما بالسيف، وهذا ما اعترف به الشرع شخصياً لصحيفة أميركية أنه لا يستطيع إخراج هؤلاء بسهولة وأنهم أصبحوا عبئاً عليه".
وفي ظل هذه الأوضاع من الترقب والانتظار يبرز سؤال ماذا لو أن الوضع لن يتغير؟ وعن هذا يجيب محمد أن العلويين سيمتثلون لآية قرآنية وهي "كتب عليكم القتال" فمثلما قاتل الشرع النظام السابق وجمهوره وقواته كانت معه، فمن حق العلويين أن يحصلوا على استقلالهم وخصوصيتهم بالطريقة السلمية أو بالصراع.