Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آثار التصوير على الحياة اليومية

يجادل العلماء بأن التدفق المستمر والعشوائي للصور يؤثر سلباً في الذاكرة

حالة مسيطرة تخرج المرء من حياته الحقيقية وتسحبه بعيداً ممن حوله إلى عالم افتراضي (أن سبلاش)

ملخص

الجميع مهجوس بالنشر وإبراز ما لديه على ساحات التواصل الافتراضي، ساعياً وراء ردود الفعل الإيجابية خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشكل الخارجي أو طبيعة الفعل الذي تشير إليه الصورة.

في أثناء ممارسة عادة التمرير اليومي لشريط المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، يطالعنا المئات من الصور غالبيتها شخصية، إذ لا يكاد يخلو منشور من صورة مرفقة، بغض النظر عن موافقاتها للموضوع أم لا، وفي خضم هذا الطوفان الجارف من الصور يبدو أن هناك كثيراً مما يحدث في داخلنا ولا نطلع عليه.

فعل يومي

والحقيقة أن التصوير لم يعد يقتصر في عصر الأجهزة الذكية على أصحاب الاختصاص، بل تعداهم ليصبح فعلاً يومياً مبرمجين عليه حكم العادة، حال مسيطرة تخرج المرء من حياته الحقيقية وتسحبه بعيداً ممن حوله إلى عالم افتراضي، إذ لا يكاد يمر يوم من دون أن نتلقط صورة لأنفسنا أو للأشياء من حولنا، نرجو في البعض منها الحصول على بعض من القبول الاجتماعي من خلال متابعة الإعجابات وردود الفعل على الصورة.

تأثير سلبي على الذاكرة

إنها الصورة عملة الحياة الاجتماعية الافتراضية وأداتها الأهم لإيصال الآراء والأفكار وحجر العقد في بوابة التسويق، وحياتنا اليوم غارقة بالصور التي نكاد لا نلحظ مرورها في عالم افتراضي سريع، هذا التعرض المستمر للمحتوى مترافق مع سيل من الإشعارات التي لا تنكفئ تحول انتباهنا من شيء إلى آخر، ولهذا التعرض البصري تأثيرات خفية على الدماغ من جهة وعلى سلوكياتنا من جهة أخرى إذ نترك لأدمغتنا مهمة معالجة هذا الكم الهائل من الصور بطريقة لا واعية.

 

 

ويجادل العلماء بأن التدفق المستمر والعشوائي للصور يؤثر سلباً في الذاكرة ويضعف قدرات التذكر، إذ يحتاج الأمر إلى تسلسل معين أو سياق محدد تعرض من خلاله الصور لضمان الاحتفاظ بالصورة في الذاكرة، لهذا نجد أنفسنا اليوم مشتتين فاقدين لقدراتنا الفطرية على التركيز وعاجزين عن تذكر تفاصيل حدث ما مر بنا، فغاية وسائل التواصل اليوم هي الحصول على انتباهك لأطول وقت ممكن، بغض النظر عن المواضيع التي تهتم بها، ومدى تأثيرها عليك وفائدتها الحقيقية على المستوى النفسي والفكري.

حلوى الدماغ 

الجميع مهجوس بالنشر وإبراز ما لديه على ساحات التواصل الافتراضي، ساعياً وراء ردود الفعل الإيجابية خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشكل الخارجي أو طبيعة الفعل الذي تشير إليه الصورة، إذ ينتج تلقي الإعجاب على وسائل التواصل الاجتماعي شعوراً بالمتعة من خلال تحفيز حلقة المكافأة لدينا، وهذا الشعور ناتج من تدفق الدوبامين في مركز المكافأة في الدماغ.

والأكيد أن جرعة الدوبامين التي نحصل عليها من إعجاب على منشور تختلف تماماً عن تلك المرافقة للإعجابات بالصور الشخصية، فالمعجب به هنا هويتنا البصرية التي حرصنا على الاهتمام بها وتحسينها باستخدام كل ما تصل إليه أيدينا من أدوات متاحة، وبغض النظر عن مدى تطابق هذه الهوية المختلقة مع الواقع.

وبعد مرات متكررة من النشر والحصول على جرعات من الدوبامين، الذي يولده الحصول على الثناء والإعجابات، تبدأ أدمغتنا بربط صور السيلفي والصور الشخصية بمنصات التواصل الاجتماعي، بالتالي ستقوم هذه المنصات بتحفيزنا على إنشاء الصور ومشاركتها والدخول في حلقة مستمرة من الدوبامين.

وفي هذا السياق، أظهرت أبحاث أجريت في جامعة هارفرد أن الحاجة إلى التقاط الصور تزداد بازدياد الحاجة إلى مشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن مشاركة تجربة فنية فورية مع الآخرين تعد متعة ذهنية تسمى "حلوى الدماغ"، والأمر برمته مرتبط بإدمان "دوبامين التصوير".

تأثير بافلوفي

وبسبب ذلك الإدمان نجد أنفسنا نسعى إلى الحصول على تأكيدات تتعلق بصورتنا الذاتية عبر المنصات الاجتماعية، التي تتحقق من خلال نشر صورنا المعتنى بها وانتظار التعليقات المحفزة، وهذا على حساب الوقت الحقيقي الذي كان من الأفضل قضاؤه مع أصدقائنا على أرض الواقع، لكن النشر المستمر للصور المعدلة التي تظهر الجسد بصورة مثالية، في حين أنها تخلق معايير غير واقعية للجمال، إلا أنها تؤثر أيضاً سلباً على صورتنا الذاتية وثقتنا بأنفسنا وصحتنا النفسية على وجه العموم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والأخطر أننا نترك أنفسنا ضحية التعليقات ومزاج أصحابها، في انتظار عداد الإشعارات الذي يحولنا إلى فأر في مصيدة، إذ تؤكد العلوم الحديثة أن لهذه الإشارات تأثيراً "بافلوفياً" (إشارة إلى نظرية الارتباط الشرطي الخاصة بالعالم الروسي إيفان بافلوف)، تحفز نظام الدوبامين وتعزز المشاعر المرافقة له، فكلما حصل المرء على جرعة من الدوبامين المرافقة لردود الفعل الإيجابية بعد عرض صورهم، تعود هذه الرغبة لتدفعهم إلى القيام بمزيد من جلسات التصوير، والغريب أن المرء لا يلاحظ نفسه وهو في حال من التسارع على المستوى النفسي وكأنه يدور داخل عجلة أشبه بـ"الهامستر".

عصا النرجسية 

ووفقاً لمجلة "سيكولوجي توداي"، يعتقد أن أكثر من 10 في المئة من الأشخاص في العشرينيات من عمرهم يعانون نرجسية غير سريرية (حالاً من الهوس أو الانبهار بالذات وبالمظهر الجسدي أو الصورة العامة)، وأن الشباب الذين لديهم حاجة ماسة للإعجاب من الممكن أن يكونوا أكثر عرضة للوقوع في خطر إدمان النشر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يميلون إلى البحث عن ردود فعل إيجابية عبر الإنترنت، في مكان يمكنهم من التحكم في مظهرهم بسهولة أكبر وأدوات أسهل من الواقع، وهذا السبب وراء تسمية عصا السيلفي بـ"عصا النرجسية Narcissi sticks".

وهنا يجادل الباحثون في قضية "من يسبق من؟"، هل النرجسي أصلاً هو أكثر عرضة للإدمان أم الإدمان يصنع من المرء كائناً نرجسياً، إذ في حين يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تكون أحد أسباب النرجسية، وأن كثرة استخدام منصاتها تنبئ بمستويات أعلى من النرجسية، يمكن التقاط إشاراتها من خلال وقت يقضيه المرء على المنصة وعدد مرات نشر الصور الشخصية وطريقة ردوده على التعليقات، تظهر أبحاث أخرى أن أولئك الشباب الذين يعانون النرجسية، سواء المتضخمة أم الهشة، كانوا أكثر عرضة لإدمان "تيك توك" على سبيل المثال.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير