ملخص
مارك كارني صعد بقيادة حازمة ومدعومة شعبياً لمواجهة نفوذ دونالد ترمب، مجسداً نموذجاً مضاداً يجمع بين الحنكة المالية والشرعية الديمقراطية. فوز كندا بقيادة كهذه يسلط الضوء على تصاعد رد عالمي ليبرالي ضد النزعة الشعبوية التي يمثلها ترمب.
يُقال كثيراً إن مارك كارني، الحاكم السابق لبنك إنجلترا ورئيس وزراء كندا المنتخب حديثاً، مدين بصعوده لدونالد ترمب. هذه المقولة ليست خاطئة تماماً، لكنها ليست صحيحة بالكامل أيضاً.
فقد أعادت التصريحات الطفولية للرئيس ترمب– حول أن كندا ستكون أفضل حالاً لو أصبحت الولاية الأميركية الـ51، وحول وصفه لجاستن ترودو بـ"حاكم الولاية" السابق، وادعاؤه بأن أميركا "تدعم" كندا بمئات الملايين من الدولارات سنوياً– إحياء شعور قوي بالفخر الوطني لدى الكنديين. كما تسببت هذه التصريحات في إلحاق ضرر بالغ بحليف ترمب المحلي المفترض، بيير بويليفري.
لكن في نهاية المطاف، كان الشعب الكندي هو من قرر استخدام حقوقه الديمقراطية لتحدي ترمب. فبعد أن سئم من السخرية ومن إملاء الأوامر عليه، كان بإمكانه اختيار شخص أكثر انسجاماً مع ترمب، لكنه لم يكن في مزاج يسمح بذلك.
تحمل فوز كارني رسالة مهمة لبقية العالم: إن الوقوف في وجه ترمب مجزٍ بالفعل. وتدور إشاعات بأن كارني هدد ترمب أخيراً بإجراء بيع شامل ومفاجئ لحيازات كندا الكبيرة من سندات الخزانة الأميركية - وهي شائعة رفض كارني نفيها بابتسامة خلال مقابلة تلفزيونية. وتشير الإشاعات أيضاً إلى أن كارني كان ينسق بشكل غير رسمي مع الأوروبيين واليابانيين لبيع واسع النطاق لسندات الخزانة الأميركية- علماً أن الأسواق لم تكن بحاجة إلى تشجيع كبير لبيع الأصول المقومة بالدولار الأميركي في ظل السياسات التجارية المتقلبة لترمب.
وبصفته محافظاً سابقاً لمصرفين مركزيَّين، لا بد من أن كارني يدرك جيداً الآثار الواقعية التي قد تحدثها خطوة كهذه في السياسات الأميركية. كارني، المحافظ السابق لبنك كندا الذي قاد بنك إنجلترا أثناء الأزمة المالية العالمية عام 2008 وفي أعقابها، يعرف أيضاً كيف يعمل عند أعلى مستويات التمويل والسياسة الدولية. عندما حضر مؤتمر حزب العمال البريطاني عام 2023 لتقديم تأييده لرايتشل ريفز باعتبارها شخصية "جادة"، أظهر حضوره المكانة العالمية التي يتمتّع بها.
يحظى كارني بالاحترام عالمياً، ولأسباب وجيهة. ويبدو أن ترمب لم يكن يعرف ما كان يواجهه. لكن خبرة كارني كلها كانت لتصبح عديمة القيمة لولا التفويض الذي منحه له الشعب الكندي، وجرى تأكيده الآن.
فلنقارن بينه وبين ترودو المسكين. عندما حذر رئيس الوزراء السابق ترمب من أن كندا "لن تعود موجودة" بسبب رسومه الجمركية، استشعر ترمب ضعفاً. وقال ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، الشيء نفسه، وحوّل رجاء ترودو الرحمة إلى دعوة موجهة إلى الولايات المتحدة لإنقاذ كندا من خلال دمجها فيها (هي طريقة ذكية من طرق روبيو، الذي يظن على الأرجح أن ترمب أحمق خطير، يدافع بها عن رئيسه).
الآن، في عهد كارني، ما من شبهة في أن كندا لن تعود موجودة. ولا يطلق ترمب على كارني لقب "حاكم ولاية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كارني ليس الوحيد الذي يقف في وجه ترمب. فالرئيس الصيني شي جينبينغ يفعل الشيء نفسه، بل ويتمتع بنفوذ اقتصادي أكبر وباحتياطات من سندات الخزانة الأميركية تفوق ما تملكه كندا. وهو، خلافاً لما يدّعيه ترمب، لا يتوسل من أجل صفقة تجارية، بل ينهمك في البحث عن بدائل للأسواق الأميركية، تماماً كما يفعل كارني.
لا ينبغي التنمّر على الصين. حتى الآن، يبدو الأوروبيون والبريطانيون أكثر ميلاً إلى تسوية معها، وأقل حرصاً على تصعيد النزاع، ويحاولون، على رغم الصعاب، الحفاظ على ما تبقى من حلف شمال الأطلسي والنظام الاقتصادي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
بعض القادة- وهم نادرون- وجدوا طريقة لكسب احترام ترمب وثقته، بل وحتى التأثير عليه نوعاً ما. من بينهم كير ستارمر، الذي يتحرك بدافع من مصالح بريطانيا، والأكثر إثارة للدهشة، كلاوديا شينباوم من المكسيك، على رغم احتقار ترمب الظاهر لدولتها.
لكن ما حدث في كندا أمر لافت ومهم. يحترم ترمب زعيماً يتميّز بالصفات التي يتخيّل ترمب أنه يمتلكها وهي الحزم والقوة والشعبية. لقد وجد أكثر من مقابل له في كارني– مهذب، ودمث، وذكي– ووجد العالم من يستحق أن يكون قائداً لحركة ليبرالية عالمية غير رسمية تقاوم ترمب.
© The Independent