Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البابوية المقبلة... معركة روحية أم سياسية؟

رفض البابا الراحل سياسة البيت الأبيض تجاه المهاجرين ووبخ جي دي فانس لاستخدامه مفهوماً لاهوتياً في غير موضعه

من المرجح أن تكون المعركة لخلافة فرنسيس سياسية إلى حد كبير (أ ف ب)

ملخص

لا تبدو عملية اختيار بابا الفاتيكان "مسيسة" بصورة مباشرة بمعنى أن تكون تحت تأثير الحكومات أو الأحزاب السياسية، ولكنها قد تحوي بعض الجوانب التي تظهر تأثيرات سياسية ودبلوماسية من نوع خاص، والفاتيكان كيان دولي وديني في الوقت ذاته، ويقع تحت قيادة البابا مباشرة كرئيس للكنيسة وكرئيس للدولة، لذا فهو يوازن بين الروحانية وبين السياسات الدولية إلى حد ما.

انتهت مراسم جنازة الحبر الأعظم البابا فرنسيس، وبدأ الاستعداد لـلـ"كونلاف"، أي تجمع الكرادلة الذي تقع على عاتقه واحدة من أبرز مهمات الكرسي الرسولي، أي اختيار الحبر الأعظم التالي، لكن التساؤل الذي يشغل بال عدد كبير من الأشخاص هل معركة اختيار البابا معركة روحية دينية إيمانية فقط؟ أم أنها معركة ذات جذور سياسية ربما أسهم فرنسيس نفسه في نهايات أيامه برسم ملامحها وتوجهاتها؟

من المرجح أن تكون المعركة لخلافة فرنسيس سياسية إلى حد كبير، بخاصة في ضوء الانقسام الأخير بين البابا ونائب الرئيس الأميركي الكاثوليكي جي دي فانس.

منذ توليه منصبه عام 2013، سعى فرنسيس إلى جعل الكنيسة أكثر شمولاً وفتح الطريق للنساء للاضطلاع بأدوار رئيسة، عطفاً على رؤيته للآخرين المغايرين، وفي حين أثار ردود فعل غاضبة من كثير من المحافظين، يشكو الليبراليون من أن الإصلاحات لم تكُن كافية.

 وقبل أن تتدهور صحته، كان فرنسيس يمر بلحظة حساسة سياسياً، ففي وقت سابق من أبريل (نيسان) الجاري، أصدر توبيخاً غير عادي لتوصيف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس لمفهوم "أوردو آموريس" وهو مفهوم لاهوتي يتعلق بالمحبة تجاه الذات والآخر، استخدمه فانس لتبرير سياسة الرئيس ترمب في شأن المهاجرين، وأثار هذا الرفض البابوي غضب البيت الأبيض، مما أثار احتمال نشوب معركة خلافة مسيسة للغاية في حال وفاة البابا، ولا سيما أن دي فانس كان آخر مسؤول دولي يقابل فرنسيس نهار عيد الفصح.

هنا يقول أحد المراقبين عن كثب لسياسة الفاتيكان، في إشارة إلى إدارة ترمب "لقد أثروا بالفعل في السياسة الأوروبية، ولن يجدوا أية مشكلة في التأثير في  الـ’كونكلاف‘ المقبل، ربما يبحثون عن شخص للبابوية أقل رغبة في المواجهة مع واشنطن"، فكيف يمكن أن تقوم السياسة بدور في اختيار الرجل ذي الرداء الأبيض الأب الروحي لأكثر من مليار و400 مليون كاثوليكي منتشرين في قارات الأرض الست؟

"كونكلاف" ما بين السياسي والروحي

لعل الجواب البسيط هو الجواب الصحيح، بحسب المفهوم "الأوكامي" الشهير، هنا لا تبدو عملية اختيار بابا الفاتيكان عملية "مسيسة" بصورة مباشرة بمعنى أن تكون تحت تأثير الحكومات أو الأحزاب السياسية، ولكنها من الممكن أن تحوي بعض الجوانب التي تظهر تأثيرات سياسية ودبلوماسية من نوع خاص.

ولا بد من التأكيد هنا على أن الفاتيكان كيان دولي وديني في الوقت ذاته، ويقع تحت قيادة البابا مباشرة كرئيس للكنيسة وكرئيس للدولة، لذا فهو يوازن بين الروحانية وبين السياسات الدولية إلى حد ما.

 كيف تظهر التأثيرات السياسية؟

 باختصار غير مخل، تبدو مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكرة الجغرافيا السياسية والتكتلات الكاثوليكية الديموغرافية حول الكرة الأرضية، على سبيل المثال، شهدت الكاثوليكية نمواً كبيراً ضمن مناطق مثل أميركا اللاتينية وأفريقيا، لذا من المحتمل أن يتجه الكرادلة أحياناً إلى اختيار بابا من هذه المناطق كإشارة إلى دعم هذه الأجزاء من العالم الكاثوليكي، مما قد ينظر إليه على أنه توازن سياسي بين المناطق المختلفة داخل الكنيسة.

وعطفاً على ذلك فإن الكرادلة الذين يشاركون في الانتخابات غالباً ما يأتون من خلفيات فكرية ودينية متنوعة، بعضهم يكون ربما أكثر محافظة مثل الكرادلة الأوروبيين التقليديين، بينما البعض الآخر يميل إلى التحديث مثل الكرادلة الآتين من أميركا اللاتينية، أولئك الذين أفرزتهم معطيات لاهوت التحرير.

وهذه التوجهات يمكن بصورة أو بأخرى أن تكون ذات تأثير في العملية الانتخابية على نحو يشبه الصراع السياسي بين تيارات مختلفة داخل الكنيسة، بمسحة سياسية لا شك.

 

 

وتقوم كذلك قضية علاقات حاضرة الفاتيكان مع الحكومات والدول حول العالم بدور فاعل في تشكيل عقلية الكرادلة الذين يختار منهم البابا المقبل ولا شك، فعلى رغم أن البابا ليس موظفاً سياسياً في الدولة، فإن الفاتيكان يعتبر كياناً له تأثير عالمي وله علاقات مع كثير من الحكومات والدول، وبعض الكرادلة قد تكون لديهم علاقة وثيقة مع دول معينة أو مع شخصيات سياسية معينة، مما يؤثر بصورة غير مباشرة في عملية الانتخاب.

إضافة إلى ما تقدم، يبقى هناك إمكان وجود جماعات ضغط داخل هذا الكيان الروحي الكبير، بحيث تسعى بعض المجموعات الدينية إلى التأثير في اختيار البابا ليتماشى مع رؤاهم الخاصة، مما يشمل تيارات معينة من اليسار أو اليمين الكاثوليكي التي تعتقد بأن البابا الجديد يجب أن يتبنى مواقف معينة حيال القضايا العالمية مثل الفقر أو حقوق الإنسان أو حتى القضايا السياسية الخاصة.

عن الجحافل الخفية للعلاقات الفاتيكانية

هل يبدو الربط بين الفاتيكان والمؤسسة الرومانية الكاثوليكية وبين أعمال السياسة الدولية أمراً لا مفر منه؟

أفضل من قدم جواباً مثيراً عن التساؤل أعلاه البروفيسور جودوك تروي، قائد مشروع ومحاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة إنسبروك في النمسا، الكاتب والباحث في الشؤون المسيحية السياسية.

يذكرنا تروي بأنه قبل ما يقارب خمسة عقود، لاحظ عالم الاجتماع السياسي الأميركي الشهير صموئيل هنتنغتون أن الأنظمة الملكية البيروقراطية قادرة على استيعاب الأفراد، وينطبق الأمر نفسه على الهيكل التنظيمي للكنيسة، ففي الأقل بالنسبة إلى مواقف السياسة الخارجية، يظهر الكرسي الرسولي اتساقاً متجانساً نسبياً في تعزيز السلام والأمن منذ القرن الـ20، ويبدو أن الزوايا اللاهوتية المجزأة قد استوعبت في السياسة الخارجية نحو قوة تكاملية واستقراراً كبيراً في السياسة العالمية.

ومن منظور القانون الدولي، يعد الفاتيكان والكرسي الرسولي كيانين مختلفين يتمتع كل منهما بشخصية قانونية دولية، ويربط بينهما شخص البابا الذي يعد في الوقت نفسه الرئيس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية الرومانية ورئيس دولة الفاتيكان.

 ويدير الكرسي الرسولي العلاقات الخارجية لدولة الفاتيكان، أي عملياً وزير خارجيته، ويتمتع الكرسي الرسولي بصفة مراقب في الأمم المتحدة، ويدير سلكاً دبلوماسياً واسع النطاق، يشمل سفارات في معظم دول العالم، ولذلك فهو عضو معترف به في المجتمع الدولي ويشارك في أعماله.

 وخلال الأسبوعين الأولين من حبريته، سعى البابا فرنسيس إلى التعبير عن هذه المشاركة من خلال الدعوة أولاً إلى حوار أكثر تعمقاً مع الإسلام، وثانياً دعوة قادة الكنائس إلى تجديد الخطاب الدبلوماسي مع الدول التي لا تربطها علاقات رسمية بالكرسي الرسولي مثل الصين.

هل يعني ذلك أن الكنيسة الكاثوليكية بصورة أو بأخرى مرتبطة بقوة بأعمال السياسة الدولية؟

ربما قد يكون ذلك صحيحاً بالفعل، ولا سيما أنها طورت نفسها لتصبح مدافعاً عن حقوق الإنسان والحرية نتيجة لنهجها الرائد في الحفاظ على الحياة.

وشدد البابا يوحنا بولس الثاني على أهمية الحرية الدينية كأولوية أولى لأنها متجذرة في الكرامة الإلهية المتمثلة في حرية الإرادة البشرية.

 ولاحظ صموئيل هنتنغتون أن "الموجة الثالثة" من التحول الديمقراطي كانت "موجة كاثوليكية" بغالبية ساحقة، ومن بين الدول الـ30 التي انتقلت إلى الديمقراطية كانت نسبة الكاثوليكية في الغالب نحو ثلاثة أرباعها، ناهيك عن المشاركة الشخصية للبابا يوحنا بولس الثاني في جهود إسقاط الشيوعية أو معارضته لحرب العراق عام 2003.

وتدفعنا السطور السابقة إلى التساؤل التالي هل منصب البابا المختار منصباً سياسياً؟ أم روحياً؟ وهل يعني ذلك أن الـ"كونكلاف" الجديد لا بد من أن تجري المقادير بنوع من التوازنات السياسية في قلبه؟

التوازنات السياسية والـ"كونكلاف" المقبل

في محاولة التنبؤ بالبابوية المقبلة، من الضروري التركيز على مسألة الأصل القومي، أو بالأحرى الإقليمي، وكثيراً ما كان هذا عاملاً مؤثراً في اختيار البابا، وكانت الغالبية العظمى منهم إيطاليين، إذ اعتُبر انتخاب البابا البولندي يوحنا بولس الثاني عام 1978، وهو أول بابا غير إيطالي منذ أكثر من 500 عام، دليلاً مهماً على دعم الكاثوليكيين الذين ما زالوا يعيشون خلف الستار الحديدي.

اليوم وعلى عتبات الـ"كونكلاف" التالي يرتفع التساؤل عن العوامل المؤثرة في اختيار البابا، وهل السياسة الجغرافية والديموغرافية تقوم بدور واضح في هذا السياق؟

الحقيقة وكما تخبرنا بذلك الباحثة المشاركة في معهد الدراسات المسيحية الأرثوذكسية في المملكة المتحدة ومؤلفة كتاب "روسيا المقدسة" كاترين كيلاديس، هي أن شكل المسيحي العادي ومكان معيشته يتغيران الآن على نحو أسرع من أي وقت مضى، مما سيشكل حتماً البابوية المقبلة، على سبيل المثال، تتراجع المسيحية في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية، حتى إن بدا أن هذا التراجع تباطأ في الولايات المتحدة أخيراً.

ولكن في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، أي المنطقة التي يطلق عليها "الجنوب العالمي"، تنمو المسيحية بسبب ارتفاع معدلات المواليد والتحولات، وهنا تشير بعض التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050، سيعيش 78 في المئة من مسيحيي العالم في "الجنوب العالمي".

من ناحية أخرى شهدت المسيحية الأفريقية خصوصاً نمواً هائلاً، فتشير البيانات إلى أنه وبحلول عام 2050، سيعيش 40 في المئة من مسيحيي العالم في أفريقيا، وبالنسبة إلى الكاثوليكية بصورة خاصة، فإن هذه الأرقام أكثر وضوحاً، وتفيد تقارير الفاتيكان نفسها بأن مستقبل الكنيسة الكاثوليكية هو بلا شك في أفريقيا.

وبينما يشهد المركز الديموغرافي للعالم المسيحي تحولات، ظلت مراكز القوة راسخة في الغرب، إذ لم ينتخب أي كاردينال أفريقي أو آسيوي بابا للكنيسة الكاثوليكية منذ أواخر العصور القديمة، فكان آخر بابا ولد في أفريقيا هو البابا جيلاسيوس الأول الذي توفي عام 496.

ومع أن البابا فرنسيس كان بالفعل أول بابا من أميركا اللاتينية، إلا أنه بصفته ابن مهاجرين إيطاليين إلى الأرجنتين، اندرج ضمن الإطار الثقافي والمسار التاريخي للكاثوليكية في جنوب أوروبا، ولهذا من الصعب اعتباره "بابا من الجنوب العالمي بالكامل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على هذا الأساس، قد يفترض أن التقدميين داخل الكنيسة الكاثوليكية سيدافعون عن صعود قادة من خارج أوروبا، ومع ذلك، فإن الحقيقة غير المريحة لكثير من هؤلاء التقدميين هي أن "الجنوب العالمي" بخاصة أفريقيا، أصبح مركز قوة مهم للمحافظين في المناقشات الثقافية العنيفة التي جرت حول قضايا إيمانية خلال العقود الأربعة الماضية.

 ولم يكُن هذا صحيحاً بالنسبة إلى الكاثوليك فحسب، بل كان صحيحاً أيضاً بالنسبة إلى الأنغليكان والميثوديين وغيرهم، ومن المهم ملاحظة أن ملايين الدولارات أنفقت لدفع أجندة اجتماعية محافظة في أفريقيا، وأن المسيحيين الأفارقة بعيدون من أن يكونوا كتلة واحدة، ولكن من الناحية الديموغرافية العامة، من المرجح أن يفضل الكاثوليكي التقدمي بابا أوروبياً على آخر أفريقي.

 هل يعني ذلك أنه ما من أمل في أن يصل بابا أفريقي إلى كرسي البابوية خلال الـ"كونكلاف" المقبل؟

هل من أمل لبابا من أفريقيا؟

 يبدو هذا التساؤل مهماً ومثيراً، ولا سيما مع صعود تيار المحافظين الكاثوليك الأفارقة ووجود عدد من المرشحين الأفارقة ضمن الأسماء المطروحة على قوائم أصحاب الحظ السعيد.

وفي تصريحاته إلى شبكة "أي  بي سي نيوز" الإخبارية الأميركية، قال رئيس كرسي إدوارد أي مالوي للدراسات الكاثوليكية الرومانية وأستاذ اللاهوت المتميز في جامعة فاندربيلت بروي موريل إن "انتخاب بابا من آسيا أو أفريقيا هو احتمال وارد للغاية الآن، وهذا ليس مستبعداً على الإطلاق"، مضيفاً أن "الوضع الآن يختلف اختلافاً جذرياً عما كانت عليه الحال عام 1978، عندما مثّل انتخاب يوحنا بولس الثاني صدمة للأوروبيين خصوصاً، فكان أول بابا من خارج إيطاليا منذ 500 سنة".

وتتفق جيسي أ جوزيف وهي أستاذة مساعدة في اللاهوت والدراسات الدينية في جامعة فيلادلفيا، مع الرأي السابق، وفي تصريحات لها إلى شبكة "أي  بي سي نيوز" ترى أن انتخاب شخص من "الجنوب العالمي" سيكون "خطوة في هذا الاتجاه حول كيفية أن تكون الكنيسة عالمية، وأن هذا التحول من كنيسة أوروبية مركزية إلى كنيسة عالمية حقيقية هو ما بدأه فرنسيس بالفعل".

ويقول موريل إنه إذا اتخذ الكرادلة المصوتون موقفاً أكثر تحفظاً، فقد يعثرون على بابا محتمل من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ومن شأن هذه الخطوة أن تُفضي إلى انتخاب أول بابا أسود في التاريخ الحديث، مضيفاً أنه "سيكون هناك رؤساء أساقفة ورؤساء أساقفة كاردينالات في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا يركزون على نحو أكبر على الحفاظ على الممارسات والتعاليم التقليدية الصارمة للكنيسة أو حراستها".

وأحد الأسماء التي تتبادر إلى الأذهان عند السعي وراء فكرة بابا أفريقي، هو الكاردينال فريدولين أمبونجو بيسونجو البالغ 65 سنة من جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وهناك اسم شهير من الكرادلة الأفارقة المحافظين، ونعني به الكاردينال الغاني بيتر توركسون (76 سنة)، والكاردينال الغيني روبرت ساره (79 سنة)، وفقاً لما ذكره مؤرخ الكنيسة الكاثوليكية في جامعة أكسفورد مايلز باتندن.

وتبدو قضية اختيار بابا أفريقي مثيرة لأمر آخر هو ملمح أو ملمس العنصرية والتراتبية الذي وإن كانت المسيحية ترفضه من منطلق إيماني وروحي، إلا أنه يظل مختبئاً في ثنايا وحنايا الإرث الثقافي الذي لا يموت للعلاقة بين أوروبا المستعمر لكثير من دول أفريقيا، ولأبناء تلك الدول الذين وإن كانت كاثوليكيتهم عميقة، إلا أن صفحات من ذكريات مريرة لا تزال عالقة في الحلوق وربما بمرارة شديدة.

هنا يطفو على السطح تساؤل آخر هل يكون البديل آسيوياً وليس أفريقياً؟

أنطونيو تاغلي أو "فرنسيس الآسيوي"

من بين أهم القراءات السياسية للبابوية المقبلة، تلك المتعلقة بالرؤية الجيوبوليتيكية الموصولة بأحوال العالم، وتغيير مواقع ومواضع التأثير والنفوذ العالميين.

ويتذكر المرء ما خلص إليه السير هالفورد ماكندر عالم الجغرافيا السياسية الأشهر، إذ قال إن قلب العالم الذي ظل طوال القرون الخمسة الأخيرة متمركزاً في أوروبا والغرب، ها هو يتحرك من جديد ناحية القارة الآسيوية.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى رؤية الكنيسة الكاثوليكية نحو القارة الآسيوية التي تبدو مجالاً خصباً وواعداً للتبشير ولاكتساب مؤمنين جدد، حيث مليار و360 مليون نسمة في الصين ورقم قريب في الهند والملايين في اليابان وما حولها.

هل يكون الكاردينال الفيليبيني الشهير أنطونيو تاغلي حصان طروادة الكاثوليكي إلى قلب العالم الآسيوي؟

ويعد الكاردينال تاغلي البالغ من العمر 67 سنة من أصغر المرشحين لمنصب البابوية، ويطلق عليه لقب "البابا فرنسيس الآسيوي"، وكان جد تاغلي لأبيه من عائلة فيليبينية راقية، بينما كانت جدته لأمه من عائلة صينية ثرية هاجرت إلى الفيليبين، وهو أحد طفلين، ويعرف بلقب "تشيتو" الذي يظهر أيضاً في ملفه الشخصي على منصة "إكس".

وكان تاغلي يستعد ليصبح طبيباً، لكنه أغرم بحياة التكرس الكهنوتية، ووفقاً لتقرير مجمع الكرادلة، فإنه كان دائم التساؤل عن مخطط الله لحياته.

 

 

قام الآباء اليسوعيون بدور محوري في حياة تاغلي، إذ علموه في صغره، غير أنه غادر رهبانيتهم عام 1982، ليضحي كاهناً إيبارشياً في العاصمة الفيليبينية مانيلا، وليصبح لاحقاً الزعيم الروحي والأستاذ في معهد اللاهوت المحلي، ثم عميده المحلي في الفترة ما بين عام 1983 وعام 1985.

أرسله أسقفه إلى الولايات المتحدة، حيث حصل على إجازة في علم اللاهوت، وعاد من بعدها للفيليبين في تسعينيات القرن الماضي، وخدم الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في مناصب مختلفة، ورشحه البابا الراحل بندكتوس الـ16 رئيساً لأساقفة مانيلا عام 2011، وبعد عام واحد أصبح تاغلي كاردينالاً.

وعلى مر السنين ازدادت شهرته وأصبح تاغلي رئيساً لمنظمة "كاريتاس الدولية"، وهي مؤسسة خيرية تابعة للفاتيكان وثاني أكبر شبكة للمساعدات الإنسانية بعد "الصليب الأحمر".

عام 2019، دعا البابا فرنسيس تاغلي إلى البقاء في روما رئيساً لمجمع تبشير الشعوب، المسؤول عن العمل التبشيري، وبعد عامين رقّى البابا تاغلي إلى رتبة كاردينال أسقف، مما دعا بعضهم إلى القول إن فرنسيس كان يعده بالفعل لخلافته في منصب البابوية.

يعرف تاغلي بآرائه التقدمية، فهو فصيح اللسان وذو قدرة تواصل ممتازة، ويستخدم منصات مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" لنشر رسالته، وقد أطلق بعضهم عليه لقب "فرنسيس الآسيوي".

 ويعرف تاغلي أيضاً بأنه نصير الفقراء في الفيليبين ودافع عن قضايا اجتماعية عدة في وطنه، وبعد وفاة فرنسيس أشاد به عدد كبير من الجهات باعتباره الرجل الذي يصلح بالفعل لأن يكون خليفة لفرنسيس كنصير للفقراء.

أما البروفيسور موريل، فيرى أن تاغلي هو الرجل الوحيد الذي يعد خلفاً طبيعياً للبابا فرنسيس، إذ يقول "أعتقد بأن الوجود مع الناس والاستماع إليهم والتعرف إليهم في أماكنهم وعدم الخوف من الاختلاف هي سمات يجسدها تاغلي بحق".

الـ"كونكلاف" وزمن المناورات السياسية

يبدو الـ"كونكلاف" المقبل أحد أكثر المجامع البابوية الأكثر تنوعاً، ولا سيما بعد أن عمل فرنسيس واعياً على تعيين نحو 80 كاردينالاً من أصل 135 لهم حق التصويت المباشر لانتخاب البابا وللترشح للمنصب، مما يفتح الباب واسعاً بالفعل لفكرة المناورات السياسية.

ولقرون عدة هيمن الأوروبيون، بخاصة الإيطاليون، على مجمع الكرادلة، وفي الواقع لم يدلِ كاردينال غير أوروبي بصوته في مجمع الكرادلة إلا في القرن الـ20 عندما صوت رئيس أساقفة بالتيمور جيمس جيبوتور في الانتخابات البابوية عام 1903.

 أما الآن، فيضم مجمع الكرادلة أعضاء من أكثر من 90 دولة، وعيّن البابا فرنسيس ما يقارب 80 في المئة منهم.

وعقد مجمع انتخابي لانتخاب البابا تقليد يعود لقرون مضت، إذ أُسست هذه الممارسة عام 1274 خلال عهد البابا غريغوري الـ10، رداً على الفوضى التي أحاطت بانتخابه والتي استمرت قرابة ثلاث سنوات.

وفي كل الأحوال قد يكون هذا هو الوقت المناسب للمناورات السياسية غير المباشرة، على خلاف الماضي، حين كانت هناك إشاعات عن أن هذا التجمع يتضمن فرصاً للحصول على الأصوات من خلال الرشاوى، على رغم أن هذا يعرف في العقيدة المسيحية بخطيئة "السيمونية" أي شراء الرتب الكهنوتية بالأموال.

هل من تفاصيل أخرى عن التجاذبات السياسية داخل الكنيسة الكاثوليكية، ولا سيما في زمن الـ"كونكلاف"؟

 حكماً تبقى علاقة الإمبراطورية الأميركية بالبابوية علاقة ذات شجون، وفي الملفات كثير من الوفاق، وبعض الافتراق الذي ظهر في ولاية الرئيس ترمب الأولى، غير أن الأهم هو توجهات 60 مليون أميركي كاثوليكي ربما يحلمون للمرة الأولى في تاريخ بلادهم بوصول بابا أميركي شمالي إلى كرسي مار بطرس، ولا سيما في ظل وجود كثير من التحليلات السياسية المعمقة التي تقطع بأن الولايات المتحدة ربما تكون هي مستقبل الكنيسة الكاثوليكية في مقبل الأيام.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات