Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عندما صور بلاسكو إيبانييث الحرب كابنة شرعية للتعصب

"فرسان الرؤيا الأربعة" الرواية الإسبانية الأشهر بعد "دون كيشوت" تفضح العلاقة بين النازية والنزوع إلى الحروب

مشهد من فيلم مينيلي المأخوذ عن الرواية (موقع الفيلم)

ملخص

لقد رسم لنا بلاسكو إيبانييث على مجرى روايته، صورة شديدة الواقعية لتعلق الأفراد بما تمليه عليهم الجماعة من قيم منغلقة على ذاتها، تصنع لهم هوية مسقطة عليهم من الخارج، أي من خارج ذاتهم الفردية، مما يعني أنهم، في نهاية الأمر، حيث سيقضون ضحية شيء ما، فإن هذا الشيء إنما هو تلك الهوية القاتلة، هوية الانعزال عن الآخر.

"كان ذلك في عام 1938 وكانت هناك غيوم حالكة راحت تحلق من جديد في سماء أمم العالم. في ذلك العام كنا نخشى اندلاع الحرب ونصلي متضرعين من أجل السلام. وكانت لا تزال ثمة أماكن هادئة في هذا العالم وأناس، يعيشون في سلام ودعة. وكانت الأرجنتين واحدة من تلك الأماكن ومادارياغا، رب العائلة الكبير، كان من أولئك البشر". بهذه العبارات بدأ المخرج الأميركي فنسنت مينيلي واحداً من آخر أفلامه، وعنوانه "فرسان الرؤيا الأربعة"، في عام 1961، وكان موضوعه عن الحرب العالمية الثانية وعن استشراء النازية الهتلرية في طول أوروبا وعرضها. لكن فيلماً آخر مقتبساً من الرواية نفسها التي اقتبس منها هذا الفيلم، كان حقق على يد ركس أنغرام، في عام 1922، أي قبل ظهور النازية في العالم، وقبل وصول هتلر إلى السلطة وتسببه في اندلاع ما كان يعد أكبر مجزرة في تاريخ البشرية حتى ذلك الحين، أي الحرب العالمية الثانية. فما هي الحكاية الحقيقية؟

 

فيلمان لرواية واحدة

الحكاية هي أن الفيلمين اقتبسا من رواية واحدة هي الأشهر بين أعمال الكاتب الإسباني فيثينتي بلاسكو إيبانييث الذي يعد من أكثر الكتاب الإسبان شعبية في القرن الـ20، إضافة إلى خوضه السياسة في بلاده ردحاً من الزمن. وإذا كان بلاسكو إيبانييث اشتهر، خصوصاً، بفضل هذه الرواية، على المستوى العالمي، فإن ما لا بد من قوله هنا، هو أن روايته هذه، إذ صدرت عام 1916، وترجمت فوراً إلى الإنجليزية في أميركا، أسهمت من فورها، كما يقال، في الدفع باتجاه دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء ضد الألمان. طبعاً من الصعب تصور هذا الأمر اليوم، ولكن واقع أن هوليوود عمدت إلى اقتباس الرواية مرتين خلال ثلث قرن، وأن الفيلم المقتبس نجح في الحالين، يشير إلى أن هذه الرواية كانت لها أهميتها الفائقة في زمنها، حتى وإن كانت وكاتبها باتا منسيين، نسبياً في أيامنا هذه. المهم، هنا، هو أن هذه الرواية صدرت، للمرة الأولى في جزأين عام 1916، وتلقفها القراء، إسبانيو اللغة، ثم قراء اللغات الأوروبية، إذ ترجمت إلى لغاتهم، على الفور، مؤمنين لها نجاحاً كبيراً، لم يكن الكاتب نفسه ليجرؤ على توقعه، هو الذي كان يريد في الأصل أن يكتب حكاية أسرة تفرعت أسرتين، ليبدي من خلال تفرعها ذاك، رأيه في الأعراق والأخلاق والذهنيات، إذ تخضع لتغيرات المناخ والجغرافيا. وهو من أجل الوصول إلى هذا التصور، فضل أن يبدأ أحداث روايته في مزرعة، في إحدى دول أميركا الجنوبية، في الفيلمين، وصارت الأرجنتين هي هذه الدولة. منذ بداية الرواية لدينا الشقيقتان الحسناوان لويزا وهيلينا، ابنتا السيد المطاع مادارياغا، الذي يعيش هانئاً في المزرعة التي أنشأها بعرق جبينه. ويحدث لهاتين الفتاتين أن تتزوجا من شابين أوروبيين، أحدهما الفرنسي مارسيل دينواييه، وثانيهما الألماني كارل فون هارتروت لاحقاً.

عالم الهويات القاتلة

وحين يموت البطريرك مادارياغا تصفي العائلتان الفرنسية والألمانية إرثه، وتنتقلان للعيش في باريس بالنسبة إلى عائلة دينواييه، وفي برلين بالنسبة إلى عائلة فون هارتروت. وإذ يتابع الكاتب سيرة العائلتين في شكل متواز متنقلاً بين المدينتين، لا يفوته، منذ البداية، أن يرسم لنا صورة تفصيلية لاتسام كل من العائلتين بالسمات العرقية الموروثة من الأبوين، فأبناء العائلة الألمانية قساة عنيدون، يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم الواجب والعمل، أما أبناء العائلة الفرنسية فمرحون محبون للحياة، لا يفتقرون إلى قدر من اللؤم الساخر، الذي نجده متجسداً خصوصاً لدى جول، الابن البكر لعائلة دينواييه. وفي سياق الرواية يقطع جول الروابط التي تشده إلى عائلته، لا سيما حين يرغب في الاقتراب من السيدة مرغريت لوفرييه، وهي امرأة متزوجة، تنوي، في البداية، تطليق زوجها لكي ترتبط شرعاً بجول، غير أن الحرب العالمية الأولى تندلع عام 1914، ويجد جول نفسه مرتبكاً غير قادر على اتخاذ أي قرار يتعلق بمستقبل حياته، وما إن تمضي بعض أشهر الحرب، حتى يجد جول أن أفضل ما من شأنه أن يفعله هو الانتظار، إنما مصحوباً مع قدر كبير من الشك حول كل ما يحدث، وحول كل مستقبل ممكن. ثم وهو في قمة موقفه ذاك، يأتيه خبر لن يسره أبداً، إذ إن مرغريت قررت البقاء نهائياً مع زوجها الذي عاد من جبهة الحرب وقد فقد بصره، فلا يكون من جول هنا إلا أن يستسلم إلى يأس يخامره حتى تأتيه الدعوة إلى الانتظام في الحرب، وهكذا يتوجه إلى الجبهة حيث لا يلبث أن يصاب إصابة قاتلة ويسلم الروح، ولكن خلال معركة يخوضها ضد فرقة ألمانية معادية موضوعة تحت قيادة هاينريش، ابن خالته الذي كان همه خلال صباهما أن يدافع عن عرقه الجرماني، فيما يدافع الثاني عن قوميته الفرنسية. ومن خلال هذه النهاية، من الواضح أن الكاتب إنما شاء أن يوصل فكرته الأساسية حول الصراع العرقي البائس، صراع الهويات القاتل، الذي لا ينتهي به الأمر إلا بتدمير الحضارات وكل ما هو خير في داخل الإنسان.

 

كي تصل الفكرة إلى القراء

لقد رسم لنا بلاسكو إيبانييث، على مجرى روايته، صورة شديدة الواقعية لتعلق الأفراد بما تمليه عليهم الجماعة من قيم منغلقة على ذاتها، تصنع لهم هوية مسقطة عليهم من الخارج، أي من خارج ذاتهم الفردية، مما يعني أنهم، في نهاية الأمر، حيث سيقضون ضحية شيء ما، فإن هذا الشيء إنما هو تلك الهوية القاتلة، هوية الانعزال عن الآخر. ولئن كان الكاتب استخدم الحرب العالمية الأولى، والمجابهة بين "الحضارة" الألمانية و"الحضارة" الفرنسية فيها، فإن معاني الرواية ودلالاتها، كانت هي ما جعل اقتباسها ممكناً في أزمان متفاوتة، لتتحدث، في كل مرة، عن حرب هي غير الحرب التي تتحدث عنها في المرة الأخرى. لأن الرواية هي، في نهاية الأمر، صرخة ضد الحرب التي لا يصنعها سوى تعصب كل قوم لقومهم، ومن ثم، فإن الرواية، حتى وإن كانت صرخة ضد الحرب، فإنما هي، في الوقت نفسه صرخة ضد التعصب الذي، من دونه، سيصعب على أي حرب أن توجد.

ومن الواضح أن بلاسكو إيبانييث، أصر على أن يركز على هذه الفكرة في خاتمة روايته، إذ خشي، كما يبدو، ألا تصل إلى قرائه في السياق الروائي، فانطلق في الفصل الأخير، بحسب ما قال بعض دارسي عمله هذا في "حفلة صراخ رسم فيها لوحة، على النمط الذي نجده عادة لدى فيكتور هوغو، صور من خلالها الحرب مرموزاً إليها بفرسان سفر الرؤيا الأربعة، وبالنذير الذي انفتح أمام عيني القديس يوحنا، كما بالوحش ذي الرؤوس السبعة". والحال أن هذه الانطلاقة الخطابية التي ختم بها إيبانييث روايته هذه، أثارت إعجاب القراء وتعاطفهم معه، وضد الحرب والتعصب، أكثر مما فعلت الرواية نفسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيرة كاتب

وفيثينتي بلاسكو إيبانييث ولد عام 1867 في بلنسية في إسبانيا ليموت عام 1928 في فرنسا. وهو عرف، خلال حياته، ككاتب وسياسي أيضاً، لكن شهرته العالمية كانت بفضل كتاباته عن الحرب العالمية الأولى لا سيما رواية "فرسان الرؤيا الأربعة". وكان إيبانييث ظهر في ميدان الكتابة والسياسة في بلده، منذ سن الـ18، حين نشر قصيدة معادية للنظام الملكي تسببت في إدخاله السجن. وهو في عام 1891 أسس الصحيفة الجمهورية "الشعب"، وانتخب في عام 1901 نائباً في مجلس النواب "الكورتيس"، ثم صير إلى انتخابه سبع دورات متتالية، حتى تعب من السياسة أخيراً، ونفى نفسه إلى الريفييرا الفرنسية في عام 1923 معترضاً على الحكم الديكتاتوري العسكري في إسبانيا، حكم الجنرال بريمو دي ريبيرا. أما بالنسبة إلى الأدب، فإنه تميز في رواياته وقصصه بواقعية نقدية ذات بعد وعظي أخلاقي. ومن أشهر أعماله إلى ما ذكرنا "الكوخ" و"زهرة أيار" و"القبو" و"دماء في حلبة المصارعة" و"المايا العارية".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة