Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موت وجوع ودمار في "فرسان الرؤيا الأربعة" لبلاسكو إيبانييس

رواية كبيرة وفيلمان وثلاث حروب للتعبير عن فكرة متشائمة

مشهد من فيلم مينيللي (موقع الفيلم)

هي بالتأكيد واحدة من أعظم الروايات الشعبية التي صدرت عند نهايات الربع الأول من القرن العشرين مطلقة شهرة كاتبها الإسباني فيسينتي بلاسكو إيبانييس، وتعتبر إلى جانب "النار" للفرنسي هنري باربوس و"كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" لإريك ماريا ريمارك، رواية الحرب العالمية الأولى بامتياز، هي التي اقتبست مرة أولى للسينما عام 1921 وأوصلت النجم الهوليوودي رودولف فالنتينو إلى ذروة شعبيته، فأفادته بقدر ما أفادها. ولكن بعد ذلك بأربعين عاماً، حين أراد المخرج فنشنتي مينيللي إعادة أفلمتها بتمويل من استوديوهات بارامونت، أجبرته هذه الأخيرة على نقل أحداثها من الحرب العالمية الأولى إلى الثانية ما شكل أول ضربة لذلك المشروع حتى وإن كان الاقتباس الجديد المنزاح زمنياً سيحقق نجاحات كبيرة تعيد الرواية إلى الواجهة ما أغضب المخرج وأشعره بمرارة ظل يعبر عنها حتى أيامه الأخيرة.

حاملو الشر

ما نتحدث عنه هنا هو رواية "فرسان الرؤيا الأربعة" التي تعتبر من درر الأدب الإسباني ناهيك عن كونها واحدة من الأعمال الحربية التي وقفت ضد الحروب، كل الحروب مستنجدة في ذلك ببعض سمات مستقاة من "رؤيا" القديس يوحنا المعمدان التي تتحدث عن أولئك الفرسان الأربعة من حاملي الشر الذين يأتون ليعلنوا نهاية العالم حيث يمثل كل واحد منهم واحدة من تلك الرزايا التي ستصيب البشرية وتزيلها من الوجود: الوباء والجوع والموت والحرب بالطبع، علماً أن هذه الأربعة مترابطة فيما بينها. ونعرف أن البشرية تذكرت في معظمها تلك الرؤيا حين اندلعت الحرب العالمية الأولى كأول حرب معولمة في تاريخ البشرية، وكبداية لقضاء البشر على أنفسهم وعلى كل ما بنوه. ومع ذلك من الصعب القول، إن رواية إيبانييس هذه تلامس الحرب بصورة مباشرة وتغوص في جبهاتها مصورة الدمار والموت والخراب، بل على العكس: هي رواية تصل إلى جوهر ما تفعله الحرب بالإنسان وتحديداً من خلال قصة عائلية تنطلق في أحداثها هناك بعيداً في مزرعة في الأرجنتين، ومن خلال اجتماع عائلي يتحدث عن حتمية اندلاع الحرب متسبباً في قدر كبير من الصراع بين عائلتي ابنتي صاحب المزرعة المتزوجة أولاهما من فرنسي والثانية من ألماني.

من باب أولي، ما كان لحديث الحرب ذاك إذ أطلقه كبير العائلة وصاحب المزرعة في تلك السهرة، أن يحمل كل الدلالات الملموسة في البداية، إبان الحرب الألمانية – الفرنسية عام 1870 بالنسبة إلى الرواية الأصلية، ولكن إبان الحرب العالمية الأولى بالنسبة إلى النسخة الأولى من الفيلم فعند بدايات الحرب العالمية الثانية، بالنسبة إلى فيلم مينيللي، وما كان لذلك الحديث أن يتسبب في ذلك الشرخ العائلي لولا أن تلك المناسبات، وكلها تعكس الصراع الدائم حتى تلك الأزمنة بين الفرنسيين والألمان، حركت النزعة القومية لدى كل من الصهرين فيما كان الأب خوليو مادارياغا، صاحب المزرعة وكبير العائلة، ينعي عليهما معاً خضوعهما للابتزاز القومي القاتل متحدثاً عن الرزايا والكوارث التي سوف تحل بهم ومن خلالهم بالطبع، على البشرية جمعاء قبل أن يركض غاضباً خارج الدار ويقع أرضاً وهو يلفظ أنفاسه. فور ذلك تتبع الرواية مسار حياة كل من عائلتي ابنتي الراحل. حيث يتوجه الصهر الفرنسي مارسيلو إلى باريس مع ولديه خوليو وشيشي، بينما يتوجه الصهر الألماني كارل وعائلته إلى ألمانيا وكل منهما منطلق حتى من دون أن يقرر ذلك بالفعل، في تحقيق ما كان الوالد قد نها عنه في تلك السهرة التي لن تنسى أبداً. ولكن في ألمانيا سيتحول هاينرش، ابن كارل إلى متعصب جرماني (بل تحديداً إلى عضو في الجستابو وفي الجيش النازي في فيلم مينيللي) وينطلق للمشاركة في الحرب ضد الفرنسيين، فيما ينخرط ابن مارسيلو في فرنسا في المقاومة الفرنسية الوطنية ضد الغزاة الألمان، وأيضاً في فيلم مينيللي بينما نراه جندياً في الجيش الفرنسي متردداً في خوض الحرب مفضلاً حياة اللهو في الرواية الأصلية، كما في الفيلم الذي حقق عام 1921 مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى.

 ...وتسلم الأحفاد الراية

إذاً فإن تلك الأحداث لن تتوالى إلا بعد سنوات طويلة وتحديداً بالنسبة إلى الرواية الأصلية والفيلم الأول خلال الحرب العالمية الأولى وإذ يكون الأحفاد قد صاروا هم شخصيات الرواية وبات لكل واحد منهم قصته التي نتتبعها وفي ذهننا دائماً تلك الرؤيا التي طبعها الجد الراحل في أذهانهم كنوع من تحذير لا يغيب. ولكن هل يمكن لمثل ذلك التحذير أن يمنع ذلك الجيل من أن ينخرط في قتال كان قد بات الآن عائلياً بالنسبة إلى القراء، حتى خارج الإطار العام للحرب في تبدلاتها بين عمل إبداعي وآخر؟ والحال أن الكاتب يترك عند هذا المستوى من سرده للأحداث، المعاني العامة لجوهر ما يريد قوله، منتقلاً إلى مستوى آخر من السرد يحاول من خلاله أن يرسم صورة قاسية للكيفية التي تشتغل بها الاندفاعات الضيقة والعامة على الذهنيات محولة الأفراد وقد أراد من خلالهم أن يركز على ما لن يكف عن اعتباره "حماقات بشرية تتلاعب بها المصالح والأهواء" إلى فعل قتل وخيانة، من ذلك النوع الذي يشجبه لاحقاً حين يطل عليه في باريس من خلال جار روسي الأصل لعائلة خوليو دي نواييه، (حفيد خوليو الكبير وابن مارسيللو الذي بتنا اليوم نعيش حكايته) وهو الشاعر تشيرنوف الذي لا يتوقف لحظة عن ذكر رؤيا يوحنا المعمدان التي تبدو مسيطرة كلياً على أفكاره وهواجسه هو الذي يربطها بالحماقات البشرية.

كارثة عائلية

في الوقت الذي كان خوليو الحفيد الفرنسي قد انضم إلى الحرب في الجانب الفرنسي طبعاً، يكون أبوه مارسيللو قد غادر البيت الباريسي ليقيم في كوخ ريفي راح يراقب منه هجوم القوات الألمانية على جنود بلاده ثم رد القوات الفرنسية لهم، إضافة إلى أنه يحدث له ذات مرة أن ينقذ جندياً ألمانياً كاد الفرنسيون يقبضون عليه، بعد أن كان ذلك الألماني نفسه قد أنقذه بدوره من قبضة الجنود الألمان. مهما يكن ستتوالى الأحداث من دون أن يغوص الكاتب في لعبة الأبيض والأسود، وتتتابع حتى يعود خوليو الحفيد من الجبهة التي كان يحارب فيها، مجروحاً ثم يستأنف خوض القتال بعد التئام جراحه، أما في فيلم مينيللي، فإن خوليو هذا سينضم إلى المقاومة الفرنسية المناهضة للاحتلال النازي. وحين سيقبض عليه الجستابو بفعل وشاية فرنسية باعتباره مشاركاً في التخطيط لهجوم تشنه الطائرات الفرنسية على مركز القيادة الألمانية في منطقة النورماندي الواقعة تحت الاحتلال الألماني، سيحقق معه ابن خالته هاينريش ليقتل الاثنان معاً حين تهجم الطائرات الحليفة على المركز القيادي... بحيث لا يبقى أثر لأي ذكر من أسرة خوليو مادارياغا الذي كان قد توقع كل ذلك على أي حال، إنما من دون أن يتوقع أن تكون الحرب داخل عائلته، ويتجابه فيها حفيداه ليقتلا معاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يوم بدأ الاحتضار

وحده اللاجئ الروسي، الشاعر المهووس برؤيا يوحنا المعمدان، والذي كان لا يفتأ يكرر أمامنا تفاصيل تلك الرؤيا، يتابع كل ذلك أو القسم الأول منه على الأقل، سائراً في تفكيره على خطى الجد مردداً بين الحين والآخر صوراً يبتكرها أو تمليها عليه حماقات البشر كما يخبرنا في لغته الشاعرية السوداوية، صوراً يتحدث من خلالها بصوته العميق منطلقاً من جنونه العاقل قائلاً: "...وحين ستشرق الشمس بعد ساعات، سيرى العالم خبباً وسط حقوله وبراريه للفرسان الأربعة، أعداء البشر يحفرون الأرض بحوافر خيولهم وقد فقدوا كل صبر، هم الآتون معاً متبادلين لكلمات قليلة قبل أن يمارسوا مهمتهم القاتلة المبيدة". وهم يفعلون ذلك فيما يتابع تشيرنوف الشاعر وصفه لنهاية الكون وقد سبقتها تلك الرزايا التي لا بد منها للوصول إلى النهاية. منهياً كلامه بقوله: لقد بدأ بالفعل احتضار البشر تحت وطأة الشر الذي حمله هؤلاء الفرسان.

المزيد من ثقافة