ملخص
مثلت الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا في كل من مالي وبوركينا فاسو وغينيا وتشاد والنيجر والغابون، خلال عهد متقارب، ظاهرة مهمة تبعها عدد من المتغيرات السياسية على النطاق الإقليمي والعالمي، إذ فقدت دول غربية كبرى كفرنسا وأميركا هيمنة ظلت أعواماً طوالاً.
بإعلانه الفوز في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الغابون الشهر الجاري، لم يخرج الرئيس المنتخب برايس أوليغي نغيما عن العرف الأفريقي في ارتداء الزي المدني كرئيس شرعي لبلاده واستبداله بالعسكري. فهل لا تزال تهمة الانقلاب على الشرعية السياسية والديمقراطية عالقة بالقيادة الغابونية؟ وإلى أي مدى ينجح الرئيس في انتزاع الاعتراف به من المنظمات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي؟ وما انعكاسات ذلك على دول الحزام الانقلابي في الساحل وغرب أفريقيا؟
مثلت الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول منطقة الساحل الأفريقي وغرب أفريقيا في كل من مالي وبوركينا فاسو وغينيا وتشاد والنيجر والغابون، خلال عهد متقارب، ظاهرة مهمة تبعها عدد من المتغيرات السياسية على النطاق الإقليمي والعالمي، إذ فقدت دول غربية كبرى كفرنسا وأميركا هيمنة ظلت أعواماً طوالاً، وثروات ومصالح ضاعت في ظل المتغيرات، وما عمَّ بين شعوب تلك الدول من ثقافة رفض الاستعمار المستحدث في هيمنته على دول القارة، عبر حكومات مدنية ظلت أعواماً ذيولاً تابعة لم تقدم لشعوبها نجاحات تذكر.
جاء أول انقلاب عسكري في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية (الساحل الأفريقي) داخل مالي عام 1968، حينما أطاح موسى تراوري الرئيس المدني موديبوكيتا مؤسس دولة مالي الحديثة. لكن ما شهدته الأعوام الأخيرة في كل من مالي وتشاد وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر والغابون من انقلابات عسكرية وتغيرات سياسية متتابعة، كان بمثابة تغيير أفريقي على المستوى السياسي والاجتماعي لشعوب القارة، وكتحد حقيقي للدول الكبرى التي لم تجد فرصة للتفكير قبل أن تنقل قواعدها وتفض معسكرات جيوشها راحلة قسراً على رغم صيحات مكافحة الإرهاب، وما تتمسك به من حجج مغلفة بمصالح طامعة.
اتحاد دول الساحل
طردت كل من مالي وبوركينافاسو القوات الفرنسية بعد الاتهامات الموجهة لها بالفشل في التصدي للجماعات المسلحة شمال مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وأمر القادة العسكريون في النيجر القوات الفرنسية بالخروج من البلاد، وطالبوا فوراً القوات الأميركية في مارس (آذار) 2024 بالرحيل هي الأخرى وإلغاء الاتفاقات العسكرية، ليمثل ذلك تحرراً حقيقياً من الوجود الأجنبي. لكن على رغم ما لقيته الانقلابات العسكرية من تأييد محلي لا تزال دول شمال الصحراء وغرب أفريقيا تواجه تحديات سياسية واقتصادية، إلى جانب ما شكلته المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) من تهديد مباشر، لينعكس ذلك أخيراً في التحالف الثلاثي بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، حينما أجمعوا على إدارة ظهرهم لـ"إيكواس" ليشكلوا "اتحاد دول الساحل" الذي يضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو ككيان بديل للمجموعة الإقليمية المؤسسة منذ أكثر من 50 عاماً، متهمين "إيكواس" بالعمالة الخارجية وتهديد بلدانهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على مستوى آخر، مثل قانون الاتحاد الأفريقي في المادة 30 من ميثاق الاتحاد، والمادة 23 المتعلقة بالديمقراطية والانتخابات والحكم، تحدياً لدول عديدة عملت للالتفاف على عقوباته كمصر وموريتانيا، إذ أجرت انتخابات موصوفة بالديمقراطية لتعود من جديد لأنشطة الاتحاد، في حين جمد الاتحاد الأفريقي أنشطة دول كالسودان والنيجر لتظل معزولة على رغم المبررات الوطنية التي صاحبت التغيير السياسي، ولم يكن تعامل الاتحاد منصفاً مقارنة مع دول أخرى كتشاد، التي استولى فيها محمد دبي على السلطة عام 2021 بعد مقتل والده، ولم يصدر الاتحاد الأفريقي (في ظل رئاسة التشادي موسى فكي) قراراً بتجميد عضوية تشاد على رغم ما عدَّه مراقبون تغييراً غير ديمقراطي في السلطة.
الجنرال نغيما
تأتي الانتخابات الرئاسية التي جرت في الغابون خلال أبريل (نيسان) الجاري، وأعلنت فوز الرئيس برايس أوليغي نغيما الحاسم وحصوله على نسبة 90.35 في المئة من الأصوات، وفق وزارة الداخلية الغابونية، بمثابة إعلان شرعية جديدة لحكومته العسكرية.
نغيما تخلى عن زيه العسكري خلال حملته الانتخابية للفوز بولاية مدتها سبعة أعوام أمام سبعة مرشحين من بينهم آلان كلود بيلي باي نزي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد علي بونغو قبل الانقلاب عليه خلال أغسطس (آب) 2023.
وكان الرئيس الانتقالي الغابوني الجنرال برايس كلوتير أوليغي نغيما أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية بعد أكثر من عام على توليه الرئاسة الانتقالية، إثر إطاحته الرئيس السابق علي بونغو أونديمبا الذي خلف والده في السلطة عام 2009، وأجرى انتخابات مشكوكاً في معطياتها، وظلت عائلة بونغو محتكرة للسلطة لما يقارب الـ55 عاماً. وقال نغيما في حشد من أنصاره داخل العاصمة ليبرفيل إنه قرر الترشح للرئاسة استجابة لمناشدات الغابونيين العديدة، مضيفاً أن رؤيته هي أن "ميلاد الغابون من جديد من تحت الرماد ليس حلماً، وإذا كان كذلك فإنه سيجعله حقيقة".
الانتخابات الغابونية على رغم أنها جاءت كفرض لواقع سياسي فإنها تصب في مطالب عدد من الجهات، من بينها الاتحاد الأفريقي الذي سبق أن دان خلال الـ30 من أغسطس 2023 الانقلاب العسكري على السلطة الشرعية، وقرر مجلس السلم والأمن تعليق مشاركة الغابون في جميع أنشطة وأجهزة الاتحاد إلى حين عودة الشرعية، لكنه حتى الآن لم يصدر بياناً في شأن التحول الجديد.
لكن على مستوى إقليمي ودولي، يتوقع مراقبون أن يكون لهذه الانتخابات ردود فعلها سواء على مستوى المنظمات الإقليمية أو الدول الغربية، فضلاً عن تبعات تصب في دول أفريقية شهدت أنظمتها انقلابات عسكرية لتحذو هي الأخرى تجاه التحول المدني.
الشرعية المرجوة
يقول المحلل السياسي جوزيف سيجل وهاني واهيلا في تقرير بمجلة "أفريكا سنتر"، "يبدو أن الانتخابات الرئاسية في الغابون ستكون بمثابة ممارسة منظمة تهدف إلى منح قدر من الشرعية للنظام العسكري والعميد برايس أوليغي نغيما الذي استولى على السلطة في انقلاب الـ30 من أغسطس 2023".
ويضيف "لقد اتبع أوليغي تسلسلاً مصمماً بعناية من الإجراءات لتمهيد الطريق من دون عوائق للوصول إلى كرسي الرئاسة في هذا البلد الغني بالموارد، والذي يبلغ عدد سكانه 2.5 مليون نسمة داخل منطقة حوض الكونغو الحيوية. ويشمل ذلك إعلان نفسه رئيساً انتقالياً خلال الرابع من سبتمبر (أيلول) 2023، وتعيين الموالين له في ثلثي مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية، وكذا تعيين جميع أعضاء المحكمة الدستورية التسعة، واستضافة حوار وطني محدد المعالم في منتصف عام 2024، والذي لعب فيه الجيش دوراً بارزاً".
ويضيف واهيلا "كانت إحدى نتائج هذه الإجراءات إعادة صياغة الدستور للسماح لأعضاء المؤسسة العسكرية بالتنافس على المناصب السياسية، وإلغاء دور رئيس الوزراء وتمديد فترة الرئاسة إلى سبعة أعوام، وإلغاء نظام الانتخابات المكون من جولتين (من ثم، خفض حد الدعم الشعبي اللازم). ويسهم كل من هذه التغييرات في تعزيز السلطة داخل السلطة التنفيذية شديدة المركزية بالفعل في الغابون، في حين يوفر لأوليغي مساراً سهلاً لتوسيع نطاق قبضته على السلطة".
الأبعاد السياسية والقانونية
ضمن التساؤل حول ما تمثله انتخابات الغابون من شرعية سياسية لمجمل دول غرب أفريقيا التي شهدت انقلابات عسكرية، وما قد يمثله التوجه الديمقراطي الانتخابي من حافز للحصول على الشرعية، يقول المستشار القانوني خالد عثمان محمد طه "هناك فارق في الأبعاد السياسية والقانونية في ما تستند إليه دول وجهات ومنظمات كالاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في قراراتها وقوانينها ولوائحها المجمع حولها، كون مصوغات اللوائح والقوانين ضد الدول ليست قانونية مجردة في غالب الحالات، وذلك لتداخل السياسي مع القانوني، فضلاً عن أبعاد المصالح التي لها دور مؤثر في إخراج مواقف الجهات، بما فيها منظمة الأمم المتحدة وروافدها من جهات قانونية كمحكمة العدل والمحكمة الجنائية الدولية. وأهم مثال على ذلك ما يحدث في قطاع غزة حالياً، إذ تبنت دول مقاضاة إسرائيل بسبب انتهاكاتها وسارت المحكمة الجنائية الدولية في مسار يحقق العدالة الدولية، لكن الذراع السياسية تظل الأقوى في اتخاذ أي قرار أو تطبيق أي قانون ولو أجمع عليه العالم.
ويضيف طه "إذا أخذنا الاتحاد الأفريقي كمنظمة إقليمية، فإنه في حال الانقلابات العسكرية التي يعدها خرقاً للمبادئ الديمقراطية، يعلق عضوية الدولة الانقلابية بموجب الميثاق التأسيسي للمادة 4 (p) للاتحاد، التي ترفض الانقلابات العسكرية، والميثاق الأفريقي للديمقراطية ’الوثيقة القانونية ضد الانقلابات‘، الذي يفرض عقوبات سياسية ودبلوماسية من عدم الاعتراف، فضلاً عن ضغوط أخرى عبر الجهات والمنظمات الدولية الشريكة له. ومن جهتها، تفرض كذلك المنظمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ’إيكواس‘ هي الأخرى عقوبات اقتصادية على عضويتها، وهو ما حدث بالفعل ضد كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، إذ شملت الحرمان من الامتيازات التي توفرها المنظمة لأعضائها، لكن على رغم ذلك ليس هناك عدالة إجرائية مطلقة في تعامل هذه المنظمات مع دولها كافة، فمن الممكن أن ترفع العقوبات عن أنظمة ودول انقلابية حال إجرائها انتخابات حتى إذا تأكد عدم اتصافها بالنزاهة، وتحرم دولاً أخرى وتعاقب دولاً ولا تعاقب أخرى، وفي هذه الحال لا تمثل في رأيي انتخابات الغابون حجة مطلقة، سواء لها أو لغيرها من الدول الانقلابية في غرب أفريقيا".
إعادة إدماج
من جهته، يشير المستشار بالأكاديمية العليا للدراسات الأمنية والاستراتيجية معتصم عبدالقادر إلى أن العامل السياسي والاقتصادي والأمني هي الفيصل في إعادة إدماج دول غرب أفريقيا في مجتمعاتها الإقليمية، على رغم تهمة الانقلابات العسكرية، فتحدياتها مع جهات ومنظمات كالاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيكواس" أو دول مؤثرة كنيجيريا وغانا، يرتبط بالاستقرار السياسي والمتغيرات السياسية والإقليمية.
ويوضح "هذه الدول في الغالب، وفي حال فرض نفسها عبر تطور اقتصادي وأمني، تستطيع إعادة وضعها والتأقلم مع الواقع من حولها، وربما تمثل دولة الغابون بداية تغيير نحو ديمقراطية تعدل النظرة السالبة تجاه دول الغرب الأفريقي والحكومات العسكرية فيها، إذا تثنَّى لها النجاح الاقتصادي والأمني واستطاعت كسب دول غربية عبر إغراءات مستحدثة".
ويشير إلى أن "هناك من يرى أن الرئيس المنتخب الجنرال أوليغي نغيما ظل لفترة طويلة أحد المقربين من عائلة بونغو، وهو في الحسابات الأسرية ابن عم الرئيس المعزول علي بونغو. وشغل أوليغي منصب مساعد الأب عمر بونغو حتى وفاته عام 2009 كما كان رئيساً لجهاز استخبارات قبل تعيينه من قبل الابن علي بونغو لقيادة الحرس الجمهوري عام 2020.
ويستدرك عبدالقادر "لكن مهما يقال عن صلته العائلية وكونه امتداداً لأسرة بونغو، فإن استيلاءه على السلطة يشكل تسييساً للجيش الغابوني الذي سيصبح جزءاً لا يتجزأ من اللعبة السياسية والسلطة في الغابون، شأنه شأن جيوش دول غرب أفريقيا الأخرى كمالي والنيجر وبوركينا فاسو المفصولة من منظمة "إيكواس"، وربما تمثل الانتخابات الرئاسية التي أجراها أوليغي في الغابون مؤشر اختراق جديد تنتهجه هذه الدول هي الأخرى لإثبات شرعية غائبة عنها".
ويشير إلى "ما يمثله الجانب الأمني لدول غرب أفريقيا كالنيجر ومالي وبوركينا فاسو والغابون، فنجاحها في مواجهة التنظيمات المتشددة التي هي امتداد لـ’القاعدة‘ وغيرها من منظمات إرهابية يعطيها وزناً سياسياً مهماً تحتاج إليه، وبخاصة مع فشل الأنظمة المدنية السابقة التي لم تحقق نجاحات معتبرة في الملفات الأمنية على رغم الدعم الخارجي".
ويضيف "على العكس من ذلك، فإن الفشل في الجانب الأمني وفي مواجهة تلك التنظيمات الإرهابية المرتبطة بـ’القاعدة‘ و’داعش‘ يقود إلى عدم الاستقرار، وإلى ترد اقتصادي نتيجة عدم توفر البيئات المحفزة للاستثمار، والتشجيع على تدخل جهات إقليمية أو دولية، سواء استبدلت هذه الدول أوضاعها السياسية عبر انتخابات ديمقراطية، أو ظلت كما هي عليه".