Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قراءة هادئة في لقاء ترمب - زيلينسكي

مظاهر التدهور الأخلاقي في المشهد متعددة وتتجاوز الجوانب السلوكية

سيستمر العالم فترة ليست بقصيرة في الإعراب عن الدهشة البالغة تعليقاً على لقاء ترمب وزيلينسكي (أ ف ب)

ملخص

في النهاية، الحسابات قصيرة النظر جعلت أطراف هذه الحرب تدفع ثمناً باهظاً، وليثير هذا تساؤلات مشروعة عديدة منها أنه أياً ما كانت صورة التسوية فما مصير الرئيس الأوكراني ذاته؟ وما مدى إمكان استمراره في ضوء الحديث عن اتصالات بين إدارة ترمب وبعض قيادات المعارضة الأوكرانية؟ والتساؤل الأكبر يدور حول جدارة الولايات المتحدة بقيادة الغرب والعالم مع هذا التقلب الذي كلف العالم كثيراً.

ربما سيستمر العالم فترة ليست بقصيرة في الحديث والإعراب عن الدهشة البالغة تعليقاً على لقاء الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وربما تهدأ العاصفة بعض الشيء بعد موقف آخر يصنعه الرئيس الأميركي، والأخير لا يتوقف عن الإدهاش والسلوك والتفكير خارج المعتاد، والحقيقة أن كثيراً من هذه الضجة تحتاج إلى تأمل هادئ ونقاش موضوعي من الأبعاد كافة، بخاصة بعدما تراجع الرئيس الأوكراني وتحدث بنبرة اعتذارية وأكمل عبثية المشهد وجعل موقف التعاطف الأوروبي معه من دون معنى.

تاريخ العلاقات الدولية حافل بالتجاوزات

أول هذه الأبعاد أنه مع تطرف وغرابة المشهد، إلا أن التاريخ حافل بمظاهر من التجاوزات الأخلاقية السياسية العديدة، ولأننا ننسى فقد كانت هذه حال العالم القديم قبل أن يهذبه الإعلام الحديث وانتشار التواصل الاجتماعي، والتي فضحت كل شيء كانت تخفيه الغرف المغلقة، ومع ذلك شهد العالم تجاوزات سلوكية لا تُنسى، من ذلك مشهد حذاء نيكيتا خروتشوف (حكم الاتحاد السوفياتي من 1953 إلى 1964) في الأمم المتحدة، وكيف ننسى مشهد تمزيق ميثاق الأمم المتحدة بواسطة مندوب إسرائيل خلال ذروة الحرب في غزة أخيراً، وعلى رغم أن الموقفين الأخيرين كانا يتضمنان إهانة لكل العالم، ومع ذلك فإن طبيعة الكرامة البشرية، التي تمتد للدول، تجعل الموقف في هذا اللقاء أكثر صعوبة وإهانة للرئيس الأوكراني ودولته.

على أنه، كما ذكرنا، كل من عمل بالسياسة الخارجية أو الدبلوماسية المعاصرة يعرف أيضاً أن التجاوزات في اللقاءات المغلقة تصل إلى حدود قد لا يتصورها البعض، وأن هذا لا يزال يحدث على رغم التحسن الكبير الذي طرأ بعد انتشار الإعلام والتواصل، والفارق هو أنه يحدث في غرف مغلقة ويتم تسريب خبر صغير أو الإعلان الصريح في توقيتات كثيراً ما تكون تالية بفترات زمنية متفاوتة، كما يظل الفارق أيضاً في أن هذا التراشق لا يحدث عادةً بين دول يفترض أنها حليفة، فضلاً عن تفاصيله المخزية.

لم يكن من الحكمة لأوكرانيا عقد اللقاء

البعد الثاني أنه لم يكن من الحكمة للرئيس الأوكراني قبول أو السعي لعقد هذا اللقاء، ولو كان هو ومستشاروه قد درسوا شخص الرئيس ترمب بصورة دقيقة لتوقعوا لقاءً أكثر صعوبة. وهنا يرى البعض أن زيلينسكي تعجل المواجهة أمام الإعلام وجذب ترمب ونائبه جي دي فانس للتورط في هذه المواجهة ليسجل موقفاً مع الرجل. وفي الحقيقة أن هذا رهان خاطئ، وتسبب في حرج للرئيس الأوكراني ودولته، وربما يفسر هذا تردد كلمة أن زيلينسكي هو الذي تجاوز في حق الرئيس الأميركي، وهذا غير صحيح، لكنه نجح فعلاً في تشويه صورة الرئيس الأميركي عالمياً بدرجة كبيرة. ويبقى السؤال عما إذا كان هذا في صالح أوكرانيا؟

وهنا كانت الحصافة وبعد النظر، ألا يتوهم زيلينسكي كثيراً حول قدرات نفسه، وأن يتفهم شخصية ترمب، وأنه لن يغفر له دعمه للديمقراطيين في الحملة الانتخابية، وأن يستبق بدفع أطراف أوروبية مختلفة لمقابلة الرئيس الأميركي، والتركيز على تحسين الصفقة المزمع إخراجها، بحيث يتم تقليل خسائر أوكرانيا أو تحسين الضمانات التي ستحصل عليها بهذا الصدد، لكن الرئيس الأوكراني حاول ممارسة اللعبة التي يجيدها ترمب برفع سقف توقعاته، وذهب وكأنه سيعطيه درساً في مبررات إعادة الدعم الأميركي، وفي الواقع أن التدليل الغربي والأميركي في عهد الرئيس السابق جو بايدن قد جعل زيلينسكي يتوهم كثيراً حول إمكان تغيير مواقف ترمب بهذا الصدد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

البعد الثالث هو التدهور الأخلاقي في رسالة الطرفين

في الواقع، إن مظاهر التدهور الأخلاقي في المشهد متعددة، وتتجاوز الجوانب السلوكية، وأولها الرسالة الواضحة التي يرسخها الرئيس ترمب حول اعتداده بالقوة كأساس للتعامل الدولي، فهو يعاير زيلينسكي لأنه متراجع عسكرياً وليست لديه أدوات كافية للتفاوض وفرض وجهة نظره، ولا يعبأ ولا يريد حتى أن يستمع لوجهة نظر نظيره الأوكراني، ويعود بالعلاقات الدولية إلى ما كان عليه العالم في عصوره القديمة من دون أي تهذيب أو تغليف حاولت بهما البشرية تحسين نفسها في ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكثيراً ما كانت لغة القوة والمصالح، حتى في العصر الحديث، هي المعيار، لكنها اليوم سافرة وبلا حياء ويريد ترمب أن يرسي معالمها الجديدة.

ولا يكتفي الرئيس الأميركي بهذا، بل يضيف إليها مسألة المعادن التي يبدو أنه قد حصل على تنازل أوكرانيا فيها مرة أخرى، ويريد الحصول على ثمن ما دفعته بلاده علناً وبلا حياء، ومتجاهلاً أنها لم تشترط هذا في البداية لتقديم مساعداتها.

ثم تكمل مظاهر التدهور الأخلاقي مسألة المعايير المزدوجة، فالرئيس الأوكراني الذي يريد أن يضع الحجج القانونية والأخلاقية يتجاهل أنه مؤيد متطرف لإسرائيل، ومن دون حياء، مما يجعل من قضيته لا وزن لها.

وتبقى الجوانب السلوكية في المشهد التي نقول إن البشرية تعرفها تاريخياً، لكنها في القرون الحديثة كانت تحاول التجمل وتغليفها، لكن المشهد الأخير يعود بنا إلى نماذج متطرفة كان إرثها، في الغالب، كارثياً على بلادها والعالم، كما يأتي ما ذكره ترمب من وصف للرئيس الأميركي السابق بالغباء لدعمه أوكرانيا ليشكل أمراً مؤسفاً آخر ربما يترك مزيداً من المشاعر الغاضبة داخل الولايات المتحدة ذاتها.

البعد الرابع أن أوروبا تتراجع بالفعل، وأن المشهد تدهور بعد هذا اللقاء، فقد أعربت قيادات ودول أوروبية عديدة عن تأييدها للرئيس الأوكراني، وحاولت أن تحفظ ماء وجهه، وعقدت قمة دعم لأوكرانيا. وأياً كان ما اتخذته من قرارات فالتناقضات تسود المشهد، فما بين عنترية فرنسية حول مظلتها النووية كان قد بدأ الحديث قبلها عن مبادرة بريطانية - فرنسية للتوصل إلى تسويات. والواضح أن كل ما تسعى إليه القارة العجوز الآن ليس زيادة مخصصاتها الدفاعية أو مضاعفتها كما تحدثت التقارير، فهذه مسألة ستستغرق وقتاً، وإنما فقط المناورات لتحسين شروط الصفقة والحصول على ضمات أميركية، لا تبدو ممكنة في ضوء تصريحات ترمب بهذا الصدد، والتي عودنا أنه لن يتراجع فيها، وسيعتمد على ترويج وهم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيقدم وعداً، وأن هذا الأخير يحترمه ويرهبه، ومن ثم لن يتراجع عن وعوده واتفاقه مع الولايات المتحدة.

أما أهم ما في المشهد، بعد هذه الضجة، فهو تراجع زيلينسكي نفسه، والذي لم يواصل دور البطولة، بل تراجع وأرسل لنظيره الأميركي خطاب إشادة بقيادته القوية، وأنه سيسير خلفه، ويتزامن مع هذا الحديث عن صفقة المعادن النادرة التي كانت جاهزة للتوقيع خلال هذه القمة، والتي تأجلت بسبب ملابسات شجار البيت الأبيض، ومع تراجع أوكرانيا جاء إعلان ترمب في خطاب الاتحاد أن اتفاق المعادن سيوقع بحسب ما جاء في خطاب استسلام الرئيس الأوكراني.

وليبقى السؤال الأكبر عندما تكتمل معالم صفقة تسوية الحرب التي قد تأخذ بعض الوقت، وهي: ما كانت جدوى كل هذه الحرب؟ ولو كانت هناك قيادة أميركية رشيدة تفاوضت مع موسكو قبل بداية الحرب لما حقق بوتين نصف ما سيحصل عليه الآن، بخاصة ضم الأراضي الأوكرانية التي أوضح أنه لن يتراجع عنها، ربما يقبل بعض التعديلات، لكنه لن يقبل بالتخلي عن غالبيتها، ولن تنضم أوكرانيا لـ"الناتو"، وكان هذا مطلباً رئيساً لروسيا، وربما أيضاً ما كانت أوكرانيا تتنازل عن ثروتها من المعادن النادرة بثمن بخس في ما يبدو.

في النهاية، الحسابات قصيرة النظر جعلت أطراف هذه الحرب تدفع ثمناً باهظاً، وليثير هذا تساؤلات مشروعة عديدة منها أنه أياً كان شكل التسوية فما مصير الرئيس الأوكراني ذاته؟ وما مدى إمكان استمراره في ضوء الحديث عن اتصالات بين إدارة ترمب وبعض قيادات المعارضة الأوكرانية؟ والتساؤل الأكبر يدور حول جدارة الولايات المتحدة بقيادة الغرب والعالم مع هذا التقلب الذي كلف العالم كثيراً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل