ملخص
صدر أخيراً كتاب جديد للروائي المصري – الكندي عمر العقاد في نحو 200 صفحة، تمتزج فيها المقالة بالسيرة بالتأملات الصحافية، بعنوان "يوماً ما سيقول الجميع إنهم كانوا ضد هذا".
عمر العقاد، روائي وصحافي مصري، كندي الجنسية، يحمل أيضاً الجنسية الأميركية، ويعيش هو وأسرته في بورتلاند بولاية أوريغون. ولد في مصر في عام 1982 ثم انتقل مع أسرته إلى قطر، ومنها إلى مونتريال. درس علوم الكمبيوتر، ثم أصبح مراسلاً أجنبياً لصحيفة "ذي غلوب آند ميل"، وبعد سنين كثيرة من العمل الصحافي قام خلالها بتغطية حرب أفغانستان ومعتقل غوانتانامو، أصدر في عام 2017 روايته الأولى بعنوان "حرب أميركية"، وهي "دستوبيا" تدور أحداثها في المستقبل، إذ يؤدي ارتفاع منسوب مياه المحيط إلى إغراق الساحل الشرقي الأميركي فتنشأ حرب أهلية. حققت الرواية نجاحاً كبيراً، وأتبعها العقاد برواية أخرى هي "يا له من فردوس غريب"، عن صبي مهاجر يلقي به اليم شبه ميت على ساحل اليونان. وصدر له أخيراً كتاب جديد، قد يكون بعيداً من الدستوبيا، لكنه غير بعيد من الأهوال. صدر الكتاب في نحو 200 صفحة، تمتزج فيها المقالة بالسيرة بالتأملات الصحافية، بعنوان "يوماً ما سيقول الجميع إنهم كانوا ضد هذا".
التوقف عن اللامبالاة
يكتب لورنس هيل في استعراضه للكتاب (غلوب آند ميل ـ الـ21 من فبراير/ شباط 2025) إن العقاد "حينما ترك قطر إلى كندا كان يؤمن بالغرب، وبأن الناس فيه ملتزمون بعدالة المعاملة في ظل سيادة القانون والنظام والعرف الاجتماعي، وبقي على إيمانه ذلك حتى 'خريف عام 2023'، أي إلى أن وقعت المذبحة". والمذبحة المعنية هي بالطبع حرب الإبادة الجماعية التي نفذتها إسرائيل في غزة، على مرأى ومسمع من العالم.
"يدعو العقاد حكومات الغرب ومواطنيه إلى التوقف عن اللامبالاة، وإلى التدخل لإيقاف إسرائيل عن قصف الفلسطينيين وقتلهم وتشويههم وتشريدهم وتخريب البنية الأساسية في غزة، فالرسالة الأساسية في هذا الكتاب القوي شديد الإزعاج هي أن "تجاهل الإنسانية يفضي إلى تآكل الروح"، لذلك يطالب العقاد قراءه بمشاركته النظر إلى الأهوال، ويسألهم، كيف وقد رأوا لا يتحركون؟".
يكتب هيل أن "العقاد يستهل كتابه بفقرات بارزة تبدو أشبه بالقصص، في حين أنها تأمل في الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة: 'طفل عمره 18 شهراً مصاب بطلقة في جبهته. لعل القناص كان يستهدف غيره. لعل للأمر تفسيراً ما. لعله كان ضرورة'".
يريد العقاد من قارئه أن يشهد ما شهده: "لقد رأيت على نحو شبه يومي صور أطفال مشوهين، وجياعاً مشرفين على الموت، وقتلى. وأشلاء أجسام، وآباء يدفنون فلا يدفنون إلا أطرافاً".
يكتب العقاد أن "الجميع تقريباً من أهل غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة تشردوا، وتكاد كل مدرسة ومستشفى وجامعة أن تكون تضررت أو تدمرت، وأدى الحجب العمد للمعونات وتدمير البنية الأساسية إلى انتشار المجاعة والموت بالأمراض، وطولب المقيمون مراراً بالانتقال من أحيائهم إلى ’مناطق آمنة‘ ثم أبيدوا فيها، وما من إحصاء دقيق للقتلى، وقد لا يوجد أبداً".
"لقد ارتكب الجيش الإسرائيلي حملة إبادة جماعية في حق الشعب الفلسطيني، بتوجيه من الحكومة الإسرائيلية، وبدعم من الغالبية الكاسحة من مراكز السلطة السياسية في العالم الغربي"، وبصمت أيضاً ولا مبالاة، كما يعلق لورنس هيل، من الإعلام والكتاب والمواطنين بعامة، وهذا التقاعس يعني مثلما يكتب العقاد "أنكم مطالبون بأن تقتلوا في أنفسكم ما كان ليصرخ في مواجهة الظلم. مطالبون بتعطيل آلية عمل الضمير في أنفسكم"، وتأتي قراءة العقاد في الغرب - كما يقول هيل - لتشهد القراء على ما جرى وتحملهم على النظر في قلوبهم.
هم ونحن
يكتب فنتان أوتول مستعرضاً الكتاب (نيويورك تايمز- الـ25 من فبراير / شباط 2025) فيقول إن العقاد "في كتابه الأليم الذي يتناول مواقف الأميركيين والأوروبيين من دمار غزة، يحاول أن يفعل ما سبق أن فعله في روايته ’حرب أميركية‘، أي أن يرغم القراء الأميركيين على التفكير في الضحايا الفلسطينيين لا باعتبار أنهم 'هم'، بل باعتبار أنهم 'نحن'. ولو أنه في الرواية يحاول أن يقرب الفجوة المعرفية بين أميركا والشرق الأوسط، فهو في الكتاب يصب غضبه على اتساع هذه الهوة التي أقصت معاناة المدنيين الهائلة في غزة منذ السابع من أكتوبر، في الخطاب الرسمي في الأقل، وحصرتها في عتمة الأمور التي تجري لأناس ليسوا بشراً كاملين".
"في نقطة ما من رواية 'حرب أميركية' تتأمل سارات، إحدى شخصيات الرواية، أجساماً بشرية هالكة في معسكر يقع على الحدود بين ولايتي ألاباما وميسيسبي ضمن أعمال الحرب الأهلية التي تدور رحاها في أميركا عام 2081 ـ إن 'التوق إلى الأمان كان في ذاته لوناً آخر من العنف، عنف الجبن والصمت والخنوع. فهل كان الأمان أصلاً إلا صوت سقوط القنبلة على بيت شخص آخر؟' وهذه الفكرة تتردد من جديد في كتاب ’يوماً ما‘ حينما يتذكر العقاد ذكراه الأولى عن الحرب وهي ذكرى مشاهدته عبر قناة "سي أن أن" إسقاط القنابل الأميركية على بغداد خلال حرب الخليج الأولى في عام 1990: 'كان ذلك من الأمور التي تحدث لأماكن بعينها، ولبشر بعينهم. صاروا كرات من ضوء أبيض شاحب. لكن أهم ما في الأمر، أنهم لم يكونوا نحن'".
"في الرواية يزعج العقاد قراءه باستعراض حاضر أميركا من خلال رؤية مريعة لما قد يبدو عليه وطنهم الذي يعرفونه بعد عقود عديدة. أما في الكتاب الجديد، فينشد الإزعاج بفعل العكس، طالباً منا أن نعيد النظر في الحاضر من موقع متخيل في المستقبل: 'يوماً ما لن يكون من المقبول في الدوائر الليبرالية المهذبة في الغرب ألا نعترف بكل الأبرياء الذين لقوا مصرعهم في ذلك الغم القديم. يوماً ما ستعترف عملة الليبرالية الاجتماعية بمعاناة الذين خنقتهم بالصمت من عملة شرعية'".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معاناة مع الصمت
يقارن أوتول دافع العقاد إلى كتابه بدافع صمويل بيكيت من قبل، فيكتب أن "العقاد نفسه يعاني مع الصمت، لكنه ليس صمت اللامبالاة أو الجبن، وإنما حالة شبه الخرس المفروضة على اللغة في مواجهة الإبادة الجماعية. لقد ذكرني كتاب 'يوماً ما' ببيان صمويل بيكيت الذي قال فيه إنه يفتقر إلى القدرة على التعبير، ولكنه في الوقت نفسه ملتزم بالتعبير. فهذا الكتاب، مهما يكن رأي المرء في حججه، ينطوي على حيوية يائسة، نابعة من كاتب يحاول أن يستعصر من محض كلمات إجابة كافية لسؤاله: 'ما الذي يتبقى ليقال إلا مزيد من الموتى، ومزيد من الموتى؟". والكتاب يقع في الهاوية القائمة بين فرط الحمولة العاطفية الناجمة عن متابعة التغطية اليومية الحية للأهوال من ناحية، وبين حساب المستقبل الذي لم يحن بعد. فلعل هذا - كما يكتب العقاد 'هو الوقت عديم الوزن القائم بعد أن تفقد الصفحة الأولى قيمتها، وقبل أن تصل كتب التاريخ'".
"ولكي يعطي العقاد ثقلاً لما يصفه بسخريته البليغة بـ'فترة الانتظار الإلزامية' التي ينبغي أن تنقضي قبل أن يتكلم المرء في ما يستعصي على الكلام، يبتكر قالباً يمكن أن نطلق عليه (الجديرة) polemoir، فهو مزيج من 'الجدل' و'السيرة'. غير أنه ليس ذلك المزيج بالضبط، لأن الذاتي والسياسي لا ينسجمان دائماً. فهو يستحضر بصورة رائعة ذكرياته، عن العائلة والتشرد والاشتباه فيه لكونه غريباً مسلماً في أميركا الشمالية، وسنوات عمله صحافياً لصحيفة ’ذي غلوب آند ميل‘ في تغطية حربي أفغانستان والعراق وغيرهما. ولكن هذه الذكريات تظهر مصفاة عبر رزانة التجربة والزمن والتأمل".
"أما الجانب الجدالي في الكتاب، الذي صاغته سخونة العنف والغضب، فأكثر ارتباكاً، وهذا مفهوم. فالجدال غايته الإقناع، لكن العقاد يكتب في نقطة ما أنه 'لم يبق من حجج لتقام'. و'التزام التعبير' في عالم النشر الأميركي الأساسي يتعارض مع رأيه بأنه لم يبق ما يمكن إنقاذه من الليبرالية الغربية".
المثل الزائفة
"هو لا يرى القتل في غزة باعتباره خيانة للمثل الديمقراطية وإنما باعتباره برهاناً على أن هذه المثل كانت زائفة منذ البداية فـ 'لقد كان هذا دأبها دائماً'، ويرى أنه لا شيء يمكن عمله إلا 'المقاومة السلبية' والنأي عما يسميه باستمرار وبغموض أيضاً 'الإمبراطورية'. ومن الواضح أنه ليس وحده في ذلك، فمثل هذا اليأس هو الذي أسهم في خسارة كامالا هاريس أمام دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ومن الممكن، على المستوى السطحي، قراءة 'يوماً ما' بوصفه مانيفستو مكتوب بأثر رجعي ممن رفضوا التصويت لها بسبب سياسة تسليح إسرائيل التي اتبعتها إدارة بايدن".
"ولكن الكتاب أكثر من ذلك، فهو في أفضل حالاته تحقيق في الأعماق الغائمة لوعي جمعي صاغه الهرب من الأدلة اليومية على الكارثة السياسية والبيئية. وفيما كنت أقرأ الكتاب وأنا أشاهد لوس أنجلوس إذ تحترق، وأشاهد اللقطات المصورة من الطائرات المسيرة فتبدو لي المدينة وكأنها تعرضت لقصف جوي، أذهلني فهم العقاد إذ يقول إنه 'عندما تأتي حرائق الغابات الكبرى، وها هي قد جاءت، فإن الصناعات التي ساعدت في إحداث هذه الحرائق ستعتمد على تسامحنا المتزايد مع الكوارث'، فهذا الكتاب في الحقيقة صرخة أسى ضد التسامح مع كوارث الآخرين".
تستهل دينا نايري استعراضها للكتاب (ذي غارديان – الـ14 من فبراير 2025) بسؤال سمعه الصحافي والروائي عمر العقاد مراراً في الآونة الأخيرة: "أين مارتن لوثر كنغ الفلسطيني؟". كان "الاتهام الضمني في هذا السؤال هو أن بعض الناس لا يستطيعون، في مواجهة ما يتعرضون له من سوء المعاملة، أن يستجيبوا باللين والصبر والحب، وعجزهم هذا، وليس أي ظلم خارجي واقع عليهم، هو المسؤول عن الشقاء الذي يحل بهم".
"ولكن ما كان يتسم به كنغ أكثر مما اتسم بالمحبة والصبر أنه كان بليغاً. ولا يفتقر الفلسطينيون إلى البلغاء المدافعين عنهم، ومنهم العقاد، الذي يأتي كتابه الأحدث استجابة لأحداث غزة بعد السابع من أكتوبر عام 2023. ففيه صوته وحيرته، بعد عقود من الاضطرار إلى الصمت احتراماً للحياد الصحافي، أو مراعاة لاشتراط الفن الذي يلزم الفنان بأن يجسد بدلاً من أن يعظ، أو اضطراراً إلى إمساك اللسان بعد أن أبدى قراء شكوكاً عنصرية في عمله الصحافي، إذ كتب أحدهم 'إنني لا أثق في أية مادة عن الإرهاب يكتبها شخص اسمه عمر'".
"يدير عمر العقاد ظهره لكل هذه القيود القديمة ويحكي للعالم عما فيه من أخطاء، بوصفه نفسه فقط، [أي بوصفه كاتباً يمثل نفسه، لا صحافياً يمثل صحيفته] فلا يقدم الخبر وحسب وإنما يعالجه ويعالج كل ما رآه وسمعه. وهو يكتب قائلاً إن 'هذه حكاية انفصال، وتخل عن فكرة أن الليبرالية الغربية المهذبة مثلت في أي وقت أي شيء على الإطلاق'. والكتاب هجوم بليغ بارع مفطور القلب على المطمئنين الذين لا يقولون شيئاً ولا يبالون إلا بالحفاظ على الوضع الطبيعي".
"والكتاب المنشور في صورة مقالات مترابطة يتسم بالقوة والغضب ولكنه دائم الإقناع بمنطقه الأخلاقي، ويصعب فعلاً أن تتركه من بين يديك. فقد التهمته في جلستين، وبانتهائي منه كان قلبي يخفق. فالقبح الذي يصفه العقاد حقيقي ويبدو أيضاً أنه لا مفر منه. وأكثره هو المادة العصية على القول التي لا يعترف أحد بها، ولكنها واضحة لكل من يقرأ أو يشاهد: إننا فور أن نكون آمنين، يكون تعاطفنا في الغالب استعراضياً، وإننا نفضل أن نعارض الشر بعد أن يكون قد انتهى، وأن بلاد الغرب تعظ بالعدالة والديمقراطية لكن أفعالها ترمي إلى حماية الثروة والقوة. وهو يعارض أخلاقيات اليمين الذي يوقع على صفقات الصواريخ، واليسار الذي 'تنتهي تقدميته في الغالب بنهاية الحديقة' [أي تبقى في حدود البيت والوطن]، وبين الحين والآخر يحاسب نفسه على دوره في هذا كله".
تكتب دينا نايري: "بوصفي إيرانية قضت السنوات الثماني الأولى من عمرها في تفادي قنابل صدام حسين الأميركية، ثم وصلت إلى أميركا لتلقي معاملة الهمج، فهذا الكتاب يمثلني. فقد سمعت هذه الحجج من قبل، وإن لم أسمعها قط بمثل هذا الإحكام". وتكتب أيضاً "إنني لا أهضم أكذوبة أن الغرب طرف متحضر بعد قرون من النهب".
ويكتب لورنس هيل، "بينما أقرأ كتاب العقاد، كنت أسمع أصداء أصولي الفنية والعرقية"، وكنت أسمع [الكاتب الأفروأميركي الراحل] جيمس بولدوين إذ يقول 'إنني أعرف ما فعله العالم بأخي، وبأي قدر من الصعوبة نجا منه. وأعرف، وهذا هو الأسوأ بكثير، وهذه هي الجريمة التي أتهم بها بلدي وأبناء بلدي، التي لن أغفرها لهم أبداً، ولن يغفرها لهم الزمن ولن يغفرها التاريخ: أنهم دمروا ويدمرون مئات الآلاف من الأرواح ولا يعرفون ذلك ولا يريدون أن يعرفوا ذلك".
في ظني أن هذا هو السياق الذي ينبغي أن تبقى حرب غزة ماثلة فيه أمام العالم، لا باعتبارها صراعاً بين إسرائيل و"حماس" وحسب، ولكن باعتبارها جريمة في حق الإنسانية ستظل دماؤها تلوث لا أيدي الإسرائيليين فقط وإنما أيدي كل من ساعدوها إيجاباً أو سلباً، سلاحاً أو كلاماً أو صمتاً. ولن تطهر يد الإنسانية من هذه الدماء إلا بحساب عسير للنفس وللقناعات والانتماءات.
عنوان الكتاب: One Day, Everyone Will Have Always Been Against This
الكاتب: Omar El Akkad
الناشر: McClelland & Stewart