ملخص
بينما تهدف تركيا التي تهيمن على الحكومة في دمشق، إلى تدمير بعض الجماعات الكردية على طول الحدود السورية- التركية إما بالقوة أو التفاوض. ففي الوقت نفسه، تقوم إسرائيل بضغط مضاد، إذ ترى أن "قوات سوريا الديمقراطية" تشكل عنصراً أساسياً ضد "داعش".
عقب توليه منصبه في البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدثت وسائل إعلام أميركية نقلاً عن مسؤولون من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، عن البدء في إعداد خطط لسحب كافة القوات الأميركية من سوريا خلال فترة تتراوح بين 30 إلى 90 يوماً، وذلك بعد أن أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمسؤولون المقربون منه رغبتهم في سحب القوات. وبعد أيام، نفى ترمب هذه التقارير، قائلاً للصحافيين في البيت الأبيض "لم أقل إنني سأسحب القوات الأميركية من سوريا ولا أعرف مصدر هذه التقارير"، بينما أوضح "قلت إن أميركا ليس لها عمل في سوريا لأنها فوضى".
وبعد مرور أكثر من شهر، لا يزال الغموض يخيم على رؤية البيت الأبيض بشأن سحب قوات قوامها 2000 جندي أميركي، الأمر الذي يشكل معضلة لواشنطن، بالنظر إلى هشاشة وضع حلفاء الولايات المتحدة من القوات الكردية "قوات سوريا الديمقراطية" في الحرب ضد تنظيم "داعش"، بينما يواجه الرئيس الأميركي ضغوطاً متضاربة من تركيا وإسرائيل في هذا الصدد، فضلاً عن تعهده السابق بوضع أميركا أولاً وعدم التورط خارجياً ما يستوجب عدم إرسال قوات أميركية لأجزاء من العالم يرى الرئيس أنها لا تشكل مصلحة لبلاده.
عودة مؤكدة لداعش
ثمة صوت قوي في دوائر السياسة ومراكز الأبحاث الأميركية التي تحذر من خطورة الانسحاب الأميركي الكامل في سوريا، مستندة إلى حقيقة أن تنظيم "داعش" الإرهابي لم يتم تدميره بعد بل سيظل تحت السيطرة من خلال الضغط المشترك من جانب القوات الأميركية في العراق وسوريا وحلفائها الأكراد. بينما تهدف تركيا التي تهيمن على الحكومة في دمشق، إلى تدمير بعض الجماعات الكردية على طول الحدود السورية- التركية إما بالقوة أو التفاوض.
ويقول براين كارتر الزميل لدى معهد "أميركان انتربرايز" في واشنطن، إن انسحاب القوات الأميركية من سوريا من شأنه أن يخاطر بخسارة المكاسب التي تحققت بشق الأنفس ضد تنظيم "داعش"؛ فقد يعاود التنظيم الظهور في غضون 12 إلى 24 شهراً من دون وجود أميركي في سوريا، إذ أمضى التنظيم الإرهابي السنوات القليلة الماضية في بناء قوته هناك، مما دفع القيادة المركزية الأميركية إلى التحذير في يوليو (تموز) العام الماضي، من أن الجماعة تحاول إعادة تشكيل صفوفها. ويضيف أنه إذا تُرِك تنظيم "داعش" من دون رادع، فسوف يمارس تدريجياً سيطرة أكبر على السكان ويحاول الاستيلاء على مناطق مأهولة للوصول إلى الموارد المالية والعسكرية، والعثور على مجندين جدد، واستعادة الاتصالات الموثوقة للعمليات في جميع أنحاء سوريا وخارجها. ومن المؤكد تقريباً أن تنظيم "داعش" سيستغل مثل هذا الزخم لمهاجمة مراكز الاحتجاز وبالتالي تحرير المزيد من أعضائه، ومن ثم يستعيد في نهاية المطاف القدرة على التخطيط وتنفيذ الهجمات في الغرب من سوريا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقدم القوات الأميركية في سوريا معلومات استخباراتية ودعماً لوجستياً حاسماً لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، والتي بدورها تعمل على احتواء "داعش" وعزلها نسبياً في الصحراء. ووفق كارتر فإن تبادل المعلومات الاستخباراتية الأميركية منع بالفعل هجمات كان من الممكن أن تعمل على تحسين موقف "داعش" بشكل كبير في سوريا. ويري أنه لا يمكن لأي جهة أخرى أن تملأ هذا الدور سوى الأكراد، لا سيما أن كل الجهات الفاعلة الرئيسية الأخرى في سوريا منشغلة بالانتقال السياسي بعد سقوط بشار الأسد. فالحكومة المؤقتة تمنح الأولوية لتعزيز موقفها في دمشق وبالتالي تفتقر إلى القدرة على محاربة "داعش" في وسط وشرق سوريا.
يتفق السفير الأميركي السابق دينيس روس مع هذا الطرح، ويحذر من أن تترك الولايات المتحدة عملية المرحلة الانتقالية في سوريا للآخرين. ويقول "بصفتي شخصاً أمضى سنوات عدة في تقديم المشورة لرؤساء الولايات المتحدة من كلا الحزبين بشأن الشرق الأوسط منذ إدارة ريغان، لدي بعض النصائح لإدارة ترمب؛ أعتقد اعتقاداً راسخاً أنه من مصلحة أميركا الحفاظ على وجودنا العسكري الصغير نسبياً في سوريا للحماية من عودة داعش والهجمات على حلفائنا الأكراد السوريين التي قد تزرع المزيد من الفوضى والمعاناة".
تهديد وجودي للأكراد
تسيطر "قوات سوريا الديمقراطية" التابعة للإدارة الكردية الذاتية، على 28 مرفق احتجاز تضم نحو 10 آلاف مقاتل من "داعش" ونحو46 ألفاً من أنصار التنظيم واللاجئين في مخيمات النازحين في شمال شرقي سوريا. حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة إعادة مقاتلي "داعش" وسكان مخيمات النازحين داخلياً من دون نجاح يذكر بسبب إحجام الدول الثالثة عن استعادة مواطنيها. ومن ثم قد تضطر "قوات سوريا الديمقراطية" إلى التخلي عن هذه المرافق في حالة انسحاب الولايات المتحدة، فيما يقول المراقبون إن تركيا ودمشق لن تتمكنا من السيطرة على مرافق الاحتجاز بطريقة منظمة ما لم يكن هناك اتفاق عادل بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية".
ويتحدث المراقبون في واشنطن عن تهديدات وجودية تواجهها "قوات سوريا الديمقراطية" من تركيا والحكومة السورية المؤقتة. وتعارض تركيا الدعم الأميركي للأكراد في سوريا وتعتبرهم جزءاً من حزب العمال الكردستاني التركي الانفصالي، ويطالب الرئيس السوري المدعوم من تركيا أحمد الشرع، بحل "قوات سوريا" وتسليم أسلحتها.
ولم يتم دعوة الإدارة الذاتية الكردية للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقدته الحكومة في دمشق في وقت سابق من الأسبوع الجاري، الذي من المفترض أن يضم تمثيلاً لجميع أطياف الشعب السوري. وتضمن البيان الختامي للمؤتمر رفضاً لأي "تشكيلات مسلحة خارج المؤسسات الرسمية"، في إشارة ضمنية إلى "قوات سوريا الديمقراطية"، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية. وردت الإدارة الذاتية الكردية على عدم دعوتها للحوار، قائلة في بيان إن "المؤتمر لا يمثل الشعب السوري، ونحن كجزء من سوريا ولم يتم تمثيلنا، نتحفظ على هذا المؤتمر شكلاً ومضموناً، ولن نكون جزءاً من تطبيق مخرجاته".
ويقول كارتر إن تركيا ودمشق تركزان حالياً على إنشاء حكومة مركزية مهيمنة على حساب المكونات الكردية في "قوات سوريا الديمقراطية" بدلاً من تأمين صفقة عادلة. ومن دون اتفاق، من المفترض أن تقاتل "قوات سوريا الديمقراطية" لتأمين سيطرتها على المناطق الكردية في سوريا على الأقل، فيما من المحتمل أيضاً أن تواجه تركيا ودمشق صعوبة مماثلة - إن لم تكن أكثر - في التعامل مع مقاتلي "داعش" وسكان المخيمات لأن كلاهما يتمتع بنفوذ أقل مما قد يتصوره البعض. ومن ثم يرى الباحث الأميركي ضرورة أن تحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري في سوريا مع دعم الانتقال السياسي الذي يُمكن الحكومة المؤقتة و"قوات سوريا الديمقراطية" من كسب أدوار أكثر بروزاً تدريجياً في عمليات مكافحة "داعش".
ويرى روس أنه يتعين على الولايات المتحدة أن تكون حذرة في التعامل مع الحكومة المؤقتة في سوريا، حتى تثبت أنها تمتلك الإرادة والقدرة على قمع المتطرفين غير المنتمين إلى "داعش" والذين شكلوا جزءاً من التحالف الذي أوصلها إلى السلطة ويحافظ عليها هناك. كما يتعين على واشنطن أن تستخدم روافعها الاقتصادية والدبلوماسية القوية للتأكد من أن الحكومة الجديدة في سوريا ــ والجهات الفاعلة الخارجية القوية مثل تركيا ــ لا تبني دولة جهادية تضطهد الأقليات، أو تسمح لتنظيم "داعش" بالعودة وتهدد ذلك الجهد الذي بذله ثلاثة رؤساء أميركيين ــ باراك أوباما وترمب وجو بايدن ــ لهزيمة التنظيم الإرهابي.
في حين أن تركيا هي بلا شك القوة الخارجية المهيمنة في سوريا الآن، وبخاصة بالنظر إلى وجودها ودعمها المادي لـ"هيئة تحرير الشام"، يقول الدبلوماسي الأميركي السابق إن الولايات المتحدة ليست بلا نفوذ. تحتاج تركيا بشدة إلى الاستقرار وإعادة الإعمار في سوريا حتى يتمكن 3.2 مليون لاجئ سوري تستضيفهم من العودة إلى بلادهم. ولكن من أجل تحقيق الاستقرار وتمكين "هيئة تحرير الشام" من بناء سلطتها، فلا بد من تخفيف الظروف الاقتصادية المزرية في سوريا ووضع مسار للتنمية، وهو أمر غير ممكن من دون رفع العقوبات الأميركية.
ضغط تركي ودفع إسرائيلي مضاد
ومع ذلك، يعتقد المراقبون في أنقرة أن الوقت ربما ينفد أمام أكراد سوريا، فحتى الآن منع الجنود الأميركيون في سوريا الجيش التركي -المسيطر على مناطق في الشمال السوري- من سحق "قوات سوريا الديمقراطية"، لكن ربما يعقد ترمب صفقة مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان على غرار الانسحاب الأميركي من شمال سوريا في عام 2019، وبموجب تلك الصفقة يمكن لتركيا أن تتولى مسألة دحر "داعش". ووفق "راديو فرنسا الدولي"، يقول الدبلوماسي التركي السابق أيدين سيلجين: "على افتراض أن الولايات المتحدة ستنسحب في مرحلة ما من سوريا... فإن هذا يعني نهاية المظلة الدبلوماسية لقوات سوريا الديمقراطية التي كانت الولايات المتحدة تحميلهم من خلالها".
وحذر سيلجين من أن "قوات سوريا الديمقراطية" ليس لديها سوى فرصة صغيرة لتأمين مستقبلها، قائلاً "الوقت هو جوهر قوات سوريا الديمقراطية لترتيب أمورها والانضمام إلى دمشق... لدمج قواتها في القوات المسلحة السورية، وهو ما من شأنه أيضاً أن يرضي مخاوف أنقرة الأمنية".
لكن في الوقت نفسه، تقوم إسرائيل بضغط مضاد، إذ ترى أن "قوات سوريا الديمقراطية" تشكل عنصراً أساسياً ضد "داعش". وقد أعربت الحكومة الإسرائيلية عن دعمها للدعم الأميركي لـ"قوات سوريا الديمقراطية". وتشرح المتخصصة في السياسة الخارجية لدى معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب جاليا ليندنشتراوس: "نعلم أن قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على سجون تضم نحو 10 آلاف مقاتل من تنظيم داعش وعائلاتهم. لا أحد يريد أن يرى عودة التنظيم. وأعتقد في هذا الصدد أن الولايات المتحدة تدرك أن لديها عدداً صغيراً من القوات، كما أنهم فعالون. فلماذا إذاً تسحبهم؟".
وقالت ليندنشتراوس في تعليقات لـ"إذاعة فرنسا الدولية": "لقد أعربت إسرائيل عن رغبتها في أن يستمر الغرب في دعم الوجود الكردي في شمال شرقي سوريا، لذلك ستكون هناك جهود دبلوماسية إسرائيلية للإبقاء على القوات (الأميركية) هناك".
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، أكد أخيراً على أهمية الأكراد السوريين كحلفاء لإسرائيل - وهي الرسالة التي من المرجح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نقلها بالفعل إلى ترمب خلال زيارته لواشنطن في وقت سابق من الشهر الجاري.