Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب تعود إلى لبنان: موجات نزوح وطمأنة رسمية بشأن الوقود والدواء

تعيش البلاد حالاً من القلق بفعل التجارب السابقة ونقص الاستعدادات اللوجيستية

ما إن بدأ الهجوم الإسرائيلي – الأميركي المشترك على الأراضي الإيرانية حتى عادت الطوابير أمام محطات الوقود في مختلف المناطق اللبنانية (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي) 

ملخص

صدقت التوقعات ودخل لبنان الحرب الإقليمية، إذ شكلت الدفعة الصاروخية التي تبناها "حزب الله" من بلدة تول الجنوبية، ذريعة لبدء الهجمات الإسرائيلية الواسعة النطاق. واستعادت البلاد مشهد الطوابير، فيما تصدر تطمينات متعددة إلى وجود مخزونات كافية من الوقود والدواء والغذاء لأشهر مقبلة.   

بين ليلة وضحاها، عاد لبنان إلى نقطة الصفر. رشقة صاروخية من الجنوب قبل ساعات وتبناها "حزب الله" رداً على اغتيال مرشد الثورة الإيرانية علي الخامنئي، قابلها قصف إسرائيلي عنيف طال الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات في الجنوب والبقاع، ومعها فتحت البلاد فصلاً جديداً من حرب تتداخل فيها الجبهات وتتشابك الحسابات الإقليمية. لم يكن المشهد مفاجئاً بالكامل، لكن وقعه كان صادماً، طوابير وقود تمتد مجدداً، أسر تغادر على عجل، وذاكرة جماعية تستعيد صور النزوح والازدحام والخوف.

في ساعات قليلة، تبدلت أولويات اللبنانيين. من متابعة أخبار الهجوم الإسرائيلي – الأميركي على إيران، إلى البحث عن ملاذ آمن، وتخزين ما تيسر من غذاء ودواء، تحسباً للأسوأ. ومع دخول الساحة اللبنانية رسمياً على خط المواجهة، وإنذارات الإخلاء التي شملت عشرات البلدات، بدا أن "وحدة الساحات" لم تعد شعاراً سياسياً فحسب، بل واقعاً يومياً يفرض نفسه على تفاصيل الحياة.

الحدث الإيراني وامتداده إلى داخل لبنان

بشكل واضح أرخت نظرية "وحدة الساحات" (بين أذرع إيران في منطقة الشرق الأوسط) بظلالها وتأثيراتها العميقة على سلوك المواطن اللبناني، فقد استقرأ هذا الأخير باكراً سير الأحداث، واستعاد ذكريات الأزمات التي عاشها خلال الأعوام الخمسة الماضية. فما إن بدأ الهجوم الإسرائيلي – الأميركي المشترك على الأراضي الإيرانية، حتى عادت الطوابير أمام محطات الوقود في مختلف المناطق اللبنانية، وبدأوا بتخزين المواد الغذائية والأدوية المزمنة. وازدادت حدة المخاوف مع دخول الساحة اللبنانية رسمياً على خط المواجهة الإقليمية، وعودة إنذارات الإخلاء الإسرائيلية لمناطق واسعة من خلال تحذير سكان 53 بلدة في الجنوب، ومناطق البقاع، الذي تزامن مع شن سلاح الجو والبحرية عدداً كبيراً من الهجمات على مناطق شمال الليطاني في جنوب لبنان.

ومع ساعات الفجر الأولى، استعاد اللبنانيون ذاكرة النزوح إبان الحرب التي اشتدت في سبتمبر (أيلول) 2024، حين شهدت الطرقات الممتدة من الجنوب نحو العاصمة بيروت ازدحاماً مرورياً استثنائياً ومعه بقي المواطنون على الطرقات لساعات طويلة تخطت 10 ساعات في بعض الحالات، وارتفعت النداءات لأصحاب محطات الوقود بفتح أبوابها لتزويد المواكب المهجرة بالبنزين.

اليوم تكرر المشهد، وخرجت الأسر على العجل، وأكد نازحون تواصلت معهم "اندبندنت عربية" أن "كثيرين خرجوا بملابسهم حصراً، وقضوا الليل في السيارات"، كما أن "رحلة النزوح من صور نحو بيروت استغرقت ساعات طويلة، ومسافة عشرات الأمتار احتاجت أكثر من ساعة بسبب الطوابير". فيما دفعت الزحمة البعض إلى اختيار أقرب مكان آمن في مدينة صيدا التي تعد مدخل الجنوب، وعدلوا عن التوجه نحو العاصمة.

الحرب الصادمة

ما إن اندلعت الحرب قبل ساعات، حتى بدأت الاجتماعات الرسمية في السراي الحكومي ووزارة الداخلية لترتيب أوضاع النازحين، وعقدت جلسة حكومية طارئة في القصر الجمهوري. وقامت وحدة إدارة أخطار الكوارث في رئاسة الحكومة بتجهيز قائمة من الخطوط الساخنة لخدمة المواطنين في مراكز الإيواء، كما وزعت لائحة بـ352 مركزاً للإيواء بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية، وأنشأت قناة خاصة عبر تطبيق واتساب لتبليغ المواطنين بالإشعارات الصادرة عن وحدة إدارة الكوارث، وتجنب الأخبار الكاذبة. فيما أعلنت وزارة التربية "إقفال المدارس" وسط توجه لتحويل بعضها إلى مراكز لإيواء النازحين على غرار ما جرى في الحرب السابقة في خريف عام 2023.

مخاوف متعددة

دفعت الحرب المستجدة اللبناني نحو المجهول، في بلاد تعيش على وقع الأزمات والصدمات المتعاقبة، وتفتقر لأبسط تجهيزات السلامة العامة في ظل غياب أنظمة الإنذار المبكر وافتقار الأبنية للملاجئ المحصنة التي لا يمكن أن تواجه أصلاً الصواريخ الارتجاجية المستخدمة غالباً في الهجمات التي ينفذها الجانب الإسرائيلي.

في الموازاة، برزت مخاوف من حدوث أزمة تموينية على مستوى الوقود والغذاء والدواء. وهو ما حاولت تتبعه "اندبندنت عربية" على ضفتي المواطنين والمسؤولين. في داخل سوق التجزئة، تسير الأمور بصورة طبيعية من دون أي تقنين أو فقدان للمواد الغذائية الأساسية. أما على مستوى محطات بيع الوقود في مناطق خارج المركز، فقد تأخر البعض منها في فتح أبوابه بانتظار جدول التسعير اليومي الجديد مع بداية الأسبوع، ووصول الشحنات من مستودعات الشركات المستوردة للنفط في بيروت.

يطمئن نقيب مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي إلى توافر المواد الأساسية في البلاد وهو ما أبلغه المستوردون للحكومة خلال اجتماع وزارة الاقتصاد، مذكراً بأنه "سبق أن مرّ لبنان بظروف أمنية خلال الفصل الأخير من عام 2024، واستمرت عمليات التوريد والتوزيع داخل لبنان. كما أن التجار والمستوردين في أتم الجهوزية لتزويد السوق بحاجياته". يؤكد بحصلي أن "لا حاجة للطوابير والتخزين، ولا خوف بسبب احتراز اللبنانيين لهكذا نوع من الأزمات بسبب الواقع الراهن". ورداً على سؤال حول تأثير الاضطراب في منطقة مضيق هرمز وتأثيرها على عملية الاستيراد، يؤكد "وجود بديل لاستيراد المواد الغذائية عبر مضيق هرمز، وقد سبق أن واجه المستوردون حالة مشابهة إبان أزمة البحر الأحمر"، كاشفاً عن "بدء شركات الشحن إعلان تحفظاتها لناحية المرور في المناطق الخطرة، كما أن شركات التأمين تتجه لرفع البدلات، ولكن لن تكون لها تأثير كبير على سعر وكلفة السلع التي ستبقى ضمن دائرة ارتفاع محدودة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا أزمة دواء

لا يقتصر منسوب القلق عند مستوى الغذاء وإنما يمتد إلى الدواء واحتياجات المصابين بالأمراض المستعصية. ويجزم نقيب الصيادلة عبدالرحمن المرقباوي أن "مخزون لبنان الدوائي يكفي لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، ولا حاجة إلى التخزين، كما أن ثمة عاملاً إضافياً يدعو إلى الراحة، ألا وهو الإنتاج الوطني، حيث تقوم مصانع الأدوية في لبنان بتصنيع عدد كبير من الأدوية الضرورية، وهي تغطي جزءاً كبيراً من السوق المحلية".

ويشير المرقباوي "المصانع المحلية قادرة على سد فجوة الاستيراد في حال حدوث أي طارئ، ولن نواجه انقطاعاً لأي دواء أساس في لبنان"، مشدداً أنه "لا داعي للقلق بسبب استمرار العمل في مطار بيروت والمرافئ". أما على مستوى أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية، يلفت النقيب "يتم تصنيع أدوية الأمراض المزمنة في لبنان، أما على مستوى أدوية الأمراض المستعصية، فقد أبلغتنا نقابة المستوردين بوجود مخزون كاف من الجرعات"، وأكدت المصانع أيضاً قدرتها لتأمين حاجات السوق لمدة ستة أشهر، وذلك خلال اجتماع عُقد السبت المنصرم في 28 فبراير (شباط) الماضي، خلال اجتماع دعا إليه وزير الصحة اللبناني راكان ناصر الدين.

يشدد المرقباوي أن "الأدوية الموجودة في السوق اللبناني سواء أكانت مصنعة محلياً، أو تلك التي تستورد برقابة وزارة الصحة العامة ومن خلال المعابر النظامية مطابقة للمواصفات والمعايير العالمية"، محذراً من الأدوية المهربة.                       

لا أزمة وقود

شهدت عطلة نهاية الأسبوع في لبنان عودة طوابير الوقود بسبب الهجوم الأميركي- الإسرائيلي على إيران، وهو ما تسبب بانتهاء المخزون في عديد من المحطات، فيما تولت أخرى تقنين عملية ملء السيارات، ووضعت سقفاً لها بمعدل صفيحة واحدة لكل زبون.

يتطرق نقيب أصحاب المحطات في لبنان جورج البراكس إلى "ما يحكى عن أزمة"، موضحاً أن "المخزون المتوافر في السوق اللبناني إن على مستوى خزانات المحطات أو مستودعات الشركات، فإنه يكفي لمدة ثلاثة أسابيع كحد أدنى وفق الاستهلاك الشهري المعهود"، و"تستمر عمليات تسليم البنزين إلى المحطات بصورة طبيعية". كما ينوه إلى "استمرار عمليات الاستيراد، حيث تجدد الشركات مخزوناتها باستمرار عبر البحر"، مستبعداً توقف دخول المواد النفطية إلى لبنان "إلا في حال إغلاق الموانئ البحرية وتوسع الحرب إلى حدودها الجغرافية القصوى، وهذا مستبعد لأن لبنان يعتمد على مسار البحر الأبيض المتوسط، وليس عبر خط الخليج العربي".  ويتطرق البراكس إلى مسألة ارتفاع أسعار صفيحة البنزين في لبنان، فمن ناحية هناك الضريبية التي أقرتها الحكومة من خلال زيادة 300 ألف ليرة لبنانية، التي لا علاقة لها بالأعمال الحربية، ولكن في المقابل هناك الارتفاع بسبب تأثير الحشود العسكرية في الخليج العربي، والتي كانت تتراوح عند مستوى 66-67 دولاراً أميركياً، قبل ارتفاعها إلى مستوى 80 دولاراً مع بدء التعاملات نهار الإثنين، مرجحاً "حدوث قفزات إضافية في حال استمرت الحرب وطالت، أو اتساع عمليات استهداف المنشآت النفطية لدى كبار مصدري النفط، حيث ستنعكس هذه الارتفاعات سلباً على المستهلك اللبناني، وسيتأثر جدول الأسعار ارتفاعاً حكمياً على ضوء تطور الأسعار على المستوى العالمي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير