ملخص
أعادت المملكة تموقعها الاستراتيجي من قائدة للتحالف العربي "الشريك لواشنطن" إلى قوة إقليمية تنتهج الحياد الإيجابي الاستراتيجي، أي تبني العلاقات مع جميع المحاور والدول الكبرى بالتوازي. فشقت القيادة السعودية طريقاً خاصاً أعادت عبره إفهام القوى العظمى أنها دولة تقرر سياساتها الدولية بحسب مصالحها القومية العليا. فوقعت المملكة عقداً ثقيلاً لشراء أسلحة وتجهيزات من الولايات المتحدة واضعة ضغطاً هائلاً على الشركات الأميركية لتحميه، مما فرض تعديلاً في موقف الإدارة.
كنا قد كتبنا منذ سنوات عن حتمية المرور بوفاق أميركي- روسي لإنهاء الحرب الأوكرانية، ولا شيء غير ذلك ينهي المواجهة العسكرية بين الفريقين المتحاربين. وقد بات واضحاً أنه من دون دور أميركي قوى وحازم لناحية إيقاف الصدام، لن يكون هنالك وقف إطلاق نار ولا وقفاً للعمليات العسكرية.
السؤال لماذا لم تقم إدارة بايدن لثلاث سنوات بما باشر به دونالد ترمب بثلاثة أشهر، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، بإيجاد طاولة حوار ثلاثية بين موسكو وواشنطن لبدء الكلام عن الحرب، وإيجاد حالة وقف إطلاق نار، تمهيداً لمفاوضات متوسطة وبعيدة الأمد، لإنهاء الصراع في أوكرانيا؟ ما هي أسباب التردد أو امتناع إدارة بايدن عن التعبئة للسلام؟
بتقديري حاولت إدارة بايدن أن تنتصر بحرب العقوبات على موسكو لتفرض عليها شروط إنهاء الحرب وأهمها الانسحاب الشامل من كل الأراضي الأوكرانية بما فيها تلك التي يتكلم أهاليها الروسية وشبه جزيرة القرم، وإجبار موسكو على دفع تعويضات كبيرة، والالتزام بسعر معين للتصدير النفطي، أي بشكل عام "ترويض" للاتحاد الروسي. وعممت إدارة بايدن هذه السياسة على حلفائها في أوروبا والعالم، فطال عمر الحرب.
من بين الكتل الإقليمية الأساسية في العالم الكتلة العربية والإسلامية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، فضغط بايدن عليها عملياً لكي تخوض الحرب الاقتصادية والسياسية إلى جانب إدارته ضد روسيا، إلا أن فريق بايدن-أوباما للأمن القومي والسياسة الخارجية كان قد اقترف أخطاء بحق الرياض والتحالف العربي بين 2021 وبداية 2022 عندما انفجرت الحرب في أوكرانيا.
في شهر فبراير (شباط) 2021 خلال أسابيع من دخوله البيت الأبيض رفع بايدن الحوثيين من لائحة الإرهاب الأميركية فاتحاً المجال بشكل أكبر لإيران لتدعم "أنصار الله" بالأسلحة والذخائر مما شكل ضربة للسعودية والتحالف، ثم بدأت واشنطن بضغط من اللوبي الإيراني بضغط أكبر على المملكة وشركائها العرب لمنع وصول ذخائر وأسلحة متطورة إلى البلاد. ففريق بايدن- أوباما للأمن القومي والسياسة الخارجية الذي خطط الضغط منذ بداية العهد أراد أن يفرض قراره على التحالف في ما يتعلق بالحرب الأوكرانية، بينما يحاول أن يفرض إرادة الجمهورية الإسلامية على العرب خدمة للاتفاق النووي.
عندها أعادت المملكة تموقعها الاستراتيجي من قائدة للتحالف العربي "الشريك لواشنطن" إلى قوة إقليمية تنتهج الحياد الإيجابي الاستراتيجي، أي تبني العلاقات مع جميع المحاور والدول الكبرى بالتوازي. فشقت القيادة السعودية طريقاً خاصاً أعادت عبره إفهام القوى العظمى أنها دولة تقرر سياساتها الدولية بحسب مصالحها القومية العليا. فوقعت المملكة عقداً ثقيلاً لشراء أسلحة وتجهيزات من الولايات المتحدة واضعة ضغطاً هائلاً على الشركات الأميركية لتحميه، مما فرض تعديلاً في موقف الإدارة.
ووقعت الرياض على اتفاقيات اقتصادية واسعة مع الصين جاعلة من الأخيرة شريكة وصلت إلى الخليج، وبدورها أشرفت بكين على اتفاقية فض اشتباك بين المملكة والجمهورية الإسلامية وإقامة تطبيع ناجح. ووثقت الرياض علاقاتها مع موسكو، كما دخلت في معاهدات تجارية وصفقات أسلحة مع الأوروبيين، لا سيما فرنسا وبريطانيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هكذا بنت السعودية شبكة مصالح مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، محولة نفسها إلى سوبر سويسرا العالم، إضافة إلى تطويرها لمشاريع إنمائية جبارة جلبت أضخم شركات العالم إلى المملكة.
هكذا استعادت السعودية موقعاً متوازياً في العلاقات الدولية وقد رشحتها منذ عام 2023 لكي تلعب دور الحكم في محادثات سلام حول الحرب الأوكرانية. فالرياض لها علاقات بين طرفي الصراع من ناحية وعلاقات مع القوى الكبرى في مجلس الأمن من ناحية أخرى. وهذا ما جعل دور الرياض أكثر جاذبية من الدول المرشحة الأخرى، كإسرائيل، والفاتيكان، وإندونيسيا، أو حتى تركيا. لأن للقيادة السعودية إشعاعاً دولياً كبيراً سواء كان دبلوماسياً أو اقتصادياً.
كما أن موسكو لم تكن راضية كلياً عن دور إدارة بايدن في فرض العقوبات عليها، فأتى انتصار ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 كإشارة للبدء بالمفاوضات، فترمب متحمس لإعادة الدفء للعلاقات بين الجارين، ومرحب بإعادة العلاقات الخاصة للصداقة القوية بين واشنطن والرياض. فتلاقت العوامل الإيجابية مع بعضها البعض وفازت السعودية بموقع الراعي لمفاوضات إعادة التواصل بين العاصمتين الأميركية والروسية وبعدها مبدئياً المحادثات المثلثة الروسية- الأوكرانية- الأميركية للسلام.
ترمب سيواجه ضغوطاً داخلية تطالبه بعدم التخلي عن استقلال أوكرانيا وعدم السماح لروسيا بأن تسقط الدولة الأوكرانية مما سيؤدي إلى إضعاف أوروبا بشكل عام. وسيتعرض لضغوط وانتقادات أوروبية أيضاً بسبب خوفها من "تقاطع مصالح" وربما "تعاون بين الرئيسين" ضد قوى الوسط في أوروبا والغرب، كما أن التقارب بين بوتين وترمب سيقلق الإسلاميين في كافة الشرق الأوسط. وسأستعرض في مقال جديد التحولات التي ستأتي داخل روسيا نفسها.
لكن خلاصة هذا المقال إن القوة التي سمحت لحدث تاريخي كهذا أن يحصل على رغم الضغوط التي تعرضت لها لأربع سنوات، وطورت سياساتها لتعيد تمحورها بهدوء وتصميم من دون التخلي عن الأهداف التاريخية الكبرى من سلام وأمن وعدل، هذه القوة الإقليمية هي المملكة العربية السعودية التي بفضل حياديتها الإيجابية الاستراتيجية وبفضل عودة ترمب إلى البيت الأبيض، واقتناع القوى الدولية الأخرى برصيد المملكة وفرت لهذه الأخيرة منبراً عالمياً لصنع السلام بين جبابرة العالم.