Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عائلة فلسطينية تسرد معاناة الافتراق خلال حرب غزة ومصاعب العودة

قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب، غادرت أماني أحمد غزة لتعيش ستة أشهر من المعاناة بعيداً من أفراد أسرتها، الآن تتحدث لـ"اندبندنت" عن واقعها الجديد في المملكة المتحدة ومخاوفها من مستقبل مجهول في القطاع.

تقول أماني إن ملامح أولادها تغيرت عندما رأتهم للمرة الأولى بعد نجاتهم من ستة أشهر من الحرب (أماني أحمد)

ملخص

عاشت الفلسطينية أماني أحمد ستة أشهر من المعاناة بعيداً من عائلتها خلال حرب غزة، وعلى رغم لم الشمل تخشى العودة إلى القطاع المدمر، حيث فقدت منزلها ولا يبدو

لم تكن أماني أحمد تتخيل على الإطلاق عندما غادرت غزة إلى المملكة المتحدة لمتابعة دراستها العليا، أن تجد نفسها منفصلة قسراً عن عائلتها لمدة ستة أشهر.

ولم يكن في حسبانها أيضاً أن تواجه تجربة الحمل وحيدة، في وقت كانت تعيش آلاف الكيلومترات بعيدة من زوجها وأطفالها الثلاثة، وهي تتابع المشاهد المروعة للقصف الإسرائيلي المنهمر حول منزل أسرتها في قطاع غزة، وتطاردها يومياً عبر الإنترنت مضاعفة ألم الغياب ومعاناة الفراق.

فبعد خمسة أيام فقط من مغادرة أماني إلى مدينة إدنبره في اسكتلندا لبدء دراستها بهدف نيل درجة دكتوراه، شنت إسرائيل حملة قصف عنيفة على غزة، رداً على هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 التي قادتها حركة "حماس"، وأسفرت بحسب السلطات الإسرائيلية عن مقتل 1200 شخص واحتجاز 251 رهينة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، فقد حصد القصف الإسرائيلي أرواح 48219 فلسطينياً منذ ذلك الحين. وبينما كانت أماني تعتبر نفسها محظوظة لأن أفراد عائلتها قد نجوا، كان البعد القسري عنهم طوال تلك الأشهر كفيلاً بجعل الحياة لا تطاق بالنسبة إليها.

على مدى ستة أشهر مريرة من الانتظار القلق لإجلاء الأسرة من أتون الحرب، لم تفارق ذهن أماني أسئلة موجعة منها "هل سأتمكن من احتضانهم ومعانقتهم مرة أخرى؟ هل سأراهم مجدداً وأتمكن من مواساتهم؟".

وتقول أماني "كنت أعاني حال اكتئاب، ولم أكن قادرة حتى على النهوض من الفراش أو القيام بأي شيء. كنت أشعر بالخطر الداهم. وكان الخوف يسيطر علي، لكنني أدركت ألا خيار أمامي سوى أن أقاوم وأن أساعد نفسي كي أتمكن من الاستمرار".

وتضيف "لم أكن هناك، ولم يكن في وسعي القيام أي شيء. شعرت بعجز كامل. لا أتمنى في الحقيقة لأي أم أن تمر بهذه التجربة القاسية".

وكانت طالبة الدكتوراه قد غادرت قطاع غزة قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب هناك في أكتوبر عام 2023، وذلك بمساعدة "مجلس دعم الأكاديميين المعرضين للخطر" Council for At-Risk Academics (Cara) [وهو منظمة تقدم الدعم والتمويل للأكاديميين المهددين في بلدانهم، كي يواصلوا دراستهم في جامعات المملكة المتحدة وخارجها]. لكن بعد أيام قليلة، تحولت المنطقة المحيطة بمنزل أسرتها إلى أنقاض، فيما هرعت ابنتاها المراهقتان وابنها البالغ من العمر ثمانية أعوام آنذاك إلى الملاجئ للاحتماء من القصف الإسرائيلي المتواصل.

في البداية، تعاملت عائلة أماني مع القصف باعتباره جولة أخرى من الهجمات التي اعتادوا عليها في السابق. لكن سرعان ما تبدل الشعور، وحل الذعر مكان الترقب، إذ أوضح أفراد أسرتها لها أن "هذه الحرب مختلفة... وهي أكثر عدوانية وعنفاً من أي وقت مضى".

بعد نحو ستة أشهر من الانتظار والمصاعب اللوجيستية، تمكنت العائلة أخيراً من الخروج من قطاع غزة. وتولت السفارة البريطانية نقل ابنتيها - هالة (16 سنة) وندى (14 سنة) - إلى المملكة المتحدة، في حين أجلي زوجها صلاح (42 سنة) وابنهما أيهم عبر منظمة "هلا"، وهي شركة مصرية خاصة تقوم تنسيق عمليات إجلاء الفلسطينيين من غزة [من خلال تأمين الموافقات الأمنية لهم والتأشيرات والنقل عبر معبر رفح إلى مصر].

وتقول أماني في وصف شعورها لحظة لم شملها مع أفراد أسرتها في أحد الفنادق المصرية في شهر أبريل (نيسان) 2024 "أردت أن أعانقهم جميعاً دفعة واحدة، لكن ذراعي لم تسعفاني". وتضيف "تمنيت في تلك الأثناء لو كان بوسعي أن أفتح صدري وأخفيهم في داخله لأحميهم".

ثم ما لبثت الأم أن لاحظت آثار الحرب والصدمة النفسية واضحة على وجوه أطفالها. وتتذكر أنهم بدوا أكثر نحافة، بحيث فقدوا بعض الوزن، أما بشرتهم فكانت داكنة أكثر فأكثر، فيما كانت علامات التعب تشاهد بشكل جلي تحت عيونهم.

وتتابع أماني وصف ما مرت به أسرتها قائلة: "كانوا أشبه بمن ينتقل من الجحيم إلى الجنة. وفي الواقع لم أكن أتخيل قط أن يأتي يوم يندهش فيه أطفالي لمجرد رؤية أن الطعام متوافر في أسواق مصر. لكن هذا هو الوضع، إذ لم يعد يوجد شيء في قطاع غزة".

مع التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة "حماس" بعد مرور 15 شهراً على القتال، وعلى أثر لم شمل أفراد الأسرة، ووجودهم بأمان إلى جانبها - بمن فيهم ابنها آدم البالغ من العمر سبعة أشهر، الذي ولد في اسكتلندا في يونيو (حزيران) 2024 - تتطلع أماني إلى العودة إلى قطاع غزة بعد إتمام دراستها ونيلها درجة دكتوراه من "جامعة إدنبره". وهي تجري في الوقت الراهن أبحاثاً حول رائدات أعمال في الضفة الغربية المحتلة.

لكن على رغم شوقها للعودة إلى بلدها، فإن شعوراً بالخوف والرهبة يساورها. وتقول "يخبرني الناس بأن الوضع لا يمكن فهمه أو تصوره. ويؤكدون لي أن الواقع هو أكثر من مجرد أنقاض. فما يحدث هناك لا يتعلق بالموت والدمار فحسب، بل يؤثر في كل فرد فلسطيني في غزة - في أعماق مشاعرهم وعقولهم".

وتضيف "صحيح أنهم ما زالوا يتمسكون بالأمل، لكن شيئاً ما بداخلهم قد تحطم. ولا أدري ما إذا كان هذا الشعور يمكن الشفاء منه أم لا".

وفيما لا يزال المستقبل في قطاع غزة غير واضح، فإن الاستقرار في المملكة المتحدة لم يكن بأي شكل سهلاً. فابنة أماني هالة - التي كانت من بين أبرز الطلاب المتفوقين في صفها في غزة - تدرس الآن للحصول على شهادة "هايرز" Highers (وهي المعادل الاسكتلندي لـ"الشهادة العامة للتعليم الثانوي" General Certificate of Secondary Education/ GCSE) وتواجه مصاعب كبيرة في سعيها إلى تحقيق حلمها بدراسة الطب.

وتقول والدتها إن هالة "تعاني بشدة"، لأن نظام التعليم في المملكة المتحدة لا يعترف بأولادها كناجين من الحرب، ويصنفهم بدلاً من ذلك كطلاب دوليين. وتضيف أماني: "لا يُقدم أي دعم لهم".

يشار إلى أنه سمح لفلسطينيي غزة هذا الأسبوع بالعودة إلى الجزء الشمالي من القطاع، سعياً إلى إعادة بناء حياتهم وسط الدمار. ويعد منزل أماني في المدينة من مئات آلاف المباني التي دمرتها القوات الإسرائيلية، أو ألحقت بها أضراراً بالغة.

وتقول "لقد جرى تدميره بالكامل - ولم يتبق شيء منه. كنا أنا وزوجي قد عملنا بجد لبناء هذا المنزل. كان المسكن الوحيد الذي نملكه حقاً. المنزل يعني أكثر بكثير من مجرد حجارة وأسمنت وبنية تحتية. إنه إنجازنا وبيتنا".

وتضيف "أشعر بألم عميق وأنا أرى هذه الدوامة التي لا تنتهي من الإعمار والهدم، وإعادة البناء والتدمير".

وتختم أماني أحمد بالقول "ليس من الطبيعي العيش في ظل هذا النوع من التصعيد كل عامين أو ثلاثة أعوام. هذه ليست حياة، ولا يمكن في أي حال من الأحوال اعتبار ذلك عيشاً بكرامة".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير