Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصريون يبحثون عن "الحكومة الجديدة" افتراضيا

تدوينات وتغريدات ومقاطع فيديو حول التغيير الوزاري تبدو وكأنها خرجت من رئاسة الجمهورية والشارع يتجاهل ودوائر صنع القرار تلتزم الصمت

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (رويترز)

ملخص

الملاحظ أن أحداً من الوزراء لم ينج من الصفحات الموجهة، ومطالبات الإقالة، باستثناء الوزارات السيادية (الدفاع، والداخلية، والخارجية)، إضافة إلى نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل كامل الوزير. من الإسكان والتموين والصحة، إلى الزراعة والتضامن والاتصالات، وحتى السياحة والثقافة والشباب والرياضة، وجد الجميع نفسه مطالباً بالرحيل، وأسماء البدلاء، التي لم يسمع عنها أحد، جاهزة

لم يحدث من قبل أن تمنّى المصريون بقاء وزير في منصب، أو بكوا عليه عقب خروجه من وزارة، أو وقعوا عرائض مطالبة ببقائه، لكنهم يفعلون كل ما سبق في أزمنة لاحقة، وبعد تواتر عدد لا بأس به من الوزارات، وسقوط سهام الانتقادات اللاذعة الحارقة بتقادم الزمن وتحت وطأة "الأداء الأسوأ" للوزراء اللاحقين، بحسب التقييم الشعبي. التقييمات الشعبية والعنكبوتية مستعرة هذه الأيام. إنه موسم الإثارة والانتظار، التكهن والاستغفار، المقارنة والمقاربة، وأحياناً المماطلة لإعلان "الحكومة الجديدة".

منذ عرفت مصر الحكومات، ومنذ اهتم المصريون بمعرفة أسماء الوزراء ومهام الوزارات، والتغيير يثير الاهتمام والتعديل يجذب الانتباه. جدران المعابد المصرية القديمة خالية من نبض الشارع المصري القديم في ما يختص بالحكومات وتعديلاتها، والوزراء وتغييرهم، لكن أغلب الظن أن اهتمامهم بها وبأداءاتها وبتعديلاتها يعود إلى عصر الحكومة المركزية الأولى في عام 3200 ق. م تقريباً.

ومن قرون ما قبل الميلاد إلى ما بعده، حافظ المصريون على العهد، وظلوا على اهتمامهم المثير، وتعلقهم الغريب بكلمتي "تعديل" و"تغيير"، وكأنهما المنقذ من المشكلات، والمخلص من المعضلات، والمصحح للأوضاع، والمستعيد الأمجاد.

موسم التعديل الوزاري

هذه الأيام تشهد مصر والمصريون موسم "التعديل الوزاري"، وفي قول آخر "التغيير الوزاري"، وفي ثالث "رحيل الحكومة"، وفي رابع "استقالتها"، وفي خامس "بقائها"، والقائمة طويلة. وجرى العرف في مثل هذه المواسم أن تنتشر في وسائل الإعلام، وعلى ألسنة المحللين والمعلقين وحتى الخبراء، الأفعال المبنية للمجهول مثل "قيل" و"يُنسَب" و"يقال" و"يُتوقع"، إضافة إلى العبارات الضبابية النافية لمسؤولية الكاتب مثل "هناك توجه" و"يبدو أن" "وهناك مؤشرات ترجح كذا".

كذلك اكتسب موسم توقع التغيير وانتظار التعديل في العصر الرقمي المزيد من السمات الخالطة ضبابية المعلومات ومصداقية التكهنات بإمكانات المنصات الإلكترونية وأدوات التطبيقات، وهو ما يتمثل هذه الأيام في تدوينات وتغريدات ومقاطع فيديو تبدو وكأنها خرجت للتو من الديوان العام لرئيس الجمهورية.

إنه عصر الذكاء الاصطناعي باقتدار، وزمن دمقرطة أدواته أي إتاحتها في أيدي الملايين. وبين هذه الملايين من يخرج على مدار الساعة بـ"تفاصيل التغيير الوزاري الجديد"، و"قائمة الوزراء الراحلين" وأخرى للباقين، وثالثة للجدد، ناهيك بتأكيدات مذيلة بالحجة والبرهان لبقاء رئيس الوزراء، وأخرى معضدة بتصريحات منسوبة إلى مصادر رفضت ذكر اسمها أو مقربة من دوائر صنع القرار وغيرها. المنشور أو الفيديو الواحد تعاد مشاركته آلاف وربما ملايين المرات. ومنه من يتطور ذاتياً فيتحوّل من مجرد اجتهاد إلى "سبق".

السبق هذه المرة لا يختلف كثيراً من حيث الأسباب، والأجواء وكذلك التوقعات والتوجهات والشكوى والأنين. فالحديث عن التعديل هو المتوقع بعد تشكيل مجلس النواب (البرلمان) الجديد واكتماله. المادة 147 من الدستور تنص على حق رئيس الجمهورية في إجراء تعديل وزاري، وذلك بعد استشارة رئيس الوزراء والحصول على موافقة مجلس النواب بالغالبية المطلقة للحاضرين.

 

وكما جرت العادة أيضاً في مواسم توقع التغيير والتكهن بالتعديل، خرج خبراء ومسؤولون للحديث عن التغيير، لا من باب قطع شك التغيير بيقين إعلان الموعد، لكن بتأكيد أجواء بين البينين.

قبل أيام، قال وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي محمود فوزي في مداخلة تلفزيونية أن "العرف" بأن تتقدم الحكومة باستقالتها بعد الانتخابات البرلمانية، ليس شرطاً. مشيراً إلى أن الدليل على ذلك هو أنه في حكومة رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي الأولى شُكلت عام 2018، وفي الفصل التشريعي الثاني، لم تتقدم الحكومة باستقالتها في يناير (كانون الثاني) عام 2021، مضيفاً أنه "حتى في حال جرى الاعتداد بالأعراف، فإن آخر سابقة لم يحدث فيها ذلك".

ويبدو أن حديث الأعراف والشروط بدا صعباً أو معقداً أو مبهماً، فأضاف: "بشكل أوضح، مسألة حدوث تغيير وزاري أو تعديل وزاري تدخل في إطار السلطة التقديرية المطلقة لرئيس الجمهورية، يقدّرها ويقوم بإجرائها بما يحقق الصالح العام وفقاً لتقديراته وميزان الظروف المحيطة بالمجتمع داخلياً وخارجياً، لكنها غير مرتبطة بنصوص دستورية أو بأعراف، إنما هي سلطة تقديرية للرئيس".

وسار متحدث مجلس الوزراء المستشار محمد الحمصاني على النهج نفسه، وقال في أكثر من مداخلة هاتفية مع برامج تلفزيونية رداً على أسئلة التغيير وتكهنات التعديل إن "التغيير الحكومي من اختصاص مؤسسة الرئاسة وحدها، ولا يمكنه التعليق عليه". مع الإشارة إلى "عدم وجود خطة تغيير وزاري قريب".

ومع نسبية معايير القرب والبعد، لم يؤثر "هذا التوضيح" كثيراً على حمى توقعات الخبراء العصاميين والعرافين السياسيين والصحافيين الذين احترفوا التوقع أو ادعوا المعرفة من دوائر قريبة من صناع القرار، ولم يردعهم خطأ سابق توقعاتهم من ألفها إلى يائها.

تبادل التكهنات وبورصات التعديلات

عدد لافت من كبار الكتاب والصحافيين والمذيعين دخل في منافسات شرسة، لا على توقعات الراحلين والباقين والجدد فقط، لكن على التوقيت، وذلك بين "خلال ساعات" (مضى أغلبها ولم يحدث تغيير) أو "في غضون أيام"، ومنهم من ترك الباب مفتوحاً أمام "بضعة أسابيع".

الطريف أن مذيعين يستضيفون صحافيين ليتبادلوا التكهنات وبورصات التعديلات المرتكز جميعها على أرضية خصبة من القيل والقال. الطريف أن "التكهن" نفسه يشهد تطوراً في التعامل، فظهرت عبارات مثل "هناك نية للتكهن"، إضافة إلى التعامل مع التكهن نفسه، وكأنه محتوى يستحق التحليل والتفسير والتعليل. حمى كسب المشاهدات وضمان إعادة المشاركة لم تترك ملفاً إلا غزته، أو موضوعاً إلا وهيمنت عليه، وموسم التغيير الوزاري ليس استثناءً.

يلاحظ هذه الأيام هجوماً مكثفاً وغزواً ممنهجاً من صناع محتوى على مشهد التوقعات. وعلى رغم تضارب القوائم التي يدعي كل منهم أنها مؤكدة، أو على الأقل شبه مؤكدة، وموثقة أو فنقل أقرب ما تكون إلى الحقيقة "التي ستعلن بين لحظة وأخرى" بحسب تأكيداتهم على صفحاتهم على السوشيال ميديا، إلا أن المتابعين لا يلتفتون كثيراً إلى هذا التضارب. فقد ضربت حمى اللحاق بالتغيير، وإعادة نشر التعديل قبل الآخرين، ولو للتفاخر أمام الأهل والجيران، الكثيرين.

ويبدو أن طول مدة الانتظار، والتزام دوائر صنع القرار الصمت باستثناء التصريحات التي تعني في نهاية الأمر "قد يحدث تغيير، وقد لا يحدث"، دفعت بعدد من الصحافيين ومقدمي برامج الـ"توك شو" الشهيرة إلى صعود حلبة التوقع والتكهن.

 

اللافت أيضاً هو تضارب توقعاتهم، مع تأكيد أغلبهم أن توقعات التغيير الشامل والإطاحة الكاملة، أو التغيير المحدود وعدم الإطاحة بأحد من مصادر خاصة ومقربة من الدوائر المهمة.

ولا تخلو الساحة من مواقع إخبارية "صغيرة" تجاهد من أجل البقاء عبر "عاجل: أبرز الوزراء الباقين في حكومة رئيس الوزراء الجديد"، أو "شاهد قبل الحذف: التشكيل الحكومي الجديد بقيادة رئيس الوزراء..." وغيرها من الأخبار التي لا يختلف متنها عن عنوانها كثيراً.

وبينما البعض يستثمر وقت انتظار التعديل أو التغيير أو البقاء إما في التكهن، أو التندر على تكهن الآخرين، أو المتابعة وعمل الـ "لايك" والـ "شير"، ينكب آخرون في هذا الموسم على نشاط أكثر تخصصاً. انفجرت حسابات وصفحات لأشخاص أو جهات أو كيانات على منصات السوشيال ميديا اتخذ كل منها من وزير بعينه غاية ومقصداً. "مستر إبراهيم بتاع التاريخ"، و"مايسترو العلوم"، و"طلاب مستر حسين" و"يوميات أم عصبية"، و"نقابة المعلمين المستقلين"، و"فرفوش الإنجليش"، و"اتحاد أولياء الأمور المتضررين"، جميعهم يطالب برحيل وزير التربية والتعليم، وبينهم من يدعو إلى عودة الوزير السابق طارق شوقي، الذي أمطروه على مدار سنوات عمله سباً وانتقاداً ومطالبة بالرحيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كذلك الحال مع وزير التعليم العالي، إذ "اتحاد طلاب الجامعات المنكوبة"، و"طالبات الكليات المتضررات"، و"أساتذة الجامعات المظلومين" وغيرهم صفحات تطالب برحيل الوزير، ومنهم من يطرح أسماء لزملاء وأصدقاء لم يسمع عنهم سواهم.

الملاحظ أن أحداً من الوزراء لم ينج من الصفحات الموجهة، ومطالبات الإقالة، باستثناء الوزارات السيادية (الدفاع، والداخلية، والخارجية)، إضافة إلى نائب رئيس مجلس الوزراء للتنمية الصناعية وزير الصناعة والنقل كامل الوزير. من الإسكان والتموين والصحة، إلى الزراعة والتضامن والاتصالات، وحتى السياحة والثقافة والشباب والرياضة، وجد الجميع نفسه مطالباً بالرحيل، وأسماء البدلاء، التي لم يسمع عنها أحد، جاهزة.

وتمضي صفحات المطالبة بالإقالة والدعاء من أجل الرحيل، وأغلبها ينتعش في مواسم التغيير فقط لتغزو السوشيال ميديا، وتحوز قضمة من كعكة القراءة، والشير والـ "لايك"، وأحياناً السخرية والاتهام بأنها لجان منظمة أو ذباب إلكتروني.

الشارع يتابع ويتندر

أما الشعب، فيبقى الأكثر تماسكاً وتصالحاً مع نفسه هذا الموسم. يقرأ، ويتابع، بل يشارك ويتندر، لكن تبدو عليه علامات النضج. يفضل البعض أن يسميها "علامات التقدم في العمر"، أو "الشيب"، أو "الإنهاك"، لكن النتيجة واحدة. تهيمن على الشارع الواقعي، بعيداً من الأثير الافتراضي، قدراً وافراً من الواقعية والمنطق. رحيل وزير، وقدوم آخر لا يعني بالضرورة تغيرات جذرية أو تحولات كبرى في ملف كل وزارة.

وعلى رغم ذلك، فإن علامات النضج لا تتوقف عن الظهور في الشارع. هذه المرة من مرات انتظار التغيير أو التعديل، يعكف مواطنون مصريون على متابعة أخبار الوزراء والوزارات، لا لمعرفة ما يجري بالضرورة، لكن لاستشفاف أو استشراف ما قد يعنيه نشاط محموم هنا من بقاء هذا الوزير، أو توقف تصريحات أو خفوت ظهور هناك ما قد يعني رحيل الوزير.

 

اللافت للنظر أن ملفات السياسات الخارجية، مثل غزة والسودان وليبيا وإثيوبيا وأميركا والاتحاد الأوروبي وغيرها تغيب بشكل شبه كامل عن اهتمام الشارع بالوزراء والتغييرات. وعكس ما كان سائداً مثلاً بعد عملية "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتراوح المواقف والآراء الشعبية بين تأييد مواقف الدولة المصرية وسياساتها، أو المطالبة باتخاذ مناح مختلفة، لا يكاد يُسمع صوت في هذا الشأن متصلاً بالتغيير.

وتظل هناك قناعة بين المصريين باختلاف طبقاتهم وفئاتهم وأولوياتهم بأن سياسات الوزارات، وعلى رأسها كل ما يتعلق بالاقتصاد علاقته بمعيشة المواطن، لن تتغير جذرياً على الأرجح، إلا لو قرر الرئيس ذلك. الملاحظ أيضاً أن الاهتمام الأكبر من قبل الشارع من نصيب المحافظين. وهذا يعكس إما تحولاً واضحاً صوب التركيز على المشكلات المحلية والمركزية، التي تختلف من محافظة إلى أخرى، وتعتمد في حلها على خبرة المحافظ ومعرفته بالتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة في المحافظة، أو يعني قدراً أوفر من الواقعية في تمني حدوث تغيرات سياسية ووزارية كبرى تنعكس غداً رخاء ورفاهاً على حياة المواطن، وهو الأرجح.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات