السوداني عبد الحميد البرنس يروي موسما جديدا للهجرة إلى الشمال

"حامد" البطل السوداني يختار المنفى المصري في"غرفة التقدمي الأخير"

غلاف الرواية السودانية (الهيئة المصرية)

في روايته "غرفة التقدمي الأخير"، الصادرة حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن "سلسلة الإبداع العربي"، يسرد الكاتب السوداني المقيم في أستراليا عبدالحميد البرنس أحوالاً بائسة عاشها بطل العمل "حامد عثمان حامد" ونفرٌ من "رِفاق"، لا يقلون عنه بؤساً، في ظل اعتقادهم جميعا بأنهم معارضون يساريون لنظام حكم الرئيس المخلوع أخيرا عمر البشير. اعتبروا أنفسهم فرعاً في القاهرة - حيث يقيمون - لحزب يساري، مركزه في الخرطوم، في حين أن الأمل الكامن في في نفوس غالبيتنهم هو النجاة من الفقر المادي المدقع عبر فرصة للهجرة إلى الشمال الرأسمالي، متخذين من مصر محطة أخيرة نحو ذلك الهدف.

هذه الرواية تعد بحسب مؤلفها هي الجزء الأول من ثلاثية. في الجزء الثاني منها كما ذكر البرنس نفسه، "يتم عبر علاقات السرد فحص قضية الموت في سبيل أمر ما: إحدى الشخصيات تقودها تأملاتها إلى أن الضحايا هم وقود الحياة المترفة للسادة الأماجد حسب تعبير صلاح عبد الصبور... هناك صراع مصالح قائم ودماء أبناء الوطن بالنسبة لسلطة قمعية لا يعني سوى مزايدة أخرى على حسن الظن بها". وليس مستبعداً أن يكون الجزء الثاني هذا مقاربة جديدة للعلاقة مع الغرب على غرار ما قدمته مثلا رواية الطيب صالح الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال" التي نشرت في بيروت في العام 1966.

وعنوان رواية البرنس يحيل إلى عنوان قصيدة شهيرة للعراقي سعدي يوسف، كتبت في العام 2006، وإن كان مضمونها يتناول عودة موقتة من المنفى إلى الوطن، وجاء فيها: "القصة وما فيها يا أصحابي ويا رفاقي (لا أدري إذا كنتم تستعملون كلمة رفيق... لا يهم!) أن الشيوعي الأخير ذهب قاصداً البصرة بعد أن ودّع حبيبته (ليزا) التي أوصته بألا يدخل البصرة بعد طول غياب إلا تحت الراية الحمراء".

"حامد" هو السارد الرئيسي في "غرفة التقدمي الأخير"، والأحداث تبدأ من لحظة بلوغه التاسعة والعشرين من عمره وقد مرت عشر سنوات على وجوده في مصر "منفياً". لكنه يسردها بعد مرور سنوات على وقوعها في شكل أقرب إلى مذكرات، كتبت بعد الهجرة المبتغاة. كان قد استقر في شقة من غرفة واحدة، "غرفة باردة كميدان"، بحسب وصفه، في محيط مصري فقير في شرق القاهرة. وفيها وفق سارد عليم "يكاد يسمع عواء جوعه يتناهى بإلحاح من ظلام بطنه". أما حامد نفسه فيقول: "صوتٌ ما آخر أوحى أن ما أعانيه، ربما ليس سوى أثر تدخين أعقاب السجائر الملقاة على الطرقات هنا أو هناك، أو لعله تنفس هواء الغرفة المشبع بعفن الرطوبة". ثم سرعان ما يعود السارد العليم في اللحظة ذاتها: " أرتالٌ مبعثرةٌ من الكتب. هو فأر كتب. أسير العبارات، عاشقها الأبدي المترع براح الشعر وأدبيات هذا اليسار". كان "حامد" حتى تلك اللحظة لا يزال وفيا لانتمائه إلى اليسار؛ "منذ بدأ الليل بدا كما لو أن هناك أكثر من سبب لتكاثر خلايا الضيق داخل صدري: التفكير في وفاة الرفيق لينين المبكرة، إعدام زعيم الحزب منذ عقود وتركه ذرية، قرار مالك الشقة برفع قيمة الإيجار". زعيم الحزب المشار إليه في ذلك المونولوغ هو نفسه القيادي الشيوعي السوداني عبدالخالق محجوب الذي نفذ فيه حكم الإعدام في 28 يوليو(تموز) 1971.

يتوقف "حامد" أيضاً في تأملاته داخل غرفته البائسة تلك عند حدث تحديد إقامة اللواء محمد نجيب؛ أول من تولى رئاسة مصر بعد ثورة 1952 في فيلا في شرق القاهرة لسنوات طويلة في صحبة كلبه الذي عندما نفق قام بدفنه في حديقة الفيلا وكتب على القبر "هنا يرقد صديقي الوحيد".

المرأة والتحوّل

الحدث المحوري في حياة "حامد" في تلك الحقبة يتمثل في مقابلته "مها الخاتم" أمام مبنى مفوضية اللاجئين في أحد أحياء القاهرة الراقية. يحاول التودد إليها لكنها لا تبالي به حتى بعد أن يصبحا زميلين في العمل اليساري السري، ضمن خلية سودانية في القاهرة في تسعينيات القرن الماضي. لكنه مع ذلك لا يتوقف عن السعي وراءها حتى بعد أن يعلم بعلاقتها الغرامية بزميل آخر هو "جمال جعفر". وسرعان ما يهاجر "جعفر" إلى أميركا بعد أن أفشى تفاصيل علاقته "الجنسية" بـ"مها" لكل من يعرفونهما. هنا يجد "حامد" السبيل ممهدا لاصطياد "مها" وهي في ذروة صدمتها العاطفية، لكنه لا ينجح في ذلك إلا بعد أن يحصل على عمل في مركز أبحاث أميركي في القاهرة، تتحسن بفضله أحواله المادية بما ينقله من السكن في تلك الشقة/ الغرفة البائسة، إلى السكن في حي مدينة نصر الراقي.

"حامد"، واسمه الحركي "مُسالم"، سرعان ما سيزهد "مها"، خصوصاً بعد أن طلبت منه أن يتزوجها، ونجده يبرر لنفسه تخليه عنها بأنه لا يجوز لمثله أن يتزوج من "عاهرة". ليلة افتراقهما زارا معرضا في أتيليه القاهرة المواجه للمقر المركزي لحزب التجمع معقل اليسار المصري... وبحسب السارد العليم أخذ يتراءى (ذلك المبنى) هناك، على يسارهما، مثل كتلة قاتمة أشبه ما تكون بجسد من دون أطراف، وقد تحجَّر كميتٍ". ص 171، في إشارة إلى تحول أفكار الذي وجد نفسه في اللحظة ذاتها يفكر في طريقة للتخلص من "مها" "كقميصٍ بال"، مبررا لنفسه تلك الندالة بأنه تأكد حالا من أن عقله ينطوي على "هشاشة ثورية ذاتية لا تُحتمل".

تقول له "مها"، بعدما تأكدت من أنه قرر التخلص منها: "إن الثوري لدينا عنيف في أقواله مسالم في أفعاله". جاءت على الجُرج. والجملة أصلا هي لفرانز فانون. "معاوية الكامل"، وهو أحد أعضاء الخلية اليسارية تلك، بعدما التقى في القاهرة قريباً له ينعم بالثراء، أخلف وعده بعدم حلق شاربه وذقنه وشعر رأسه إلا بعد سقوط حكم الطغمة العسكرية في السودان. هذا الثري ويدعى "بهاء عثمان"، يفخر بأنه أصبح مواطناً أميركياً، وهو سيلعب أيضاً الدور الأهم في وضع حامد على "الطريق الصحيح"، فقد رشحه للعمل مساعد باحث بقسم العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وقال له خلال اللقاء الوحيد الذي جمعهما: "دع عنك الأوهام عن الإمبريالية". ص 183. هذا العرض "كان بمثابة سلسلة قنابل ألقيت على منجم روح حامد المنغلقة بصخر السلبية، وربما كذلك قلة الحيلة وحتماً ضعف القوة".

حامد يسرد مخاطبا "شكر الأقرع"، والأخير يتولى بنفسه السرد أحياناً. "الأقرع" هو أيضا من الساعين إلى رحاب جنة أرضية انطلاقا من القاهرة، ويقول: "ما يهمني من شؤون هذه المدينة، ليس سوى لقمة طعام ومطرح رأس، إلى أن يقرر الله، فالتحق بأولئك الهاربين خفافاً إلى رحاب دولة غربية. عدا ذلك فليذهب إلى ظلمة القاع المنسي من الجحيم". هو لا يخفي عدميته، ويشكل مع "حامد"، ربما، وجهين لعملة واحدة، إذا سلَّمنا بأن لكليهما الهدف نفسه، أحدهما يضمره مدعيا النضال ضد كل ما يمت إلى العسكريتاريا والرأسمالية المتوحشة بصلةٍ، فيما الآخر يعلنه بوضوح سافر وفج، من دون أن يدعي أن له صلة بأي نضال، غير ذاك الذي يتصل بتأمين الحد الأدنى من طعام يبقيه على قيد الحياة، وجدران تحميه من النوم في الشارع.

يقول "حامد" لنفسه، لدى تسلمه عمله الجديد، ربما ليدفع الريبة التي انتابته للحظةٍ إزاء أهداف ذلك العمل: "لقد مضى عهد الرفض". هو على أية حال سار على درب "مها الخاتم" التي سبقته إلى العمل لحساب "منظمة مشاريع تنموية" أميركية، لكن طلبها الذي تقدمت به إلى مفوضية شؤون اللاجئين قوبل بالرفض، فيما كان هو على يقين لا يعرف أسبابه من أن طلبه سيلقى القبول، وأنه سيصر على ترك "مها الخاتم" لمصير شديد البؤس، خصوصاً وهو يعلم أنها تمر بمرحلة متقدمة من مرض السرطان، وهكذا يأتي ختام الرواية عبر سارد عليم: "من بين دموعها المتساقطة، على صخرة قلبه الصماء الصلدة، دمعة فدمعة، قالت: قريبا لن تكون هناك على رأسي شعرة، يا حامد. كيفية الهروب من كيان آدمي يوشك على السقوط، كان ذلك كل ما فكر فيه هذا اليساري".  

"غرفة التقدمي الأخير"، هي التجربة الروائية الثانية لعبد الحميد البرنس بعد رواية "السادة الرئيس القرد" التي صدرت قبل عامين عن دار "ميريت" في القاهرة، وهو أصدر في العام 2001 مجموعته القصصية الأولى "تداعيات في بلاد بعيدة"، وأتبعها بمجموعة قصصية ثانية عنوانها "ملف داخل كومبيوتر محمول" صدرت العام 2010، وصدرت له متتالية قصصية عام 2016 عنوانها "مشاهد من رحلة يوسف". 

المزيد من ثقافة