Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد عزمها دعم المفاوضات... هل تنجح الوساطة الأميركية في حل أزمة سد النهضة؟

مراقبون: تدخل واشنطن غير واضح حتى الآن... والسيسي: مؤسسات الدولة متمسكة بحماية الحقوق المائية

ترفض إثيوبيا إطالة فترة ملء خزان سد النهضة وهو ما يؤثر على حصة مصر من المياه (أ.ف.ب)

مع تعثّر المسار التفاوضي حول سد النهضة وتبادل الاتهامات حول المسؤوليَّة عن فشله، تدخل كلٌ من مصر وإثيوبيا وبينهما السودان مرحلةً جديدةً من المواجهة بشأن ما بات يُعرف بـ"أزمة سد النهضة"، بعد إعلان القاهرة رسمياً من على منبر الأمم المتحدة رفضها "فرض سياسة الأمر الواقع بشأن تشغيل السد" المثير للجدل، ما فسَّره البعض ببدء عمليَّة "تدويل الأزمة".
وخلال الساعات الأخيرة، وفي تطور لافت، أعلنت الولايات المتحدة عزمها التدخل لدعم المفاوضات بين البلدان الثلاثة، وذلك بعد أيام من رفض أديس أبابا رسمياً مقترح القاهرة لتشغيل سد النهضة، قائلة إنه يمثل "انتهاكاً للسيادة الإثيوبيَّة"، ومتمسكة بأن يكون "قرار الملء والإيقاف والاستئناف محليّاً صرفاً"، وهو ما ترفضه القاهرة.
وبين طلب مصري بدخول طرف "رابع حيادي" على خط التفاوض لـ"عدم تفاقم الأوضاع"، ووساطة أميركيَّة لم تتضح بعد ملامحها أو جدولها الزمني، وهو ما تشتكي منه القاهرة التي تخوض مفاوضات مع أديس أبابا والخرطوم منذ سنوات، تتباين الرؤى بشأن إمكانيَّة نجاح التدخل الأميركي وتحقيقه اختراقاً في الأزمة المتفاقمة مع اقتراب بدء تشغيل السد في العام المقبل، وفق الإعلان الرسمي من الجانب الإثيوبي.

دخول أميركي على خط الوساطة

وأعلنت الولايات المتحدة صباح الجمعة، ما قالت إنه "دعم المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة". ودعا البيت الأبيض في بيان مقتضب "الأطراف الثلاثة إلى بذل جهود حسنة النيَّة للتوصل إلى اتفاق مستدام يحقق تبادل المنفعة في التنميَّة الاقتصاديَّة والازدهار". وأضاف أن "جميع دول وادي النيل لها الحق في التنميَّة الاقتصاديَّة والازدهار".
وفي ما بدا أنه ترحيبٌ مصريٌّ بالوساطة الأميركيَّة، ذكرت مصادر حكوميَّة مصرية أن القاهرة طالبت بدخول طرف دولي "رابع حيادي" وسيطاً في المباحثات الثلاثيَّة مع السودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة، لتسهيل عمليَّة التفاوض بين الأطراف الثلاثة، ولضمان الوصول إلى اتفاق يضمن الاستخدام العادل للمياه، ويضمن للجانب الإثيوبي تشغيل السد وتوليد الكهرباء، الهدف الأساسي من بنائه. وجاء هذا التطوّر بينما بدأ وزراء الري في مصر وإثيوبيا والسودان اجتماعاً في الخرطوم لمناقشة قواعد تشغيل سد النهضة وملء بحيرته بالمياه وتوقيتهما، وذلك بعد أربعة أيام من اجتماعات اللجنة الفنيَّة المكوّنة من خبراء وفنيين وأساتذة جامعات تركّزت على تقريب الرؤى المصريَّة والإثيوبيَّة بشأن هذا الملف.
وذكرت مصادر رسميَّة لـ"اندبندنت عربية"، أن الاجتماع "لم يتمكّن من تحقيق اختراق أو تقريب وجهات النظر بين إثيوبيا ومصر"، مشيرةً إلى أنه "خلال اجتماعات اللجنة الفنيَّة التي سبقت اجتماعات وزراء الري للدول الثلاث، تعذّر إصدار تقرير مشترك لرفعه إلى الاجتماع الوزاري، وتعذَّر كذلك الوصول إلى توافق حول المسائل الخلافيَّة خلال الاجتماع الوزاري"، مبرراً "تمسُّك كل طرف بموقفه".

ومساء اليوم، تحدَّث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، رسمياً عن فشل الاجتماع الثلاثي لوزراء الري بالخرطوم، مؤكداً بشكل شديد اللهجة، "تمسُّك بلاده بكل مؤسساتها بحماية الحقوق المائية المصرية في مياه النيل". وقال، في تصريحات نشرتها صفحته الرسمية على "فيسبوك"، إن القاهرة "مستمرة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات على الصعيد السياسي، وفى إطار محددات القانون الدولى لحماية هذه الحقوق".

وأعقب تصريحات السيسي، ترحيب رسمي من المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية، بسام راضي بالدخول الأميركي على خط الوساطة، قائلاً "القاهرة ترحب بالتصريح الصادر عن البيت الأبيض بشأن المفاوضات الجارية حول سد النهضة"، معرباً عن تطلع مصر لقيام الولايات المتحدة الأميركية بدور فعَّال في هذا الصدد، خصوصاً في ضوء وصول المفاوضات بين الدول الثلاث إلى طريق مسدود بعد مرور أكثر من أربع سنوات من المفاوضات المباشرة منذ التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ في 2015، وهي المفاوضات التي لم تفض، على حد وصفه، إلى "تحقيق أي تقدم ملموس، ما يعكس الحاجة إلى دور دولي فعَّال لتجاوز التعثر الحالي في المفاوضات".

وبعد سنوات من التفاوض تراوح مسارها بين التعثر والانفراج، تبادلت القاهرة وأديس أبابا الأسابيع الأخيرة "الاتهامات بشأن عرقلة المناقشات". وكان وزير الخارجيَّة المصري سامح شكري أعلن أواخر الشهر الماضي سبتمبر (أيلول)، "عدم ارتياح القاهرة لطول أمد مفاوضات سد النهضة، وعدم التوصُّل بعدُ إلى شروط ملء وتشغيل السد"، مكرراً في أكثر من لقاء مع نظرائه على هامش أعمال الجمعيَّة العامة للأمم المتحدة، أن "مياه نهر النيل تعد مسألة حياة ووجود بالنسبة إلى مصر".
وسبق تصريحات شكري، وصف وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيلشي بيكيلي، "خطة مصر"، بما في ذلك حجم المياه التي تريد أن يسمح السد بتصريفها سنوياً، بأنها "غير مناسبة"، قائلاً "الاقتراح المقدّم من مصر تقرر من جانب واحد، ولم يأخذ بالاعتبار اتفاقياتنا السابقة". وأضاف "لا يمكن أن نوافق على ذلك، وسنعد اقتراحنا".
وجرى تصميم سد النهضة الذي أعلنت عنه أديس أبابا عام 2011، ليكون حجر الزاويَّة في مساعيها لتصبح أكبر مصدر للطاقة في أفريقيا، إذ سينتج أكثر من 6000 ميغاوات من الكهرباء.
وقالت إثيوبيا إن "السد سيبدأ إنتاج الطاقة بحلول نهايَّة عام 2020، وسيعمل بكامل طاقته في عام 2022".
وتختلف القاهرة وأديس أبابا على حجم المياه الذي سيتدفق سنوياً على مصر وكيفيَّة إدارتها خلال فترات الجفاف، إذ تتمسك مصر التي تعتمد على النيل في تلبيَّة نحو 90 في المئة من احتياجاتها من المياه، بأن يسمح خزان السد بتصريف كميَّة من المياه أكبر مما تريده إثيوبيا، وهو ما لا يقل عن 40 مليار متر مكعب من السد سنوياً.
ومن على منبر الأمم المتحدة، تمسّك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال خطابه أمام الجمعية العامة في دورتها الأخيرة، بأنه لن يتم تشغيل سد النهضة الإثيوبي بفرض الأمر الواقع، قائلاً "مياه النيل بالنسبة إلى المصريين مسألة حياة"، داعياً إلى "دور دولي للحض على المرونة في مواجهة تعثر المفاوضات"، ومحذراً من أن "استمرار التعثّر في المفاوضات ستكون له انعكاسات على التنميَّة بمصر والمنطقة".
 

هل تنجح الوساطة الأميركية؟

بعد إعلان الولايات المتحدة دعمها المسار التفاوضي بين البلدان الثلاثة، تباينت الرؤى بين المراقبين حول مدى إمكانيَّة تحقيق واشنطن اختراقاً في ملف سد النهضة مع تمسُّك الأطراف بمواقفها.

رأى إبراهيم عبد الحميد مدرس العلوم السياسيَّة في جامعة القاهرة، أن "ما يبعث على عدم تحقيق اختراق في الوساطة الأميركيَّة أنها لم يُتضح بعدُ شكل التدخل الأميركي في الأزمة، فضلاً عن وجود جدول زمني لها، وهو ما تشتكيه القاهرة مع اقتراب التشغيل الفعلي للسد في 2020". وأضاف "لا يمكن اعتبار بيان البيت الأبيض بحد ذاته كافياً لحل الأزمة، ومن ثمّ نترقب خلال الأيام المقبلة كيف ستتدخل واشنطن لحل الخلاف؟".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبها، اعتبرت السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجيَّة المصري السابق للشؤون الأفريقيَّة، أنه على الرغم من أن التعثر يصيب مفاوضات سد النهضة في الفترة الأخيرة، فإن التعويل في الحل "يبقى على وجود إرادة سياسيَّة لدى البلدان الثلاثة على أعلى مستوياتها تسمح في النهايَّة بتذليل أي عقبات ممكنة". وأضافت عمر أن "كل الأطراف ترفض تقديم تنازلات، ومصر لا يمكنها أن تتهاون في حصتها المائيَّة"، لافتةً إلى أن "خيارات مصر يجب أن تظل مفتوحة في كل مجالاتها".
وأعربت عن تفاؤلها في الوقت ذاته بالتدخل الأميركي لما "يربط واشنطن بعلاقات قويَّة مع أطراف الأزمة، لا سيما القاهرة وأديس أبابا". وترتبط كل من مصر وإثيوبيا بعلاقات وثيقة في مجالات عدة أمنيَّة وسياسيَّة وعسكريَّة مع الولايات المتحدة. وتقيم إثيوبيا سد النهضة على النيل الأزرق بهدف توليد الكهرباء، وهو ما تخشى مصر من تأثيره على حصتها من مياه النيل، التي تبلغ نحو 55.5 مليار متر مكعب سنوياً.
وتسعى مصر من خلال المفاوضات إلى إقناع إثيوبيا بإطالة فترة ملء خزان سد النهضة، بما لا يؤثر على حصتها من المياه.
وكشفت مذكرة وزَّعتها الخارجيَّة المصريَّة في أغسطس (آب) الماضي، أن إثيوبيا "رفضت من دون نقاش" الاقتراح المصري بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، ووجود خلافات أساسيَّة حول كميات تدفق المياه سنوياً لمصر. ومع اقتراب بناء السد وملء خزانه (74 مليار متر مكعب) وضعت مصر شروطاً تتعلق بالملء لفترة 7 سنوات، ووقف الملء في أوقات الجفاف وضمان تدفق 40 مليار متر مكعب سنوياً، والمحافظة على مستوى المياه أمام السد العالي بارتفاع 165 متراً فوق مستوى سطح البحر.

المزيد من دوليات