ملخص
كانت دمشق تبدو من البعيد للقادم إليها من لبنان ككتلة إسمنتية هائلة ومتراكمة منتشرة على التلال المحيطة بالمدينة، ثم تهبط من الأعلى كسيل ينفجر ويتوسع في الأسفل ليشكل مركز المدينة، بينما يقف على أحد التلال الجرداء قصر ضخم يطل على كل المشهد العمراني العشوائي يسمى "قصر الشعب" الذي يسكن فيه الرئيس الابن بعدما سكنه الرئيس الأب.
كانت مراكز الجيش السوري المنتشر في لبنان، والتي نمر بقربها في طريقنا نحو بلداتنا ومدننا، توحي بأن هذا الجيش بجنوده وعتاده على أهبة الاستعداد للعودة إلى سوريا. فقد كان كل ما في تلك المراكز مبنياً على عجل أو ليرتاح فيه الجنود لأيام لا أكثر، بينما تصطف الشاحنات الروسية القديمة المدهونة بطلاء المنازل، والتي تحمل شعارات الوفاء للقائد الأسد الأب أولاً، ومن ثم الابن من بعده.
وكان الحاجز التابع للمركز العسكري يتألف من غرفة صغيرة من الأسمنت أو ألواح الزنك المربوطة ببعضها بعضاً وعلى جدرانها رسم العلمان الفلسطيني، وهو علم حزب البعث أيضاً، والسوري. وغالباً ما كانت تتوزع فوق جدرانه الداخلية والخارجية صور للرئيس حافظ الأسد وابنيه بشار وباسل، وفوقها شعارات "إلى الأبد.. سوريا الأسد"، أو "شعب واحد في بلدين"، أو "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، وغيرها من الشعارات العربية والبعثية.
كانت مراكز الجيش السوري تحتل مباني هجرها سكانها بعد دمارها في واحدة من الحروب الكثيرة التي مرت على لبنان، ولهذا كانت تقفل نوافذها بالنايلون أو بالكرتون، وتثبت أبوابها على عجل من دون أن تكون بالقياس الصحيح، وغالباً ما كانت الجدران عارية من قشرة الأسمنت والطلاء فيبدو هذا الجيش المتمركز في لبنان كأنه ينتمي إلى دولة أقل تقدماً وتطوراً من الدولة التي يحتلها أو يوجد فيها لإحلال السلام بين أهلها، وفق ما كما كان متداولاً سياسياً وإعلامياً.
دمار وحواجز وغضب
سحنات الجنود تظهرهم متبرمين دوماً، ومتعجلين من أجل القيام بأمر ما. السجائر التي في أياديهم يمجُّونها مجَّاً متعجلاً ليشعلوا غيرها، أجسادهم نحيلة كأنهم يعانون سوء التغذية فيما العصبية واضحة في حركاتهم وطريقة تعاملهم مع المارين قرب الحاجز. وكان هؤلاء يتقاضون الرشوة من المال أو من البضائع من الشاحنات الذاهبة جنوباً مقابل عدم تفتيشها، ويقال إن بعض ضباط الجيش السوري أثروا بسبب هذه الحواجز، وكان تعيينهم على حاجز معين يوفر لهم مدخولاً كبيراً بالواسطة وبالمشاركة مع مسؤولين في النظام السوري يعينون هذا الضابط أو ذاك.
واعتاد اللبنانيون المارون في سياراتهم على وجود الحاجز وتمهلهم أمامه وإلقاء التحية على الجندي الذي يتأمل الركاب واحداً تلو الآخر، مشيراً بيد لا مبالية إلى السائق للتقدم، فيما يستدعي السيارة التالية بالإشارة نفسها من دون أن ينبس بأي كلمة أو إشارة إلى وجهه، ومن دون أن يرد على التحية بمثلها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذه الحواجز والمراكز السورية احتلت الأبنية التي لم ترمم منذ انتهاء الحروب اللبنانية المديدة والمتناسلة، لأن مالكيها ما عادوا يعيشون في البلاد أو ما عادوا على قيد الحياة، أو لأن كلفة ترميمها أكبر من قدرة هؤلاء المالكين، خصوصاً في المناطق التي وقع فيها التهجير الجماعي بمناطق بيروت وجبل لبنان.
وغالباً ما تكون هذه الأبنية مدمرة منذ حرب السنتين (1975-1977) بين الفريقين اللبنانيين المتقاتلين، أو خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 حين صبت الدبابات والطائرات والبوارج الإسرائيلية حممها على الأحياء البيروتية. وربما تضررت في معارك ومناوشات بين الأحزاب والفصائل المتحاربة قبل انتهاء الحرب بتوقيع اتفاق الطائف، أو دمرتها حروب المخيمات بين الفصائل الفلسطينية أو بينها وبين الفصائل اللبنانية، ومن ثم حرب توحيد البندقية في المناطق المسيحية، ومعارك أحزاب اليسار اللبناني مع الجيش السوري بعد اغتيال كمال جنبلاط عام 1977، ومعركة التحرير التي قادها الجنرال عون ضد الجيش السوري بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل عام 1989، ومعارك الجبل وسوق الغرب التي شارك فيها الجيش السوري أيضاً، وفي كل الأحوال كان للجيش السوري والأحزاب المسلحة الحليفة له دورها في كل تلك الحروب.
كل ما يظهره الحاجز هو أن الجيش السوري موجود بصورة موقتة فوق الأراضي اللبنانية، على رغم أن إقامته امتدت لأكثر من ثلاثة عقود انتهت بانسحابه بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري ومجموعة أخرى من السياسيين والصحافيين، وكان لصدور القرار 1559 عن مجلس الأمن عام 2005، الذي ينص على انسحاب جميع الجيوش الأجنبية من الأراضي اللبنانية، دوره في تحقيق هذا الانسحاب الذي بدا أنه سيكون مؤبداً كما أبدية "البعث". وبالطبع كان لما سماه اللبنانيون المعترضون على الوجود السوري في لبنان بثورة الاستقلال في الـ14 من مارس (آذار) 2005 دورها الأساس في إجبار النظام السوري على القبول بانسحاب جيشه.
مثال لـ"سوريا الأسد"
كان الإيحاء بأن الجيش السوري في لبنان يبني مراكزه العسكرية على عجل غير صحيح لأنه كان مثالاً للأوضاع في سوريا نفسها، وفي دمشق التي بدا أن الزمن توقف فيها عند أواخر الستينيات، تاريخ سيطرة حزب البعث على السلطة.
في تلك الفترة انتقل آلاف العمال السوريين إلى لبنان للعمل في ورشة إعادة البناء، وارتفعت أعداد اللبنانيين الذين يزورون سوريا في زيارات دينية إلى المقامات المعروفة ومنها مقام السيدة زينب في الشام، أو في زيارات تجارية، حيث كانت البضائع أرخص في سوريا منها في لبنان مقارنة بقيمة الدولار الأميركي في كلا البلدين، وراحت النسوة وربات المنازل اللبنانيات يتاجرن بالملابس السورية لبيعها في لبنان وتحقيق ربح صغير منها. كان ذلك الانفتاح والتواصل الجديدين سببان لإشاعة أن اللبنانيين والسوريين "شعب واحد في بلدين" بينما كان الواقع يشير إلى "شعبين في بلد واحد"، كما أراد نظام البعث السوري وحلفاؤه في لبنان.
في تلك السنوات من أوائل الألفية الثالثة كان بشار الأسد الرئيس الابن الشاب والمتعلم في بريطانيا، قد أشاع أنه أتى لتحديث بلاده وفتحها على العالم وإخراجها من القمقم الذي وضعها فيه الأسد الأب، ثم ختمه بخاتمه السحري، وهو خاتم مكون من مزيج معادن التسلط والاستبداد وتقريب الأقارب وإغراء التجار السنة في دمشق وحلب وجعل العلويين عمود الفقري للجيش السوري العربي ليقوم بقمع كل حركة ترفض نظام الحكم الواحد بعد جمع الأحزاب كلها في بوتقة واحدة سميت "تجمع الأحزاب الوطنية والقومية"، هذا مع تأكيد النظام الأمني الاستخباراتي ذي الفروع الأمنية المتشعبة والمنتشرة، والسجون الكبرى، حيث يعذب المعارضون بطرق وحشية انكشفت قبل وبعد سقوط نظام بشار الأسد.
وكانت الإعلانات المرصوفة على طول الطريق إلى دمشق تروج لمحلات ومصانع وبضائع سوريا، ورفعت على مبنى الجمارك السوري عند الحدود وفي مداخله لافتات تحيي حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، أو الحركة التصحيحية في حزب البعث والأمة العربية الواحدة. تحت هذه الشعارات عند حاجز الجمارك يترجل سائق سيارة الأجرة حاملاً "الإكرامية" التي تكون إما علب تبغ أو ربطة خبز أو نوعاً من أنواع الفاكهة اللبنانية أو مبلغاً صغيراً من المال، فيناولها للموظف بعيداً من أعين المسافرين ثم يعود خلال دقيقة أو دقيقتين، فقد كان السائقون معتادون على القيام بهذه العملية الجمركية يومياً.
مدينة العمق الرمادي
كانت دمشق تبدو من البعيد للقادم إليها من لبنان ككتلة إسمنتية هائلة ومتراكمة منتشرة على التلال المحيطة بالمدينة، ثم تهبط من الأعلى كسيل ينفجر ويتوسع في الأسفل ليشكل مركز المدينة، بينما يقف على إحدى التلال الجرداء قصر ضخم يطل على كل المشهد العمراني العشوائي يسمى "قصر الشعب" الذي يسكن فيه الرئيس الابن بعدما سكنه الرئيس الأب.
كانت اللافتات السياسية المؤدلجة معلقة في كل مكان، على شرفات الدوائر الحكومية والوزارات، وعلى أسيجة الحدائق العامة، وفي مراكز النقابات والجمعيات واتحادات الطلاب والعمال، وفي الأسواق العامة، ويوجه موقعوها التحية إلى "باني سوريا" الحديثة وموجه البلاد نحو المستقبل. وفي تلك الفترة كان شركة الاتصالات السورية "سيريتيل" التي ازدهرت أعمالها الوجه الحديث لسوريا الجديدة، وكانت تستخدم في إعلاناتها الموزعة في الطرق صوراً لمواطنين مختلفين مناطقياً وطبقياً وعمرياً يشبهون المواطنين الظاهرين في اللافتات الحزبية والسياسية، فضمت إعلانات شركة الاتصالات العمال في القطاعين الخاص والعام والمعلمين والفنانين، وأصحاب المتاجر، والعاملين في هذه الوزارة، وكان هؤلاء أنفسهم هم الذين يظهرون في إعلانات حزب البعث الاحتفالية والقومية والوحدوية، فبدا الأمر وكأنه خلط بين الزمنين الماضي والحديث، أي زمن الاتصالات وزمن "البعث".
كانت الألوان في الصور الموزعة في كل مكان مختلفة عن ألوان الأشياء المادية الحقيقية. فألوان الإعلانات طازجة وملونة وبهية ومليئة فرحاً، بينما ألوان الأبنية المحيطة باهتة ورمادية، وكأن الزمن الذي مر عليها كان ثقيلاً ومتباطئاً ومشبعاً بالغبار، وقديم كما الجمل والشعارات التي تملأ اللافتات، والتي تبدو كأنها قادمة من زمن آخر آفل. أما ناس الصور وابتساماتهم وانتظارهم لغد سعيد وأفضل فقد كان يناقض قسمات السوريين المارين في الطريق قرب اللافتة. فهؤلاء كانوا يبدون في السنوات الأولى من القرن الـ21 وكأنهم لا يزالون في السبعينيات من القرن الماضي، في ملابسهم وألوانها وهندامهم وتصفيفات شعرهم، وكانوا يبدون معتكري المزاج ينتظرون شيئاً ما، لم يكونوا مختلفين كثيراً عن مجموعات العمال السوريين القادمين للعمل في بيروت لرفع الشقاء والفقر عنهم.
وجوه زمن الوصاية
في لبنان كان هذا التأثير للتسلط والديكتاتورية البادي على وجوه المواطنين السوريين يبدو أيضاً في سحنات السياسيين اللبنانيين في ذلك الزمن على اختلاف درجاتهم وتزعمهم وقوتهم بين جمهورهم. كان هؤلاء في زمن الوصاية السورية المتمادية والمتطاولة يظهرون أنواعاً عديدة من الخضوع. فمنهم من يضطر أو يجبر على المشاركة في كل احتفال يقام في مناسبة "بعثية" على رأسها ذكرى "الحركة التصحيحية"، وذكرى حرب تشرين، وذكرى مقتل الابن الثاني باسل الأسد، وبعد ذلك في احتفالات تنصيب بشار الأسد، وكان هذا النوع من الاحتفالات كثير العدد ولا حاجة إلى مناسبة معينة لإقامته طالما أنه في كل يوم يمكن إيجاد سبب لإقامة احتفال سياسي حاشد يحضره وجوه السياسة اللبنانية لتأكيد تبعيتهم لنظام الأسد.
وزوار المهرجانات من السياسيين يملكون خطباً طويلة في مديح النظام السوري يلقونها في المقابلات التلفزيونية مع رزمة من الشعارات والمداخلات الجاهزة والمكررة، وجميعها تصب في إطار الأخوة ووحدة المسار والمصير وحلم الوحدة العربية والمعركة الأبدية مع إسرائيل التي ستنتهي بزوالها من الوجود، بحسبهم. وجميعهم كانوا يتلقون تعليماتهم من رئيس جهاز الأمن والاستطلاع المقيم في بلدة عنجر البقاعية القريبة من معبر المصنع الحدودي. وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، بقي بعض هؤلاء السياسيين يقوم بدوره على أكمل وجه حتى اليوم الذي سقط فيه نظام بشار الأسد الذي أمضى أكثر من عقدين في الحكم بدت أطول من العقود التي قضاها والده فيه.