ملخص
لم تكتف الرياض بعودة "غائبها" بحفلة واحدة، وذلك نظراً إلى الإقبال الجماهيري الواسع، وتقرر أن يحيي "الغايب" ثلاث حفلات متتالية، حتى اليوم السبت.
بينما تنشغل حسابات محسوبة على محور إيران بترويج مقاطع لانفجارات وحرائق تزعم أنها داخل الرياض، كانت العاصمة السعودية تستقبل الفنان اللبناني فضل شاكر في واحدة من أكثر لحظات عودته الفنية ترقباً، بعد غياب امتد نحو 14 عاماً عن الحفلات الجماهيرية.
المفارقة التقطتها مغردة لبنانية علقت على مقطع من حفلة شاكر في موسم الرياض بسخرية من الخطاب الدعائي الذي يصور العاصمة السعودية وكأنها غارقة في الظلام، متسائلة عبر منصة "إكس" باللهجة اللبنانية "هلأ هيدي نفس الرياض اللي عم بينزلوا عنها فيديوهات انفجارات وحرايق وانهيار جماعة محور إيران؟ أكيد هيديك بس بخيالهن"، ولاقى تساؤلها تفاعلاً واسعاً.
"عودة الغايب"
ولم تكتف الرياض بعودة "غائبها" بحفلة واحدة، وذلك نظراً إلى الإقبال الجماهيري الواسع، وتقرر أن يحيي "الغايب" حفلتين.
وفي حفلته الأولى، رفع مسرح أبو بكر سالم في بوليفارد الرياض شعار "عودة الغايب"، احتفاء بعودة الفنان اللبناني الذي قضى زهاء ربع قرن بين القضاء والسجن والمخيمات.
أول طلة للفنان فضل شاكر الليلة على مسرح أبو بكر سالم ضمن فعاليات #موسم_الرياض #فضل_شاكر_الرياض https://t.co/seBo5tIDtM
— TURKI ALALSHIKH (@Turki_alalshikh) October 22, 2026
وافتتح فضل الأمسية بأغنية "إلا وأنا معاك" وسط هتافات الحاضرين وتصفيقهم، قبل أن يخاطب الجمهور قائلاً "نورتوني واعذروني أشعر بشيء من التوتر"، في إشارة إلى رهبة الوقوف مجدداً أمام جمهور الحفلات المباشرة.
ومع تقدم الأمسية، تراجع التوتر أمام تفاعل الحاضرين، وطلب شاكر من الجمهور مشاركته أغنية "الحب وبس"، وهي من كلمات وألحان جمانة جمال، فيما استعادت الحفلة محطات بارزة من مسيرته الغنائية.
"يا غايب"
لكن الأغنية التي كانت محل صرخات الجمهور وعازفي الفرقة وبطل الأمسية، كانت أغنية "يا غايب"، إذ ردد الجمهور كلماتها مع الفنان وغنى بعض المقاطع من دون موسيقى.
وجاء حضور الأغنية متسقاً مع عنوان الحفل، لتتحول من عمل فني ارتبط بذاكرة "الشاكريين" إلى جزء من مشهد العودة نفسه.
وأظهرت المقاطع المنشورة تفاعل الجمهور وتأثر بعض الحاضرات، فيما بدا شاكر وهو يشارك الحاضرين لحظة انتظرها طويلاً.
يقول شاكر في حفلة العودة ملمحاً للمحن التي تركها خلفه، "لما كنت (هونيك) كنت أحلم أن أقف هنا"، ويقصد منبر الرياض الفني، وموسمه الأشهر "موسم الرياض".
وعلق لاحقاً في لقاء تلفزيوني "كنت أتابع وأسمع بـحفلات الرياض، وكنت أتمنى لو كنت هنا"، وتحقق حلمه.
وشاكر الذي قدم ابنه في ألبومه الأخير قبل ظهوره، اصطحبه أيضاً لمسرح أبو بكر سالم.
الفنانة نوال تفاجئ الجمهور بصعودها على المسرح مع الفنان فضل شاكر في حفلة "عودة الغايب" في الرياض #فضل_شاكر_الرياض #موسم_الرياض #RiyadhSeason https://t.co/EtgMPikX8U
— موسم الرياض | Riyadh Season (@RiyadhSeason) October 22, 2026
وشاركته المطربة نوال في جزء من أغنياته، ونوال وشاكر بينهما ألبومات في بداياتهما وتربطهما علاقة وترية وفنية.
للحفلة دلالات
وخلال استطلاع لمنصات التواصل الاجتماعي، فإن لحفلة "الغايب" دلالة تتجاوز عودة فنان من محنه وغيابه إلى دلالة أوسع، فهي تعكس استمرار النشاط الثقافي والترفيهي في السعودية وسط بيئة إقليمية متوترة، وتبرز قدرة الفعاليات الكبرى على استقطاب فنانين وجماهير من دول عربية مختلفة، على رغم ما يبثه أعداء البلاد وكارهوه.
ولم تكن المفارقة لتُبرَز لولا المطرب الذي ارتبط اسمه بأعوام من الغياب والجدل القانوني داخل لبنان.
وبدأ شاكر بغياب مثير جاء على خلفية أحداث عبرا عام 2013، لكن عودته بددت أعوامه العجاف، وبخاصة في توقيتها ومكانها.
في بيروت جمهور مشتاق وآخر متحفظ
عودة الفنان فضل الشاكر رسمياً للغناء في حفلة "عودة الغايب" لم تكن عادية، بل ترافقت مع جدل واسع لما رافق هذا الغياب من مشكلات طوال أعوام، ما بين الاختباء في مخيم للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتلك العلاقة التي ارتبط فيها اسمه مع جماعة الشيخ أحمد الأسير وأحداث عبرا عام 2013، وما نتج من ذلك من أحكام قضائية انتهت بإخلاء سبيله ورفع قرار منع السفر عنه.
وعلى رغم هذا الجدل، كانت اللهفة الجماهيرية اللبنانية بعد الغياب الطويل لافتة في هذه العودة، وكأن الزمن قد توقف في أذهان محبي الفنان اللبناني، أو لدى قسم كبير منهم في الأقل، فبقيت صورة الفنان الذي عُرف بـ"ملك الإحساس" محفورة فيها، ولم تشوهها كل المشاهد التي رافقت اسمه في الأعوام الماضية، بعدما أعلن اعتزاله الفن لدى تقربه من الأسير وحصول تحول في مسيرته الفنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جدل ولهفة جماهير
عندما افتتح الفنان حفلته الغنائية الأولى على مسرح أبو بكر سالم ضمن فعاليات موسم الرياض بأغنية "إلا وأنا معاك" علت هتافات الحاضرين وتصفيقهم من محبيه في الرياض، وفي بيروت تابع هذه الحفلة عشرات الآلاف عبر البث المباشر افتراضياً، وكذلك في بعض مقاهي العاصمة اللبنانية.
فيما كانت تذاكر الحفلة الأولى في الـ22 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري في الرياض قد نفدت خلال دقائق من طرحها، مما دفع القائمين على الحفلة إلى الإعلان عن حفلة ثانية أقيمت مساء أمس الجمعة.
وأكثر بعد تخطى الحضور حدود المسرح فضم جماهير واسعة تابعت الحفلة من بعد من مختلف دول المنطقة وعلى رأسها لبنان، بما أن الحفلة قد نقلت مباشرة عبر منصة "شاهد"، كذلك نقلتها منصات إعلامية، فتابعته مجموعة كبيرة من الجماهير بتفاعل على رغم بعد المسافات في ظاهرة غير مسبوقة. فيما حضر في بيروت وعدد من المناطق اللبنانية سؤال تردد على مسامع كثيرين "متى يحضر شاكر إلى لبنان ويحيي حفلة هنا على أرض وطنه".
آراء فنية متناقضة
على رغم هذا التفاعل الواضح مع أجمل أغاني الفنان المفعمة بالإحساس، وأيضاً عندما رافقه ابنه محمد شاكر بالغناء على المسرح، ومن بعده الفنانة نوال الكويتية التي صعدت إلى المسرح للترحيب به، لم تخل هذه العودة أيضاً من الجدل والآراء المتناقضة، تماماً كما كان الغياب مثيراً لجدل واسع ولمشاعر متناقضة أيضاً، فعدَّ كثير من النقاد أن هذه العودة أتت دون التوقعات وكانت مخيبة للآمال، خصوصاً بالنسبة إلى عشاق الفنان الذين ترقبوا عودته طوال الأشهر الماضية وحلموا طويلاً بصورته التي غلبت عليها الرومانسية في مرحلة ماضية، فقيل إن الحضور بدا باهتاً بالنظر إلى التوقعات وكان التوتر واضحاً على الفنان، كما بدا للبعض أن صوته فقد شيئاً من الإحساس العالي الذي دائماً ما ميّزه.
وبحسب الناقد الفني محمد حجازي ليس من الممكن التحدث عن نجاح الفنان في الحفلة الأولى التي أقامها، إذ ما بدا مسيطراً على حد قوله هي لهفة الناس الذين ترقبوه سواء في المسرح أو في المشاهدة من بعد حتى من بيروت، وتفاعلهم مع أغانيه التي حفرت في ذاكرتهم، وقال "مما لا شك فيه أن فضل شاكر كان فناناً كبيراً محبوباً في ما مضى، وتميز بصوت ذي إحساس عالٍ وجميل، لكن ما فعله بدّل الآراء حوله، وعلى رغم التفاعل الذي رأيناه في الحفلة، فلا يمكن أن ننكر أنه كانت هناك خيبة أيضاً، ولا يمكن الاستناد إلى هذه الحفلة، لأن لهفة الجمهور لفنان أحبه في ما مضى كانت أكبر من أداء هذا الفنان وعودته".
من وسط بيروت #عودة_الغايب https://t.co/nNjXUZW9R3
— شريف حجازي (@sharifhijazi11) October 23, 2026
نجومية تخطت الحدود والاتهامات
في المقابل أجمع عدد من النقاد الفنيين أن شاكر حضر وبقوة على المسرح، مع الأخذ في الاعتبار فارق الأعوام ما قبل أحداث عبرا واليوم، ناهيك برهبة العودة إلى مسرح بهذا الحجم وأمام جمهور كبير من السعوديين، التي تؤثر بصورة مباشرة في أداء أي فنان، فكيف الحال بفضل شاكر الذي تأتي عودته استثنائية.
ويعد هؤلاء أن شاكر أعاد للجمهور، وبالصوت نفسه، إحساساً لم يستطع أي فنان أن يقدمه طوال غيابه، وأنه مع الوقت سيجد طريقه نحو التألق السابق مع مزيد من التمارين الصوتية والأهم الاستقرار النفسي الذي افتقده طوال أعوام طويلة.
وفيما تفتح هذه العودة جراح الماضي، خصوصاً أن المسار القضائي لا يزال معلقاً في البلاد ولم يخلص إلى حكم نهائي، رحب قسم آخر من اللبنانيين بهذه العودة، وعبر عن شوق إلى هذا الحضور الفني بعد تبرئة الفنان من تهمة قتل عناصر الجيش، وهي التهمة الأكبر التي لاحقته طوال الأعوام الماضية.
وهذا ما يفسر هذا التفاعل الواسع مع حفلة فضل شاكر من بيروت نفسها التي تسمر فيها قسم من اللبنانيين أمام الشاشات لمتابعة الحفلة وسماع أجمل أغانيه في المنازل والمقاهي.
وهنا تطرح تساؤلات حول سر هذه اللهفة بعد غياب فنان عن الساحة الفنية طوال 14 عاماً، فكثير من الفنانين الذين يتغيبون لأعوام معدودة يدخلون طي النسيان، ولا يمكن إلا أن نتساءل حول سر هذا الشوق والتمسك بصورة الفنان الغائب وصوته وأغانيه.
حضور فني صادق
تصف الإعلامية نسرين ظواهرة نجومية الفنان فضل شاكر بـ"التسونامي"، عادَّة أنه قد يتمكن الفنان من الكذب ومن شراء متابعين أو مؤيدين له ومعجبين يتحدثون عن نجوميته، لكن عند الاختبار في الحفلات تظهر الحقيقة التي لا مفر منها، فأكدت أنه عند شباك التذاكر تُفضح كل الحقائق، وهذا ما لا يمكن إخفاؤه بأي صورة من الصور.
وتقول "بدت نجومية الفنان فضل شاكر واضحة في الحفلة الأولى التي أقامها بعد عودته، هي نجومية صعبة الوصف ولا يمكن الوصول إليها إلا إذا كان الفنان حقيقياً، وأرى أن قوة فضل شاكر في بساطته وفي كونه حقيقياً ولم تغيره النجومية ولا النجاحات يوماً".
وأضافت ظواهرة أن ليلة الحفلة في السعودية كانت ليلة فضل شاكر في العالم العربي كاملاً، وقد تسمر الناس أمام الشاشات في مختلف الدول العربية ومن ضمنها لبنان لمتابعة الحفلة، إضافة إلى الحاضرين في الحفلة نفسها، وهذا ما يؤكد نجومية غير اعتيادية، لأن شاكر ليس الفنان الوحيد الذي يتمتع بصوت جميل وليس وحده من له أغانٍ جميلة، لكنه يتمتع بنجومية غير اعتيادية واضحة في لهفة محبيه ممن ترقبوا الحفلة وتابعوها من بعد من لبنان أو أي دولة عربية أخرى، وأيضاً من تهافتوا لشراء التذاكر من الدقائق الأولى.